النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11198 الجمعة 6 ديسمبر 2019 الموافق 9 ربيع الثاني 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

اكسينوفوبيا المهاجرين

رابط مختصر
العدد 9643 الخميس 3 سبتمبر 2015 الموافق 19 ذو القعدة 1436

عرفت الانسانية منذ وقت طويل هجرات كبرى وهجرات عادية لمجرد عائلة او جزء من عشيرة او مجموعات من قبيلة أو تجمعات عرقية، وكانت تلك الهجرات الكبرى تحدث نتيجة ثلاثة اسباب رئيسة الاولى ناتجة عن الحروب والثانية عن كوارث طبيعية والثالثة عن ظاهرة اقتصادية كالفقر المدقع والمجاعات الرهيبة التي يمر بها السكان.
ومن الطبيعي ان يحدث النزوح الداخلي او الهجرة للخارج نحو مناطق مجاورة أكثر أمنا ورخاء، ويتم استيعاب تلك الاعداد الكبيرة في تلك البلدان للمهاجرين، بل ويتم دمجهم في المجتمع ليصبحوا مع مرور الوقت جزءا من تركيبة المجتمع ونسيجه الوطني. لم تكن الهجرة يومها تحكمها حدود وقوانين، ولكنها اليوم صارت مسيجة بالاسلحة والحدود والكاميرات والالغام والأسلاك والقوانين، بل وأصبح غير مرحب بها في تلك البلدان والشعوب لكونها ماعادت لاقتصاديات دول متأزمة مصدر رخاء وازدهار، بالاضافة ان المهاجرين المعاصرين تحولوا الى حالة ذعر سياسي وامني وديموغرافي مستقبلي.
ما نشهده من هجرة بشرية متدفقة من كافة المناطق المتأزمة بالفقر والارهاب والحروب، تحولت الى ظاهرة تجارية مربحة لتجار السوق السوداء بمصير هؤلاء المهاجرين الذين وجدوا انفسهم يدفعون مبالغ باهظة وفي رحلة طويلة تمتد من حدود افغانستان عبورا بايران وتركيا بحثا عن ارض الفردوس المفقود في القارة البيضاء الغنية بالثروة وبفرص العمل ـ هكذا يراود الحلم ذهنية الفقراء ـ ويداعبها تجار مافيا البشر والتهريب عبر الحدود الطويلة، حيث يدفع الافغاني ما يراوح 2000 دولار كحد أدنى بحيث تصل بعضها 10 الاف دولار لتلك العصابات على امل توصيله للحلم، اما من يأتون من القارة الافريقية والشرق الاوسط، فهؤلاء اما يعبرون البحر بسلام وتتلقفهم شرطة فرنسية او ايطالية في عرض البحر او ينجحون في التسلل او يغرقون هم وعائلتهم، وتراجيديا الهجرة اليوم، ان المجموعات البشرية بعضها عائلات كاملة، تجازف لكي تحيا او تموت، فكلما قارنت حياتها في وطنها، تكتشف ان خيار المجازفة لربما ولادة اخرى او موت قادم. بين تلك الخيارات المأساوية، تواجه دول الاتحاد الاوربي كلها ازمة مستفحلة، فالعولمة منحت المهاجرين حق السفر والتنقل والعبور والبحث عن العمل في أي مكان يرغبون للوصول اليه، وباتت هنغاريا نقطة عبور مهمة في اوربا الشرقية فيما منطقة كالي الفرنسية موقعا حيويا للمهاجرين، الطامعين في فرص عمل في بريطانيا.
وظاهرة المهاجرين لم تكن وليدة اليوم، ولكنها تضخمت في وقتها الراهن واتسعت من المئات الى الالاف، ومن ميزانيات متواضعة الى ميزانيات لم تعد بلدان كايطاليا وقبرص واليونان واسبانيا قادرة وحدها علي تحملها في ظل الازمة الاقتصادية التي تمر بها جنوب دول الاتحاد الاوربي.
ولم تجد لها تلك الدول مع الجهات المعنية باللجوء في الامم المتحدة الا بتوزيع المهاجرين الى «كوتات» لتوزيع العبء بين تلك الدول. وكلما تمزقت البلدان بالحروب وتراكم البؤس والفقر فيها، فإن عملية اللجوء نحو فردوس الاغنياء ستظل مستمرة الى حد تضطر فيها تلك البلدان التضيق المطلق على تلك الهجرات المتدفقة، غير أنها لن تنجح في مواجهة الهجرة اللاشرعية الواسعة النطاق. تلك الظاهرة انعشت التيارات اليمينية والفاشية، حيث وجدت في المهاجرين ذريعة لبطالتها ووضعها المختنق في مجتمع رأسمالي متأزم في دوراته الاقتصادية خاصة في عقوده الاخيرة، بل ولا ترى افقا ايجابيا على الاقل لعقد قادم، بإمكانه انتشال «القارة الثرية!» من وهدتها.
اليوم كلمة الاكسينوس الاغريقية، والتي تعني الغريب/ الاجنبي وفي ذات الوقت تعني الضيف، ما عادت مكانا للترحيب، ففي القدم عادة نحن نستقبل الغرباء كضيوف، «ويا غريب كن اديب» «والغريب له الحشيمة» أما اليوم فهو مثير للكراهية ومنبوذ كالوباء. ويؤكد التاريخ القديم كيف «تأسست مدينة روما التي اعلنت انها مدينة ملجأ» فور الاعلان: العبد الذي يحتمي فيها لا يسلم الى سيده، والمدين لا يسلم الى الدائن، والهارب المخل بالنظام لا يسلم الى من يتعقبه، واعلان المدينة الجديدة ملجأ لا يشكل شيئا خارقا في التاريخ الروماني واليوناني، بل وفي التاريخ القديم عموما: لقد كان ثيزة، كما تقول الاسطورة ايضا، يضع تحت حمايته في أثينا كل من يلجأ اليه، ودعا ثيزة مباشرة: «تعالي الى هنا، أيتها الشعوب جميعا».
ولا اخال ان حكومة اليونان الحالية وغيرها من اوربا الديمقراطية مقتنعة في قرارة نفسها ان تكرر ما فعله ثيزة في ذاك الزمن!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا