النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

من دروس الأقليم

فشل الخيار الطائفي في الحكم

رابط مختصر
العدد 9647 الإثنين 7 سبتمبر 2015 الموافق 23 ذو القعدة 1436

تبينت الاحداث الجارية في الإقليم: في العراق ولبنان وسوريا أن النموذج الطائفي للحكم قد عبر عن افلاسه الكامل، سواء ذلك الذي انجز بالتوافق الطائفي في شكل محاصصة، او الذي انجز بأعراف دستورية مخالفة للمنطق ولحركة التاريخ التي تقوم على حتمية الأخذ بمنطق المواطنة الحرة المتساوية، والذي يتجاوز القسمة المحاصصية التي تحولت إلى مقدس أكبر من الجميع والى معيق حقيقي لتطور الدولة في لبنان كما في العراق حاليا. ففي الوقت الذي كان اللبنانيون يتطلعون إلى أن يساعدهم العرب على تحويل كنتوناتهم الطائفية الى وحدة وطنية حقيقية والنموذج الناجح للانتصار بالعروبة الموحدة على الانفصالية والطائفية والمذهبية المتناحرة التي يتعيش منها أصحاب المصالح والألقاب الطائفية انظم العراق إلى ركب النظم الطائفية بمباركة أمريكية ورعاية إيرانية، بما أدى الى الاجهاز على الدولة ووحدة الأرض والشعب، كما ان التصميم الطائفي لبنيان السلطة قد أصبح النموذج المرغوب فيه من قبل الطائفيين الجدد الصاعدين في أكثر من مكان كما ان تعميمه يتسق مع مخططات ومقولات الشرق الأوسط الجديد: شرق الطوائف والكنتونات، لا شرق الدول والكيانات، ويكفي ان التوقف عند الحالة العراقية لندرك حجم الكارثة التي حلت بهذا البلد، فمجريات اللعبة السياسية في العراق -الأمريكي تدفع إلى التوغل داخل أسباب الشقاق أو الافتراق أو الاختلاف العنصري والطائفي والمذهبي، هذه المقامرة بالكيان السياسي العراقي وبوحدة شعبه التي صمدت لهزات كثيرة وخطيرة تحت في السابق، أدت الى تفتيت البنية الوطنية وتأسيس قاعدة طائفية ـ مذهبية ـ عنصرية، بإعادة إنتاج النموذج اللبناني بشكل أكثر سوءا.
وهذا النموذج القائم على المحاصصة هو ما يجري تعميمه اليوم برعاية أمريكية على عدد من الأقطار العربية، بالتنسيق المباشر مع القوى الطائفية المحلية التي لها أعلامها الخاصة وصور زعمائها وسناجقها وأناشيدها الطائفية، والتي رسمت الحدود الجغرافية لأقاليمها وتشكيلاتها البرلمانية وشرطتها الإقليمية، بحيث تصبح الدولة دولا ورقية، والجيش مليشيات وكتائب وعصائب وحشود في يد زعماء الطوائف، بما يستدعي حروبا أهلية تنتهي بتوليد حروب لا نهائية.
إن النموذج الأمريكي الجديد لإعادة البناء – وفق منظور الفوضى الخلاقة- هو النموذج الطائفي الذي أشاد به الرئيس اوباما في خطابه صراحة، وقد بدأ تنفيذه في البروفة العراقية وفي اليمن ويجري حاليا الإعداد لتطبيقه سوريا وليبيا، وإذا ما استحال تحقيق التقسيم مثلما حدث في السودان، فلا باس بإعادة تنظيم الحكم على أساس المنطق الطائفي الذي يؤسس لحروب جديدة، ولذلك أصبحنا نستمع إلى خطاب جديد من نوع: تقسيم الثروة على المناطق والطوائف، وتقسيم المناصب على نفس الأساس بما يعني في النهاية اضمحلال الدولة، لتحويل الدول إلى محميات طائفية، فاقدة السيادة والاستقلال.
ومن هذا المنطلق اعتبرنا مطلب (الحكومة المنتخبة) – الذي تطالب به المعارضة في البحرين في مجتمع منقسم طائفيا بمثابة فتح لأبواب الحكم الطائفي المهلك للحياة العامة والمعطل للتطور الطبيعي للسياسة. حيث ينبع تركيز المعارضة على مطلب (الحكومة المنتخبة) من اعتقادها أنها تشكل أغلبية الأصوات ضمن الكتلة الناخبة (إذا ما تحقق لها المطلب الثاني وهو إعادة هندسة الدوائر الانتخابية بما يؤمن لها مقاعد أكثر في البرلمان كامل الصلاحيات). فحتى لو قبلنا بمبدأ (الحكومة المنتخبة) فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو التالي: منتخبة ممن؟ هل تكون منتخبه من هذه الأحزاب والتشكيلات الطائفية أو شبه الطائفية؟ لتكريس الطائفية في السلطة التنفيذية، أو ترجمتها لمبدأ المحاصصة على النمطين العراقي واللبناني والذي استفد طاقته ووصل الى نفق مسدود ( جمود حكومي ورئاسي وتوقف مصالح المواطنين).
وعلى صعيد الواقع فان المجتمع اليوم يسوده نوع او قدر من الانقسام الذي نجحت في انجازه الجماعات الطائفية، مما ولد حالة من عدم الثقة ، وأصبح لدى البعض ريبة من وراء هذا المطلب والإصرار عليه، فضلا عن كونه لا يساعد على تثبيت الاستقرار وإعادة الثقة، ولعل استعادة الثقة بين كافة مكونات الشعب هي الأولوية..وإن أولى الخطوات اللازمة لمعالجة هذه الطائفية هي إعادة النظر في قانون الجمعيات السياسية، الذي كرس في الواقع طائفية العمل السياسي، اذ تبدو الجمعيات السياسية الدينية في واقع الأمر عبارة عن مؤسسات طائفية مغلقة على مذهب أو جزء من المذهب، ولا تقوم في الواقع على أساس برنامج سياسي، ومن المؤسف حقاً أن الطائفية في واقع الحال تتحول إلى مؤسسة تضرب هوية الدولة ووحدتها الوطنية، وتفتت ما يجمع الناس وهي الهوية العربية الإسلامية، فالمطلوب في النهاية هو تعزيز الديمقراطية والحريات العامة والخاصة وضمان حفظ التعددية في البلد وتوحيد الجبهة الداخلية، ولن يكون ذلك ممكنا دون التشاور والحوار بين كافة مكونات المجتمع في ظل وجود ضامن للوحدة الوطنية والتعددية والتنوع الذي يحفظ التوازن بين السلطات والتعددية وحقوق الأقليات من التغول الحزبي والطائفي..
ان الطائفية هي أساس الشر ومكمن الداء، ولولاها لما وجد الخارج مدخلا يدخل منه، ولولاها ما انقسم الناس حول الثوابت وتفرقوا، وذلك لأن الطائفية تعيق استكمال البناء الوطني، وتأسيس مؤسسات المجتمع المدني على نحو سليم إلى حد الآن، بما يشوه العمل السياسي بجعله معبرا عن الطائفة، ومعرقلا لتكوين الوعي الوطني المستند إلى مفهوم المواطنة المتساوية، بالسعي إلى تجزئة هذا الوعي وتحويله إلى وعي فئوي يعبر عن مصالح طائفية ضيقة، بما لا يساعد على إنتاج الحداثة أو فهم الإسلام فهما حداثيا، أو التقدم نحو بناء الدولة الوطنية الديمقراطية(دولة المواطنة).. ولذلك يحتاج التخلص من هذه الثقافة إلى التحرر من سلطة المرجعيات المقدسة التي أدت وما تزال تؤدي دورا طائفيا و أصبحت عبئا على الدولة والمجتمع وجزءا من المشكلة وليست جزءا من الحل..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها