النسخة الورقية
العدد 11057 الخميس 18 يوليو 2019 الموافق 15 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:25AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

لم يكن البابا مستاءً من الصليب!

رابط مختصر
العدد 9640 الإثنين 31 أغسطس 2015 الموافق 16 ذو القعدة 1436

اضطررت تأجيل الكتابة عن زيارة البابا فرانسيس لقارة امريكا اللاتينية رغم اهميتها ومغزاها، وذلك بسبب تدافع الاحداث في منطقتنا وتفجير مساجد في الكويت والسعودية، مما كان يقتضي تناولها لمركزيتها كحدث يهم القارئ المحلي، فيما بتنا لا نلتفت كثيرا للعالم البعيد والعالمي، فقد انستنا الاحداث الساخنة القضية الفلسطينية «العتيقة/القديمة!» فيما هناك قارة كاملة تختمر فيها صراعات ومتغيرات هامة لا يمكننا التقليل من قيمتها.
لا يتحرك البابا في جولاته الدينية كما تبدو ظاهريا إلا باجندة روحية وسياسية مدروسة بالقنطار، وكان لكل بابا اعتلى الكرسي اجندته، ولعلنا نتذكر البابا البولندي يوحنا بولس الثاني ودوره في مسامير نعش سقوط الخاصرة البولندية للمعسكر الكبير.
حينما رست سفن الغزاة الاسبان ووطأت أقدام خيولهم اليابسة ما بين سنة 1518ـ1521، لم تكن المكسيك أرضا جرداء خالية من، البشر بل اكتشفوا عالما من الثقافات المختلفة في اعلى قيمها الانسانية وبرغم كل ذلك حطم الاسبان جزءا من هذه الحضارة القديمة الآهلة.
وبعد صراع عنيف، اسسوا على انقاضها حضارة اوربية اسبانية الملامح والعادات والتقاليد، وكان على الاسبانيارد الاوائل حمل الصليب معهم بجانب السيف، والتبشير مع الكذب لصولجان الاقطاع البعيد في اسبانيا الجديدة، التي خرجت لتوها من تدمير بقايا الاندلس . مكثت هذه الفترة الكولونيالية الاسبانية لمدة ثلاثة قرون، ودشنت وطنا جديدا اطلق عليه «اسبانيا الجديدة» ولكن القارة تلونت وتقلبت على صراعات مريرة كان فيها للمسيحية والقساوسة دور فعال بين الفقراء، بمثل ذلك الدور السلبي المغاير اصطفت الكنيسة مع النبلاء والاقطاع وخدمتهم وروضت لهم وعي البؤساء بمشروع الخنوع والطاعة للرب، ولا يجوز الخروج على تلك الارادة السماوية، ولكن المسيح المصلوب تاريخيا حمل في داخله اسباب تمرده، فانشطر الى مسيحيين واحد منحاز الى الفقراء والاخر منحاز للاثرياء، واحد يناصر السلطة والاخر يحرض ضدها، لهذا كان الفاتيكان يتربص دوما لحركة لاهوت التحرر في امريكا اللاتينية، خشية من انجراف الفلاحين والمعدمين خلف قساوسة يحرضون على العنف الثوري وحمل السلاح لمواجهة الانظمة الدكتاتورية العسكرية، وهذا يناقض ويعارض فلسفة اللاعنف المسيحية والسلم وتحاشي المواجهة والصدام واستباحة دماء الناس.
لهذا باتت الرؤية النقدية الدينية والاجتماعية لصلب المسيح من جديد مشروعا نقاشيا انعكس على العملية الثقافية والروائية، وكانت الكنائس والفاتيكان وغيرها قلقة حول كل ما يدور في تلك المناطق النائية، خاصة ان تلك المرحلة من الستينات حتى الثمانينات تغلغلت الافكار الماركسية والاشتراكية في وعي البسطاء من الفلاحين وعمال المناجم، وقناعتهم بأن تلك الافكار لا تتصارع مع «مسيح الفقراء» الذي يستمدون منه صلواتهم وغفرانهم وينشدونه في الآمه بأن يخفف من ألمهم وحياتهم.
ذلك التلاقي والتلاقح الماركسي مع لاهوت التحرر شكل هاجسا كبيرا لدوائر الاستخبارات في واشنطن والفاتيكان على انه ناقوس خطير للثورة المتفجرة من الارياف القصية ومناجم القارة الغنية، من هنا سنلمس لماذا زار البابا فرانسيس الموقع الذي قتل فيه اليسوعي اسبينال عند وصوله بوليفيا وصلى لروحه، وبتلك الزيارة نال اسبينال اهتماما عالميا، دون ان ينسى البابا قائلا: «كان مبشرا بالانجيل، والانجيل كان يزعجهم، وبسبب ذلك تخلصوا منه» ولكن بعد الانتهاء من مراسيم وطقوس الزيارة البابوية،تفاجأ البابا بهدية الرئيس البوليفي اليساري ايفو موراليس، اذ قدم له المسيح مصلوبا على الخشب مع شعار المطرقة والمنجل، كترميز عن ان اسبينال اليسوعي صلب بسبب ارائه ونشاطه واعماله وانحيازه للفقراء وعمال المناجم (اسبينال بوليفي من اصل اسباني، شاعر وصحفي وناقد ومخرج افلام، درس الفلسفة والادب اللاتيني واليوناني والثيولوجيا واصبح قسيسا عام 1962، عاش بين عائلات عمال المناجم في فترة حكم الدكتاتور لويس كارثيا، كان ذلك في العام 1968 ضمن بعثة تبشيرية، تم اختطافه وقتله على يد ميليشيات فرق الموت في مارس 1980 نتيجة لنشاطه السياسي والحقوقي، وقيل ان سبب القتل بأنه كان ينوي نشر كتاب عن تورط الجيش في تجارة «الكوكايين» فيما شاعت اراء بأن القتل ناجم عن انتاجه لفيلم وثائقي حول مذبحة 67 اسمه «شجاعة مدينة/coraje del pueblo» ).
وحول ذلك الصليب الغريب قال خافيار البو صديق اسبينال، ان هذا الصليب المصنوع من الخشب يرمز الى انه يجب على الكنيسة ان تتحاور مع الماركسية، الفلاحين، وعمال المناجم .
ومن المعروف ان اسبينال كان ذا توجه ماركسي ومن جماعات لاهوت التحرر، والذي رفضه الفاتيكان كخيار مفضل للفقراء، والتي كانت تدعو للثورة المسلحة ضد اضطهاد الانظمة اليمينية والتي كانت منتشرة في امريكا اللاتينية بين فترتي 1970ـ 1980،ولما سئل البابا فرانسيس عن مدى استيائه وامتعاضه من تلك الهدية،اجاب بابتسامة معهودة قائلا : «لم أكن مستاء من هدية» الشيوعي المصلوب «اتفهم هذا العمل فلم يكن بالنسبة لي ذلك الفن اساءة، وقد حملت الصليب معي الى الوطن» (الفاتيكان).
لهذا حمل الاوائل صليبا مختلفا للقارة في غزوهم الاول عن ما عاد به البابا فرانسيس كهدية لزعماء جدد من اليسار في القارة،مختلفين عن زمن العسكر الدموي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها