النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

الثقة في دولة المواطنة..

كيف نتعلم الديمقراطية والتعايش؟

رابط مختصر
العدد 9628 الأربعاء 19 أغسطس 2015 الموافق 4 ذو القعدة 1436

الفكرة الأساسية التي انبنت عليها فلسفة الأنوار في البلدان الغربية منذ عصر كانط وحتى اليوم، بل وانبنت عليها الحداثة برمتها والتي كرّست سلما أبدية داخل رقعته الجغرافية، هي فكرة الحوار السلمي الأهلي داخل دائرة المجتمعات لاستيعاب كافة المتناقضات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية واللغوية والدينية والطائفية والعرقية وغيرها، إلى درجة ان الغرب قد بات قادرا على استيعاب حتى التيارات الأكثر اقصائية وتطرفا داخل المنظومة الديمقراطية العقلانية وذلك لأن بين العقلانية والديمقراطية ارتباطا وثيقا، فلا حكم رشيد دون قوانين ودون ثقة في تلك القوانين وفي النظام العقلاني الذي يسيّرها، ومفهوم الثقة هذا تولدت عنه فكرة العقد الذي قامت عليه الدولة في الأزمنة الحديثة: تنازل من قبل مجموع المواطنين الأحرار عن حريتهم لصالح الدولة التي تتكفّل بحماية الحرّيات جميعها وفق القوانين الضابطة للحياة الجماعية والنظام العقلاني المسيّر، وإنّ تعريفا بهذا المعنى للدولة وجهازها العقلاني يتوافق كليا مع طبيعة المجتمعات الحديثة أو «مجتمعات العقد» حيث أصبحت العلاقات الاجتماعية تنهض على ميثاق الثقة والذي يظهر عندما يضع الجميع ثقتهم في المؤسسات التابعة للدولة: الأمنية والتشريعية والمالية والتربوية وغيرها، التي يسيرها النظام العقلاني الذي يسيّر حياتنا وينظّم علاقاتنا مقابل أن نتنازل ونضع ثقتنا كلّها في النظام والعقل والقانون، ولئن قامت الديمقراطيات التي تأسّست أواخر القرن 19 وبداية القرن العشرين جميعها على مبادئ أساسية كالفصل بين السلطات الثلاث وإقرار التداول على السلطة بواسطة الانتخابات العامّة وتبني التعدد السياسي والاجتماعي وإرساء دولة القانون والمؤسسات، فإنّ جوهرها الأساسي يبقي دوما الحرية والمساواة والحوار السلمي وضمان حقوق الانسان ونبذ العنف والقبول بالتنوع.
ولذلك، ونحن لن نعيد اختراع العجلة لا بدّ أن نعلم أجيالنا الجديدة أننا لن نتطور إلا إذا اعتبرنا أن حل مشاكلنا كلها لا يتم إلا بواسطة الفكر والعقل والحوار لا غير، وانه لا يمكن فرض الرأي بالقوة، ولا يمكن إلغاء الآخر او تجاوزه وتجاهله او القفز عليه او من فوقه. وهذا تقريبا ما نحن اليوم في أمس الحاجة إليه،: حركة تنوير وإصلاح عقلانية قادرة على تهيئة الأجواء لتجذير السلم الأهلي الداخلي بين مكونات المجتمع وتياراته ، وذلك لن يتأتى أبدا من دون دور حاسم للدولة وللمنظومة القانونية والتربوية والإعلامية والثقافية والدينية ، لذلك يجب القيام بتطوير منظومة متكاملة للتنمية السياسية و لتدريس المواد الحساسة في المدارس والجامعات والمعاهد والتي تدخل في تكوين الناشئة والشباب على أسس بعيدة عن الخرافات والتعصب والطائفية، وإعادة النظر في الكثير من الجوانب التي لا تساعد الشباب على أن يتعلموا كيف يميزون بين الحقائق و المزاعم والخرافات والأوهام، بما يعنى بذل جهد مضاعف من اجل أن يستوعب الشباب ثقافة متعددة الجوانب متنوعة تعتمد ايجابيات تراثنا وتنفتح على كل الثقافات العالمية حتى لا يكون تكوينهم مجرد إعداد لمهارات مهنية ومعرفية الية، بل يكون تكوينا لمواطن المستقبل يرتكز عليه مستقبل البلاد قاطبة، ويشمل الجانب السياسي والثقافي والعلمي والأخلاقي معا.
يجب أن تصب جهودنا إذن في الدوائر التالية:
-الأولى: دائرة الربط الأساسي بين العقل والوجدان بحيث يتعلم المواطن ان العقل أساسي في التعامل مع الآخر والمجتمع بنفس القوة مع الوجدان وان يرتبط العقل بالأخلاق وأن يرتبط الوجدان بالتعقل. وهذه دائرة لا بدّ أن تكون حاضرة ضمن كل البرامج التعليمية والثقافية والإعلامية والسياسية والمجتمعية، وهي دائرة واسعة شاسعة وتوجد مقوماتها في كل الثقافات والأدبيات وكل الفلسفات تقريبا.
-الثانية: دائرة الحوار إذ أن كل الثقافات العالمية قامت وتقوم على فكرة الحوار بمعنى أن كل ما يهم الحياة الشخصية و الاجتماعية والسياسية والإنسانية يمكن أن يتطور بالتحاور السليم وليس بالعنف مهما كان نوعه،
لا بدّ أن نعلم أجيالنا أننا لن نتطور إلا إذا اعتبرنا ان حل مشاكلنا كلها لا يتم إلا بواسطة الفكر والعقل والحوار والتحاور لا غير.
-الثالثة: دائرة التربية (أو التنمية) السياسية للشباب، وهذه قضية كبرى لكن لا بدّ من الخوض فيها لأن الأجيال الحالية قد ابتعدت نوعا ما عن الشأن السياسي الذي قد يكون مرده عدم تكوينهم تكوينا سياسيا كافيا، وهو تكوين مطروح على عاتق المجتمع بجمعياته الأهلية المتعددة، وعلى عاتق الأحزاب السياسية كلها بدون إقصاء ويكون أيضا في المدارس والمعاهد والكليات، حيث لا بدّ أن تقوم هذه التربية على فكرتين أساسيتين:
1- تعلم الحرية، لأن الحرية يجب أن نتعلمها، وليست كلمة بلا معنى ولا تعني أبدا الفوضى وفعل كل شيء بدون قيود، وخارج القانون( مهما كان هذا القانون قاسيا أو مجحفا)، فالحرية بدون قيد القانون تهدد السلم الأهلي وتدمره ، هذه الحرية تسمح بالمشاركة في الشأن السياسي والاجتماعي، بصفة عامة بحيث أن هذه المشاركة ستصبح قائمة على الحوار لا على العنف وضمن القانون وليس خارجه.
2- تعلم العقلانية: أي أن تكون كل المواقف التي تبنى على أساس الحرية في إطار القانون مبنية على العقل والتعقل، بما يجعل هذه المواقف تتحدد بواسطة الاستدلال، وإقامة الدليل الكافي لتفسيرها وفهم أسبابها ومتطلباتها وليس بواسطة السجال والجدال والسباب وتبادل الاتهامات وتنظيم الحملات، حيث ويجب أن يرتبط هذا الفهم الاستدلالي بأخلاقيات التعامل وأدبيات العيش مع الآخر.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها