النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مأساة بورجوازي صغير جدا..

الخارج في الربح الداخل في الخسارة!!

رابط مختصر
العدد 9640 الإثنين 31 أغسطس 2015 الموافق 16 ذو القعدة 1436

عندما يتجدد الحديث عن الأزمة الاقتصادية وتراجع أسعار النفط واعادة توزيع الدعم، وتوجيه الدعم الى مستحقيه، وتقليص الدعم الحكومي ووو الى اخر ترسانة مصطلحات معجم التقشف التي تذكرنا بأيام الازمة التي عشناها في بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما انخفضت أسعار النفط الى 10 دولارات، عندما يحدث ذلك فان البورجوازي الصغير وحده يهتز ويشعر بالضيق اكثر من غيره، لأنه داخل في حسابات الخسارة وخارج في معادلات الربح..
فإذا كانت الأمور بخير والسيولة موجودة والرفاهية في اوجها، والميزانية مكتنزة وأسعار البترول تتجاوز المائة دولار، يكون هو خارجا عنها تماما: فلا هو من مستحقي الخدمات الاسكانية لان راتبه يزيد عن... ولا هو من مستحقي علاوة الغلاء لان راتبه يزيد عن... ولا هو يستفيد من جميع المعونات وأنواع الدعم لأنه من غير مستحقيه، أو لأن راتبه يزيد عن...!! يكفيه انه يحصل على راتب يزيد عن ...وخلاص..!!
يشعر «البورجوازي الصغير» اليوم ضمن ضغط الآلة الاجتماعية الطاحنة وتآكل ما بقي من مقومات الحياة الكريمة أن أحلامه ( الصغيرة جدا) تتآكل وتتلاشى يوما بعد يوم، ولذلك يشعر بالقلق لاهتزاز موقعه وقلة الحيلة والعجز المزمن في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية الداهمة وهو ما يفسر في الغالب تذبذب مواقفه الأيديولوجية والفكرية والاجتماعية.. فهو جزء من شريحة زئبقية بلا هوية، معلقة بين الأرض والسماء، يدفعه واقعه الاقتصادي القاهر نحو الانحدار إلى صفوف الطبقات الفقيرة، وتدفعه تطلعاته إلى التكفف الفاضح والوقوف عند أبواب الاستجداء ومد اليد، وإراقة ماء الوجه بما لا يليق بالحرّ أن يُقدم عليه، ونظرا لصغر حجم موقعه وقامته وتطلعاته وأحلامه، فإنه ما يزال يحلم بسيارة صغيرة، وببيت صغير جدا، وبزوجة صغيرة وطفل صغير ووظيفة صغيرة، وإجازة صغيرة ووجبة صغيرة، ورحلة قصيرة، تتقطع أنفاسه وراء الراتب الصغير فلا يلحق به بالرغم من اللهاث اليومي وراء الخبزة الطائرة والزمن الهارب والوقت الصعب والدنيا الكلبة والوقت المتكالب.
صديقي البورجوازي الصغير جدا جدا، حكي قصة اليوم: لقد حصلت أخيرا على وظيفة بعد لهاث وتمسح ووقوف عند الأبواب، والأعتاب وعلى الرغم من أنني أتعامل في كثير من الأشياء التي أرغب فيها واحلم بها، فإنني لا أستطيع الحصول على أي منها، (مثل العقارات والأسهم و السيارات الفخمة والصكوك والشيكات والرحلات السياحية الحالمة والمجوهرات والتحف...و ......) وفي عملي يجب أن أكون الخاسر الوحيد والمزمن، والملوم المستمر، فالزبون على حق، وصاحب العمل على حق، والمدير على حق، والفراش على حق وشركة الهواتف على حق ووزارة الكهرباء والبلدية والاشغال والتجارة والناس أجمعين على حق، أنا الوحيد خارج دائرة الحقوق، علي أن أبتسم دائما، و أن أحسن معاملة الناس جميعهم حتى البليدين والتعساء والسفهاء منهم وناقصي العقل والدين، حتى وان أساءوا معاملتي، وعليّ أن أكون لطيفا ظريفا طريفا مؤدبا غشيما وبشوشا، حتى وان كنت تعيسا ومريضا أو حزينا وغاضبا، في لحظة عزاء او انزواء او بكاء، فلا احد يعبأ بي ولا بمشاعري الصغيرة جدا..
في الوظيفة لم أبع جهدي ووقتي فحسب، بل يبدو أنني قد بعت نفسي وذاتي ومبادئي الصغيرة المسكينة أيضا والتي عادة ما توصف في جميع الكتب والخطب والأقاويل بأنها (مثالية) وصغيرة وهامشية ومسكينة، فأنا يوميا أبيع الابتسامات والإيماءات الطيبة والنفاق المستمر والمجاملات السخيفة الرخيصة، والابتسامات الركيكة البلاستيكية، إذ يجب أن أمارس كبت الامتعاض والغضب والقهر، حتى لكأنني أصبحت شخصا متحجرا.
(انتهى كلام الصديق البورجوازي الصغير البلاستيكي)...
***
هذه الصورة مجرد لقطة واحدة من حياة بورجوازي صغير جدا جدا، لا تهتم به الجرائد ولا تدعمه الحكومة ولا تشفق عليه المقالات ولا يتعاطف معه احد فراتبه يزيد عن .... وتختزل الصورة أيضا مأساة هذه الشريحة التي تعاني من توزع الأشواق بين واقع مرير يشد إلى الأرض وتطلع يشق عنان السماء بطموحات تسقطها الاحباطات المتوالية، ولذلك تجد أن اغلب أفراد هذه الشريحة ينشطون في مجالات تعويضية، بحثا عن العزاء، مثل حقوق الإنسان والمنظمات المدنية والجمعيات الخيرية بكافة اشكالها ...
هذا البرجوازي الصغير حتى في ممارساته للصراع ورفعه للشعارات الثورية، فانه وبسبب ازدواجية حالته الاقتصادية يعيش انفصاما يتجلى في مواقف متناقضة، وأيديولوجيا متذبذبة، ففي موقف يظهر بثوب عامل متحمس للتحولات الاجتماعية، وفي آخر يجسد سلوك صاحب العمل، من كبار الملاك والتجار، يرى صورته في مـرآة الطبقة المسيطرة، فمأساته انه يشعر بأنه من نسيج غير متجانس لا في الفكر، ولا في العقيدة، ولا في الموقف، يفتقد إلى نهج واضــح وإلى رؤية متماسكة؛ فمرة يتماهى مع الشعائر والطقوس الدينية، وأخرى في الشعارات الطائفية والحزبية او حتى القومية، ومرة ثالثة يعمد إلى الاقتباس من المقولات اليسارية التي يجدها معبرة عن أعمق ما في نفسه وفكره: خليط من العقائد والمصالح والرؤى تتشابك وتضطرب في نسيج غير متجانس ولكنه مسكين في اغلب تجلياته.
همس
في الفكر كما في العمل كما في الحياة الشخصية وحتى في المشاعر، إذا ما شعرت باللاجدوى أتعب وأتعثر، نتيجة الاحساس بالدوران في حلقة مفرغة، ومع انني اكتب منذ أكثر من 30 سنة متواصلة بلا انقطاع-إيمانا بدور الكلمة في التاريخ ودور الفكر ودور النخب في التجديد والتطوير والإصلاح والتنوير-إلا ان الواقع غالبا ما يخذلنا بشكل مؤلم: فالسائد في حياتنا اليوم هو الضحالة والخطابية والتهريج الثقافي والسياسي والغرائزية الطائفية والمصالح الضيقة...الكل يكذب على الكل هذه هي كلمة السر الوحيدة. ولذلك يبدو لي التشاؤم هو الموقف الفكري الاكثر وعيا بالأزمة وبالحالة وبالمخاطر كما التفاؤل هنا مجرد موقف إرادي، هو أقرب الى البلاهة والامنيات الجوفاء.
نعم تعبت، وعندما اتعب يتعثر لدي كل شيء ولكن مازالت تحركني الثقة بان التاريخ يتحرك الى الامام بالرغم من كوننا نبدو وكأننا امة تدور في حلقة مفرغة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها