النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

خارج السياق (1ـ2)

أحاديث الفارياق في «الساق على الساق»

رابط مختصر
العدد 9633 الإثنين 24 أغسطس 2015 الموافق 9 ذو القعدة 1436

سألني الصديق: كيف وجدت المدن الأوروبية التي زرتها في إجازتك الأخيرة؟
قلت: وجدت فيها الانسان والطبيعة والتنمية في انسجام تام، ووجدت السياسة ابعد ما تكون عن الكلام والشعار، فلا أحد يخطب ولا أحد يصرح ولا أحد يكذب ولا أحد يزايد، الجميع في سباق الإنجاز الصامت لإرضاء المواطن صاحب السيادة. الجميع لهم أصوات (الاعلاميون-الفنانون-المهمشون...). الا الساسة فأصواتهم الوحيدة هي ما ينجزونه على الأرض. فلا اعتداء على الانسان او الطبيعة ولا تغول للمباني على الغابات والبحار والأنهار. لا عنف ولا فوضى ولا انزعاج من التنوع في كل شيء، تتعايش الأشياء متجاورة دون اشكال والقانون وحده يسود ويحل كل المنازعات بهدوء تام، الكل عاكف على امرين لا ثالث لهما: العمل والاستمتاع بالحياة. الانسان مثل الطبيعة مثل الحيوان جميعهم يحظون بالعناية والرعاية والاحترام، فلا اعتداء على البيئة ولا تهديما للجبال ولا قلعا للأشجار ولا زحفا للمباني الاسمنتية -الزجاجية العشوائية البشعة على حساب الجبال والغابات والانهار والبحار.
- قال الصديق: أليس في حديثك بعض المبالغة الناشئة عن الانبهار بالنموذج الأوروبي، إذ يذكرني كلامك هذا بأحاديث احمد فارس الشدياق في مشاهداته خلال رحلته لأوروبا في روايته:» الساق على الساق» حيث كان بطل الرواية (الفارياق) يحكي قصة المشاهدات في المدن الاوروباوية بقدر كبير من الانبهار كالذي يوحي به كلامك ؟؟
- قلت: اين انا من الشدياق الذي كان من أوائل الأفذاذ الذين اضطلعوا برسالة التثقيف والتنوير والإصلاح في القرن التاسع عشر، إلا ان رحلته الى إنجلترا ومالطا وفرنسا قد كشفت له مدى التخلف الذي كان عالمنا العربي غارقا فيه، والمفارقة انني اجد نفسي بعد قرن وربع من زمن عصر الشدياق اسجل ذات ملاحظات (الفارياق: بطل رواية الشدياق الشهيرة الساق على الساق): اننا عالم خارج السياق، سياق الحداثة بالرغم من بهارج الاستهلاك ووهم التكنولوجيا وشبه الحياة المعطلة المنقوصة، لقد نشأت – مثل الكثيرين من أبناء جيلي -في أسرة لا ينطق كبارها إلا بألفاظ (الممنوع) و(الحرام)، طفلا يضربونه على أصابع يده بالمسطرة كلما أراد لمس شيء موضوع على مائدة، تنزل عليه الضربات واللعنات كلما لامس حدوداً لا يراها ولم يساهم في رسمها، فيدور إلى الجانب الثاني من الطاولة، فإذا نفس الضربة ونفس الصوت يلحقانه.. تلك أيضاً حدود محرمة.. وعندما كبر ودخل المدارس ثم الجامعات، وجد باستمرار تلك الضربة وذلك الصوت في انتظاره، ولكنه كان باستمرار كالفراشة التي تعود إلى النار التي تحرقها، وعندما انتقل إلى عالم العمل، أدرك أن هذه الحدود تضيق ولا تزيد أبداً، فالمسموح به هذا العام، قد يصبح في العام القادم خط نار جديد ومرمى قتال ..تلك هي الحكاية يا صديقي وهي لا تختلف عن حكاية الفرياق..فإذا كانت الشعوب الحية تعيش على وقع الأفكار الجديدة منذ خمسة قرون على الأقل، وإذا كان هؤلاء قد حققوا فتوحات لم يحققها والاسكندر المقدوني ولا طارق بن زياد، ولا تيمور لنك، فلأنه انقرض من بينها كل فم مكمم، وكل حاجب مرتفع وثقافة التكفير والتخوين، محاكم التفتيش عندهم اصبحت من تاريخ عصور الانحطاط، لكن مازال عندنا حرق الكتب طقساً من الطقوس المفضلة، ومازالت أصوات قادمة من عصور الظلام تطالب بحرق الكتب والبشر ولذلك فإن الإضافات النوعية التي تحصل عندنا على صعيد الفكر والابداع على مدار المائة عام تقاس بالمليمتر، وأحياناً بالأجزاء غير المرئية منه.
نحن واقع لا يتحرك.. ويمكنك أن تذهب - يا صديقي- حيثما تريد في بلاد العرب وتبقى ما تشاء من وقت، وتعود بعد ذلك – ولو بعد مائتي عام من رحيل الشدياق-فتجد أنك في غير حاجة إلى قطع ورقة من الرزنامة المعلقة على الحائط، لأن اليوم السابق هو توأم لليوم الجديد، بل أسوأ من ذلك في اغلب الأحيان: انظر إلى أوضاع نصف البلاد العربية فسوف يأتيك الجواب الكافي الشافي.
إن دوران الأرض حول الشمس وحول نفسها هو وحده الذي ينقل الناس عندنا من الليل إلى النهار، من فصل إلى آخر، ومن عام إلى عام، إن الوطن العربي الكبير الذي فتحنا فيه أعيننا أول مرة، وجدناه سائراً في طريق النمو، كبرنا فيه وبدأ الهرم يصيبنا، مازال سائراً في نفس الطريق-سمير أمين يقول إن التخلف وحده ينمو-ولم يصل.. فعندما ولدنا فوجدنا الوطن العربي مستدينا ومخلخل البنى بدون مؤسسات حقيقية وكبرنا وهو كذلك.. ولا تنفع ديون الأمس ولا ديون اليوم والغد في ترقيع الأوضاع البالية، لان الخرق قد اتسع على الراتق. والناس الذين ولدنا ووجدناهم يستهلكون ويستوردون ولا يصنعون حتى قلم الرصاص الذي نكتب به، مرت علينا الآن عقود، وما زلنا نراهم يفعلون نفس الشيء، والزارعة التي علمونا أنها الأصل بالنسبة لاستقلال الشعوب وغذائها، كبرنا ومازال قوتنا رهن نشرة الأحوال الجوية، ودقيقنا مستورد مع حليب الأطفال، ومواطن الزراعة في بلاد العرب هي نفسها من عهد الرومان والفينيقيين والفراعنة والآشوريين، بل ربما منذ نهاية العصر الجليدي الأول.
والأدب المتملق المتسلق الذي شاهدناه منذ كنا نتهجى الأبجدية، تهريجا يرسمه موظفون مدفوعو الأجر، ولا نهتم به ولا يهتم بنا، كبرنا وكبرت عقولنا وتعلمنا القراءة والكتابة، ومازال نفس الموظفين والأدعياء والكتاب يطلقون علينا نفس النعوت، والمصطلحات الركيكة ونفس القوالب المنقرضة، ومازالت نفس تعابير التسول والتأليه والتقديس التي كانت رائجة في العصور الوسطى رائجة الى اليوم، وبنفس السخف والسطحية والبلادة.
هكذا نحن، وهكذا هم، وهكذا ينجزون وينتجون ويبنون، وهكذا ندور في حلقة مفرغة منذ عدة قرون.. لتعود بنا الدواعش الى عصر التوحش، عصر الرمح والنشاب وقطع الرقاب.

وللحديث صلة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها