النسخة الورقية
العدد 11125 الثلاثاء 24 سبتمبر 2019 الموافق 25 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:08AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:56PM
  • المغرب
    5:32PM
  • العشاء
    7:02PM

كتاب الايام

الدبلوماسية العمانية في قلب الأزمة اليمنية

رابط مختصر
العدد 9638 السبت 29 أغسطس 2015 الموافق 14 ذو القعدة 1436

من أشد ما يؤلمنا هو أن نكتب عن أزمة بلد عربي شقيق، وما بالنا إذا كنا نتحدث عن اليمن، ومن المحزن في وقتنا الراهن أن نصف ونحن نحكي عن هذا اليمن «المنكوب» أنه كان سعيدا، أو هكذا عرفناه قديما. فلم نعد نقرأ عنه سوى الحروب والدمار والتخريب، فاليمن لم يعد بلدا بالمعنى المتعارف عليه، فقد أصبح قبلة الآن للمندوبين من اللجنة الدولية للصليب الأحمر للوقوف على الوضع الإنساني المتدهور هناك، ناهيك عن ممثلي الهيئات والمنظمات الإنسانية الدولية التي تتوافد عليه لتبني مشروعات تنموية وإغاثية، ويكفي صور الأطفال التي تبثها المواقع والفضائيات عن أوضاع الأطفال والسيدات والمسنين، وتأخر العملية التعليمية هناك.
فكل ما يشهده اليمن عبارة عن انتهاكات، سواء ضد الأطفال الذين يتعرضون للاغتصاب والخطف وتجنيدهم اجباريا في صفوف المتمردين، او الإعلاميين الذين يتعرضون للاعتقال والتعذيب، فأصبح عملهم خطرا حقيقيا بسبب حملات  التحريض ضده، حتي المؤسسات الحكومية تتعرض للسرقة والنهب، أو لنقل للاغتصاب أيضا، وإن كانت الكلمة صعبة، فهي حقيقية، فميليشيات الحوثيين وأنصارهم من قوات المخلوع علي عبدالله صالح تنهب المؤسسات الحكومية وتفرغ المعسكرات من الأسلحة قبل انسحابهم من أي موقع ينهزمون فيه، فيتركون الأماكن خاوية وأرضا محروقة.
لقد قادني البحث أثناء متابعتي للتطورات اليمنية حوارا للدكتور أحمد مهدي فضيل، محافظ محافظة لحج اليمنية الجنوبية، ولكم أحزنني الفظائع التي تحدث عنها الرجل بحسرة عما شهدته مدينته من حروب واشتباكات مدمرة الى أن جرى تحريرها من قبضة الميليشيات الحوثية. وكان حديثه حقا محبطا عندما تتطرق الى وضع الخدمات ما بعد تحرير لحج، خاصة عندما أشار الى مشكلة الألغام.  
بعفوية شديدة، وصف الرجل الحرب بأنها «عبثية ومن دون أهداف محددة».. اللهم عدا أهدافا شخصية لعلي عبدالله صالح من حقد وانتقام من أبناء الجنوب، وشاركه في هذا  الحوثيون الذين أيضا كانت لهم أهدافهم الخاصة فكانت الهزيمة من نصيبهم. إنها «هزيمة نفسية» قبل أن تكون عسكرية بعد مقاومة شباب المحافظة وبمساندة الغطاء الجوي لقوات التحالف.. أخطر ما ذكره محافظ لحج هو سياسة الأرض المحروقة التي يتبناها الحوثيون وأنصار صالح، حيث زرعوا ألاف الألغام في معظم مدن ومزارع لحج، فهي منتشرة في أماكن كثيرة من الممرات الفرعية والمنازل والمزارع، ولم تستطع السلطات المحلية بالمحافظة سوى إعطاب 1500 لغم حتى الآن، بما ينذر بكارثة إنسانية قد تدمر نفسية سكان المدينة، وهذا ما يريده الحوثيون وغيرهم من المفسدين.
كما أسلفنا، فإن تطورات الأوضاع تبعث على اليأس في اليمن، بيد أنه كتب على سلطنة عمان وقيادتها الرشيدة أن تقوم بعمل سياسي عظيم لإنقاذ هذا البلد الغالي على قلب كل عربي من براثن شياطينه ومفسديه. فعلى وقع الخسائر العسكرية التي مني بها الحوثيون وحلفاؤهم من أتباع المخلوع صالح، لم تترك مسقط الحلبة الدبلوماسية، وكان بالإمكان أن تظل بعيدة عن الأزمة، إلا أنها اقتحمت تلك الأزمة وواصلت مساعيها لإيجاد تسوية سياسية للأزمة اليمنية. ويكتب للدبلوماسية العمانية التي طالما شاركت عمليات وساطة إقليمية ودولية لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء، أن مهدت للقاءات التفاوضية بين إيران ومجموعة (5+1) وهي التي قادت الى توقيع اتفاق جنيف النووي، وكان ذلك بعد فترة من الجمود السياسي بين الطرفين.. وقبل أيام هبطت طائرة عمانية مطار صنعاء، فماذا فعلت في خضم هذه الأوقات الصعبة من حروب واشتباكات ومناورات وخلافات سياسية بين أبناء الشعب الواحد؟..  طائرة «الحلول السياسية» العمانية أقلت وفدا من جماعة الحوثي وحلفائهم لمسقط، للمشاركة في محادثات سياسية تحت إشراف المبعوث الدولي إسماعيل ولد الشيخ، بمشاركة أطراف تابعة للرئيس عبدربه منصور هادي. لم تكن جولة المفاوضات هي الأولى من نوعها التي تستضيفها مسقط، فقد سبقتها جولات أخرى بهدف إيجاد حل سياسي للأزمة التي استعرت سياسيا وعسكريا واجتماعيا وإنسانيا في اليمن.
لم يكن ركاب الطائرة العمانية غرباء عن بعض، فكلهم من الحوثيين والصالحيين، فالوفد تكون من محمد عبدالسلام الناطق الرسمي باسم جماعة الحوثي، وحسين العزي رئيس دائرة العلاقات الخارجية في المجلس السياسي، ومهدي المشاط مدير مكتب زعيم الحوثيين عبدالملك الحوثي، ويحيى دويد عضو الأمانة العامة لحزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتزعمه علي عبدالله صالح، وقاسم سلام أمين عام حزب البعث العربي الاشتراكي القومي. كل هؤلاء توجهوا الى مسقط  للتباحث بشأن الحل السياسي للأزمة مع وفد حكومي يمني، برعاية الأمم المتحدة.. وتعلم الدبلوماسية العمانية في واقع الأمر، خلفيات الأزمة اليمنية، وبالتالي تطرح الحلول في إطار هذه الخلفيات، ولا تبتعد تلك الحلول عن الحل السياسي فهو المخرج الوحيد للأزمة اليمنية. فالوسائل السياسية تتضمن بالضرورة تدشين حوار وطني يمني، بالاضافة الى المبادرة الخليجية والقرارات الدولية ذات الصلة وتحديدا قرار مجلس الأمن 2216.
وبحكم خبراتها العريقة في إدارة مفاوضات الأزمات الإقليمية والدولية، لم تبخس الدبلوماسية العمانية حق الحوثيين في المشاركة في مفاوضات الحل السياسي، فهم جزء من الشعب اليمني، ولديهم دور ليلعبوه في مستقبل اليمن، باستثناء  تشكيل ميليشيات خارج إطار الحكومة.. وبالتالي، يسعي العمانيون -وهذه طبيعتهم دائما- لدعم انجاح العملية السياسية في اليمن، عبر العمل مع الحلفاء في مجلس التعاون الخليجي والجهات العالمية الفاعلة، للخروج بتسوية تساعد اليمن على تخطي مشكلاته الاقتصادية في المستقبل. وتتمحور طبيعة المحادثات حول إيجاد آليات تساعد عمل  المبعوث الدولي لصياغة مبادرة جديدة، والأمل أن يستجيب الحوثيون وحلفاؤهم لها. وتسعى هذه المبادرة تحديدا لإرساء أسس متفق عليها لاستئناف المحادثات السياسية القائمة على انسحاب الميليشيات وتمكين الحكومة من أداء مهامها ومنح الأمم المتحدة دورا في الرقابة على تنفيذ القرار 2216، ومراقبة التزام الأطراف بتنفيذ الاتفاقيات.
وإذا كنا تحدثنا عن دور عماني فاعل في حل الازمة اليمنية على خلفية خبرات دبلوماسية متراكمة في هذا المضمار، فثمة متطلبات أساسية للحكومة الشرعية في اليمن لتدشين أي حوار سياسي ناجح، واعتقد أن هذه الشروط عقلانية للغاية ويتعين على الطرف المعتدي «الحوثيون- صالح» التقيد بها، من أجل مصلحة اليمن.. ومن شروط حكومة الرئيس اليمني عبدربه  منصور هادي ضرورة توقف المتمردين عن تأجيج النزعة المناطقية التي تقوم بها في المدن اليمنية، وذلك تجنبا لمخاطر  التعبئة والتحشيد المناطقي والمذهبي التي تقود اليمن –أو أي دولة– الى الإضرار بالنسيج الاجتماعي الذي تعايش فيه الجميع بمختلف انتماءاتهم ومذاهبهم الدينية على مر التاريخ.. هذا بجانب تسليم الأسلحة المسروقة وانصياع الجميع تحت إمرة السلطة الشرعية في اليمن برئاسة عبدربه منصور هادي.
إجمالا.. لم نفاجأ نحن شعب الخليج بأن تحتل سلطنة عمان هذه المكانة البارزة لتكون بؤرة تجمع ومفاوضات للأطراف المتباينة أو المتنازعة، فمسقط في ظل قيادة جلالة السلطان قابوس بن سعيد حفظه الله حفرت لنفسها تلك المكانة العالمية لما تميزت به من تاريخ ناصع في طرح مبادرات التقارب بين الشعوب والدول وكل بلدان العالم.. أما الشأن اليمني فقد تعاطت معه السلطنة ومنذ البداية بشكل واضح وصريح، ورفضت بشكل ثابت وصادق اهدار قطرة دم بالتراب اليمني ومن كل الأطراف المتنازعة، ففتحت الأبواب لكل الأطراف واحتضنت العديد من لقاءات التفاوض وحاولت عدة مرات لم الفرقاء بمسقط لإيجاد صيغة معينة لوقف الحرب الدائرة هناك، وكان همها بذل كل جهودها لحل الأزمة.. ولهذا، لم تكن الدبلوماسية العمانية بعيدة عن تلك الأزمة، فتقدمت بمبادرات عديدة. وفي إطار الحل، لم يكن غريبا ان تحتضن عمان الكثير من المصابين من جراء الحرب اليمنية لتعالجهم دونما تفريق لأي طرف ينتمي إليه هذا المصاب، وذلك من منطلق حسن الجوار وروح السلام، وتلك هي الرسالة التي تتبناها عمان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها