النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12141 الثلاثاء 5 يوليو 2022 الموافق 6 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

في البحث عن حلّ لإشكالية الدكتور عكاشة!

رابط مختصر
العدد 9636 الخميس 27 أغسطس 2015 الموافق 12 ذو القعدة 1436

في ثمانينات القرن الماضي، كنت أشارك في حملة الهجوم التي تشنها صحف المعارضة المصرية، ضد وزير الداخلية الأسبق «زكي بدران» بسبب سياسته الأمنية، فضلا عن استخدامه لألفاظ تصل أحيانا إلى حد البذاءات في وصفه للمعارضين عموما، والصحفيين منهم تحديدا، كان أكثرها تهديدا هي وصفه المستمر لهم - في تصريحات علنية - بأنهم صراصير قذرة سوف يسحقهم بحذائه، وهو ما دفعني إلى مناشدتهم - في مقال منشور - بألا يغضبوا من تهديد الوزير لهم بأن يسحقهم بحذائه، لأن حذاء الوزير أنظف من لسانه!
ومع تصاعد الحملة بين الوزير وبين معارضيه، تصاعدت الإجراءات التي كانت سلطات مطار القاهرة تتخذها معي عند عودتي من الخارج، إذ كان اسمي - كما قيل لي - مدرجا في قوائم ترقب الوصول، باعتباري أحد الذين شملتهم حملة الاعتقالات التي شنها الرئيس الراحل «أنور السادات» في آخر عهده ضد معارضيه، وشملت التحفظ في مكان أمين - وهو سجن ملحق بمزرعة طرة في جنوب القاهرة - على 1536 ينتمون إلى مختلف الاتجاهات والأجيال السياسية، كان من بينهم عدد ملحوظ من السياسيين والوزراء السابقين والصحفيين البارزين والقادة النقابيين، ولأن النتيجة العملية التي ترتبت على هذا الإدراج، كانت في البداية محتملة، وأحيانا غير منظورة، إذ كانت تقتصر على احتجازي في المنطقة الجمركية بالمطار لفترة لا تزيد على ربع ساعة، يجري خلالها عرض جواز سفري على مكتب الأمن السياسي في المطار، ليسمح لي بعدها بالمغادرة، فإنني لم أجد مبررا لإثارة ضجة حول الأمر، بعد أن انتهى العهد الذي صار فيه وأفرج عني وعن غيري واستقبل الرئيس الجديد - حسني مبارك - وفدا منا على سبيل الترضية، والاعتذار غير المباشر. أما وقد تصاعدت الإجراءات التي كانت سلطات المطار تتخذها ضدي تدريجيا، فازدادت فترة احتجازي في المنطقة الجمركية إلى ساعة ثم ساعتين، وأضيف إلى ذلك أمرا كان يصدر إلى مفتش جمرك المطار بتفتيش حقائبي، وجرى تنفيذه في البداية بطريقة شكلية مهذبة، ثم أخذ يتصاعد ليصل إلى حدّ بعثرة محتويات الحقائب ونثرها، مما يضطرني إلى بذل مجهود ضخم في محاولة إعادة ترتيبها وغلقها.. لتصل مدة احتجازي إلى أربع ساعات، فقد لجأت إلى نقيب الصحفيين «مكرم محمد أحمد» - وكنت آنذاك عضوا بمجلس النقابة - وطلبت إليه التدخل لدى وزير الداخلية، لوقف هذه الإجراءات، خاصة أن سبب إدراج اسمي في قوائم ترقب الوصول، لم يعد قائما.
وبعد أيام، وفي أحد اجتماعات مجلس النقابة، قال لي النقيب، إن مسعاه لدى الوزير قد خاب، وإنه قال له إن فلانا - الذي هو العبد لله - يمارس سلطته في الهجوم عليه، وإن الوزير يمارس سلطته ويطبق عليّ قرارا صدر في عهد سابق على توليه الوزارة، بإدراجي في هذه القوائم.
ولأنني كنت أعلم أن العلاقة بين النقيب والوزير ليست طيبة، وأن «مكرم محمد أحمد» كان من بين الذين يستهدفهم بهجومه على الصحفيين، فقد اكتفيت بالرد الذي حرص على أن ينقله لي في أحد اجتماعات مجلس النقابة، وبدت ترجمته واضحة هو أنني - كصحفي - أسيء استغلال «سلطة الصحافة» بنقده والهجوم عليه، وأنه كوزير يرد على ذلك بإساءة استغلال سلطة الوزارة في الرد عليّ.
تذكرت هذه الواقعة وأنا أتابع الضجة الواسعة التي أثارها إلقاء القبض على الإعلامي المصري البارز «توفيق عكاشة» - صاحب قناة الفراعين الفضائية - الأسبوع الماضي، في أعقاب سلسلة من الحلقات الساخنة من برنامجه «مصر اليوم»، انتهى بث آخرها قبل إلقاء القبض عليه - أثناء خروجه من مدينة الإنتاج الإعلامي - بساعات، وشملت - فضلا عن سابقاتها - هجوما عنيفا على الوزير، لأنه أصدر قرارا بسحب الحراسة التي خصصتها الوزارة له، بعد تلقيه تهديدات من بعض العناصر الإرهابية، لهجومه المستمر على جماعة الإخوان المسلمين وحلفائها، وقالت وزارة الداخلية إن القبض على عكاشة، جاء تنفيذا لحكم قضائي صدر ضده بالحبس لمدة ستة شهور في قضية سب أقامتها ضده مطلقته السابقة، ولا صلة لها بهجومه على الوزير، وقال أنصار «توفيق عكاشة» إن السبب الحقيقي هو هجومه على الوزير، بدليل أن الحكم الذي تشير إليه الوزارة صدر ضده منذ عامين لم تنشط الوزارة خلالهما لتنفيذه، كما أن قرارا سابقا كان قد صدر من النائب العام بوقف تنفيذه لحين نظر الطعن عليه أمام محكمة النقض.
ولست أريد أن أخوض في تفاصيل كثيرة وردت على لسان أنصار الطرفين والأطراف المحايدة، لأنها لا تتعلق بجوهر الموضوع الذي أود أن أثيره، فضلا عن أن توفيق عكاشة لم يمضِ قيد السجن سوى أسبوع واحد، بعد أن قبلت المحكمة استشكاله على قرار تنفيذ الحكم، وقضت بوقف تنفيذه لحين نظر الطعن في القضية.
ولكن ذلك لا يحول بيني وبين طرح الإشكالية التي يلخصها ما قاله وزير الداخلية الأسبق زكي بدر لنقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد في نهاية الثمانينات القرن الماضي، وهو: إلى أحد حدّ يجوز للإعلامي أن يشن حملة صحفية على أحد الوزراء، لأسباب شخصية، وإلى أي حدّ يجوز للوزير أن يستخدم سلطته للرد على هذه الحملة؟
والإجابة بسيطة، فالأساس في العمل العام، من الصحافة إلى الوزارة، هو الدفاع عن المصالح العامة، وبالتالي لا يجوز لأي من الطرفين أن يستخدم ما بيده من أوراق قوة، أو سلطات للانتقام من الآخر، لأسباب لا تتعلق بهذه المصالح العامة، وينطبق هذا على الصحفي كما ينطبق على الوزير، فكما لا يجوز أن يشن أحد الإعلاميين حملات ضد الوزير لمجرد أنه منع عنه ميزة، أو رفض أن يستجيب لمطلب شخصي يخصه، لا يجوز للوزير أن يستخدم سلطته للرد على ذلك، مهما كان الهجوم - من وجهة نظره - متجنيا وظالما.. بل عليه في هذه الحالة أن يلجأ إلى القضاء، ليحصل على حقه ويثبت أن الصحفي قد تجنى عليه!
وتلك هي القاعدة المهنية والقانونية التي ينبغي أن ينطلق منها الذين يبحثون عن حلّ لإشكالية الدكتور عكاشة!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها