النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

إشكالية تبييض الإرهاب..

التوقف عن لعبة ممارسة السياسة في «الشارع».!!

رابط مختصر
العدد 9642 الأربعاء 2 سبتمبر 2015 الموافق 18 ذو القعدة 1436

السؤال البسيط الذي يطرح نفسه في ضوء استمرار الاعتداءات على رجل الأمن وتنفيذ العمليات الإرهابية المبيتة: ما الذي يريده هؤلاء من وراء عمليات التفجير والقتل المبرمج وسفك الدماء؟ ماذا يريدون من مواصلة هذا النوع من الإرهاب الأسود الذي ما يزال يجد من يبرره ويدافع عنه وحتى يصنفه ضمن خانة (النضال)؟؟ ما الذي يريده الذين«يناضلون» ومن وراءهم ممن يدعمهم بالمال والسلاح والدعاية وتبييض الإرهاب من خلال قتل رجال الأمن وتهديد السلم الأهلي بشكل خطير؟؟ وما هي الرسالة التي يرغبون في إيصالها للداخل والخارج من وراء هذه السلسلة من الأفعال المجرمة قانونا ودينا وأخلاقا؟؟ هل يريدون المزيد من الإصلاح السياسي والاقتصادي؟ هل يريدون تحسين أوضاع الناس ومعاشهم؟ هل ينشدون حياة أفضل من تلك التي يحياها المجتمع في الوقت الحاضر؟
أسئلة عديدة تطرح نفسها بقدر غير قليل من الألم والأسف على ما آل إليه أمر هذه الجماعات التي من الواضح أنها تخدم أجندات لا تخدم صالح هذا الوطن ولا تترك للمجتمع فرصة التقاط الأنفاس لاستعادة وحدته وسلمه الأهلي، هؤلاء يخافون من أي فرصة قد تلوح في الأفق للحوار وللتوافق الوطني ولإيجاد مخارج لأزمة سياسية شكلا ومضمونا؟ هؤلاء ومن وراؤهم لا يفعلون سوى خلط الأوراق سياسيا ومجتمعيا وإعلاميا لإدامة حالة عدم الاستقرار ولاستبعاد أي فرصة للمصالحة وعودة الحياة السياسية لسالف وضعها قبل أزمة فبراير 2011م وما تلاها.!!
المشكلة في تقديري لا تتعلق بهذه الجماعات الصغيرة الهامشية المنبوذة والمرفوضة أفعالها قبل أفكارها الموجهة، فبالرغم من بشاعة الأفعال التي تقدم عليها نتيجة ما ترسخ في عقولها من معاني الكراهية للدولة وللنظام السياسي، فإنها تظل هامشية وغير مؤثرة إلا أن المشكلة الحقيقية تكمن في الخطاب السياسي الذي ما يزال يدور في حلقة مفرغة تفضي إلى تبييض الإرهاب والعنف وتبريره، كما تفضي إلى تأجيل لحظة استعادة الوعي السياسي بضرورة طي صفحة الأزمة والالتفات إلى البحث عن مخارج سياسية حقيقية وجادة تكون مقبولة ومعقولة ومتوازنة، حيث ما يزال هذا الخطاب يقف عند محطة 2011م ويفرش بطريقة أو بأخرى السياق السياسي والإعلامي وحتى الشرعي لممارسة كافة أنواع العنف والإرهاب الأعمى، حيث يستشعر هؤلاء بأنهم مدعومون ويلقون الحاضنة السياسية التي تشرعن أفعالهم. إن المعالجة السياسية وحدها تطوي صفحة الآلام، والتي بدونها ستظل البلاد عرضة لمثل هذه الأفعال الإجرامية التي يُجر لها طائفة من الشباب التائه المغرر به من الذين تم غسل أدمغتهم، ليكونوا أداة لمثل هذا الإجرام الذي يؤدي في النهاية إلى إلحاق الضرر بالمجتمع، وبهم أنفسهم، وبمستقبلهم أيضا.
وهنا يأتي دور الجمعيات السياسية لمعالجة مثل هذا الملف معالجة سياسية بوضعه في السياق السياسي الصحيح، لأن الإرهاب عندما ينطلق من عقاله لن يستثني أحدا، ولن يكون أحد بمنأى عن ناره، بمن في ذلك الذين يجدون له التبرير او يوفرون له الدعم المباشر وغير المباشر، وتجارب بعض البلدان العربية التي انفلت فيها العنف واستشرى فيها الإرهاب تؤكد ذلك، لكل من يمتلك من الوعي ما يكفي للوقوف في وجه الإرهاب بصورة عملية وليس بمجرد الاكتفاء ببيان عام بارد وغير جاد (نحن ضد العنف مهما كان مأتاه) لأن هذا الذي يحدث لم يعد عنفا، إنه إرهاب مبرمج وموجه بشكل معلن وصريح من الخارج ولم يعد من الممكن تجاهل هذه الحقيقة أو تجاوزها بمختلف الصياغات اللغوية المخاتلة!..
أما على الصعيدين الاجتماعي والتربوي فإن على الأسرة وأولياء أمور هؤلاء الشباب ضرورة الاهتمام بتوجيه أبنائهم وتقديم النصح والإرشاد لهم وتحذيرهم من عواقب وخطورة القيام بأي‮ ‬أعمال عنف تستهدف أرواح المواطنين والمقيمين أو تستهدف الممتلكات العامة والخاصة، لأن معالجة المسالة الأمنية يكون بوضعها في إطارها الصحيح، وهو إطار الشراكة المجتمعية، التي طالما تحدث عنها وزير الداخلية في أكثر من لقاء ومناسبة عندما أشار ‮‬إلى « أهمية تكاتف جهود جميع المعنيين من رسميين وأهال‮ ‬من أجل التصدي‮ ‬لجميع أشكال العنف المختلفة لأن المجتمع البحريني‮ ‬ أصبح في‮ ‬حاجة إلى نشاط وطني‮ ‬شامل لشرح خطورة وعواقب مثل هذه الأفعال التي‮ ‬كثرت وتكررت في‮ ‬الآونة الأخيرة.» وهذا يعيد طرح الموضوع الأمني من خلال الانتقال به من مسؤولية (دولة) إلى مسؤولية مجتمع، باعتبار الأمن شرطا للحياة وللنماء، وبدونه يختل كل شيء ويتوقف، إذ لا يجوز تحويل المجتمع إلى رهينة بين أيدي المشتغلين بالسياسة أو المغامرين السياسيين- بغض النظر عن مدى مشروعية القضايا التي يطرحونها- فليس مكانها في جميع الأحوال- احتلال الشوارع والتعدي على الآمنين من عابري السبيل والكادحين، أو الاعتداء على رجال الأمن وقتلهم.
إن الذين يدفعون باتجاه التصعيد السياسي يعمدون إلى الدفع بهؤلاء الشباب لتعريض أنفسهم وغيرهم لمخاطر العبث في إدارة ممارسة لعبة «السياسة في الشارع»، دون إدراك حقيقي للمخاطر الجمة الناجمة عن هذا التوجه، ولذلك عليهم التوقف عن هذا المسلك الذي يلحق أفدح الضرار بالمجتمع. ومن المهم التوجه إلى معالجة هذا الجانب من منظور وطني شامل سياسي وإعلامي وديني وتربوي، وليس من منظور أمني فقط، لأن هؤلاء الشباب هم أبناء هذا البلد، يجب العمل على تدريبهم على كيفية التعايش داخل المجتمع الديمقراطي ومستلزمات هذا الانتماء، وكيف يفضي هذا التعايش - وبشكل طبيعي- إلى نتاج متنوع وخصب في المجالات كافة، بما في ذلك القبول بتنوع الأفكار والرؤى وتنوع المعالجات، مع الالتزام بمتطلبات السلم الأهلي والدفاع عن أمن المجتمع واستقراره ومكتسباته، واعتبار الأمن خطا أحمر.. لا يجوز تجاوزه، ومساعدتهم على الانتقال إلى حالة الوعي بقيم المواطنة والانتماء، بما يستدعي مقاربة حالة هؤلاء من الشباب بالاستماع إليهم والحوار معهم، وتبني المسؤولية تجاه تحصينهم ضد الأهواء والاستغلال السياسي المريب، وهذه الخطوة تستدعي تكثيف جهود الجميع، وهذا الجهد لا يجب أن يرتبط فقط بموضوع الأمن بشكله المجرد، بل ينبغي أن يرتبط تأسيسا بموضوع الانتماء، وبترسيخ حقيقي لمفهوم المواطنة، يتخطى الجانب النظري ويكون متلازما مع تعميق مفهوم الحرية والمسؤولية، التي لا مناص من ارتباطها بالمواطن ليصبح فاعلا (وحرا ) واعياً لما له من حقوق وعارفاً بما عليه من واجبات، وعلى رأسها الحفاظ على أمن الوطن واستقراره واستقلاله والمحافظة على مكتسباته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها