النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

في مفترق الطرق..

لحظة الحسم: الدولة أم الفوضى

رابط مختصر
العدد 9626 الإثنين 17 أغسطس 2015 الموافق 2 ذو القعدة 1436

في الوقت الذي تعلن فيه المعارضة السياسية التي تعلن عن نفسها بكونها (إصلاحية) وأنها ضد العنف ولا تؤيد التخريب والإرهاب، فإن الواقع الموازي يشهد جماعات ارهابية تصنف نفسها (ثورية) تمارس أسوأ أنواع العنف والإرهاب والتخريب، الذي يصل الى حد القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، هذه الجماعات تلتقي مع المعارضة السياسية المصنفة إصلاحية في كراهيتها للنظام، وهنا يحدث الاشتباك بين الطرفين في عدد من التقاطعات السياسية والمنهجية، وتضيق المساحات المشتركة وقد تتسع في أحيان عديدة.
المشكلة ان المساحة بين المنزع الثوري الإرهابي، وبين المنزع الإصلاحي متداخلة جدا إلى حد الالتباس وعدم القدرة عن التمييز بين الطرفين. والمشكلة الثانية ان الإصلاح السياسي وضرورات الامن الوطني أولويتان لا يمكن المفاضلة بينهما، فلا اصلاح في ظل الفوضى والإرهاب، ولا ديمقراطية خارج القانون والتوافق الوطني. وقد اثبتت التجربة البحرينية في الإصلاح السياسي انها تجربة جديرة بان تعطى الوقت الكافي للنضح والتطور. ولا شك ان أي قراءة موضوعية لتجربة الإصلاح في البحرين، سوف تتوصل الى بانه كان بالإمكان الدفع بهذه التجربة نحو الطريق الى الإصلاح الشامل، ونحو ديمقراطية توافقية تعزز الحكم الرشيد. بما يسمح بتطوير التجربة خارج أفق المناورة والعقلية الانقلابية، والرؤية المثالية المطلقة أو النزعة العدمية السافرة. حيث إن ما ميز هذه التجربة أنها انبنت على إدراك حقيقي وجاد لحقيقة الموازنة بين المثال والواقع، معززة بالتوافق الوطني وبالحريات العامة والخاصة، ولذلك لا يمكن في أي مقاربة موضوعية أن تتجاهل سلسلة الإصلاحات التي تحققت على الأرض وما يزال الناس يتمتعون بها –بمن فيهم المعارضون أنفسهم-ومن العيب إنكار هذه الحقائق علىالأرض والانجازات السياسية والحقوقية التي جاء بها المشروع الإصلاحي، والتي انضافت إلى المكاسب الاجتماعية والاقتصادية..
الذين ورطوا البلاد والعباد في هذه الورطة الكبرى لم يدركوا بعد كل هذه الضحايا والخسائر الجسيمة ان النهج الذي ساروا عليه كان خاطئا منذ البداية، حيث كان بالإمكان الحصول على المزيد من المكاسب وتعزيز الإصلاح دون الحاجة الى كل هذا العنف وهذا الإرهاب. خصوصا انه لا شيء يبدو مفارقا للواقع ومخالفا لمنطق الأشياء مثل الحديث عن «السلمية» في موقع التحريض السياسي والديني في ذات الوقت، لأن العنف في هذه الحالة يصبح مؤطرا بالتبرير الديني والسياسي والإعلامي، ويصبح التغني بالسلمية مع التأسيس للإرهاب أو تسويقه أو السكوت عنه، تواطؤا بمعنى من المعاني، لا يمكن أن يصنف إلا ضمن مفهوم الازدواجية السياسية، التي تمهد وتسوق للتطاول على الحريات والحقوق والذي لا يمكن أن يصنف إلا تحت عنوان الإرهاب المادي والفكري.
إن الحقيقة التي تأكدت منذ الأيام الأولى للأحداث المؤسفة ضد الدولة والمجتمع، ويتم تغييبها هي أن «هذه السلمية» المسوقة في خطاب (مهما كان مأتاه) تفضح نفسها في ذات اليوم أو في اليوم التالي على اقصى تقدير بانطلاق سلسلة من الاعمال التخريبية والارهابية ضد الدولة او ضد المواطنين والمقيمين.
فإذا كان يحق للناس وفقا للعهود الدولية وللدستور التعبير عن آرائهم يشكل سلمي وفي حدود ما يسمح به القانون، فإن الدولة تتحمل مسؤولية التأكد من تمكُّنهم من هذا الحق بما يؤدي إلى تعزيز حقوق الإنسان وتطويرها وحمايتها عبر الوسائل القانونية والسلمية، فان الالتزام فإن ممارسة هذا الحق مشروط بالسلمية الحقيقية وبعد اعتماد ازدواجية الخطاب، وبعدم مهادنة العنف بكافة اشكاله، ولذلك فان الإخلال بشرط السلمية يفضي بالضرورة إلى تطبيق القانون على المخلين، ولن يغطي أو يخفف استخدام مصطلح السلمية على العنف المادي والفكري في شيء ولا يحفي من تجريمه، فالشعار إذا لم تواكبه صدقية الممارسة يفقد معنى مطابقة الواقع، وذلك لأن شعار السلمية بصبغته المستخدمة لتبرير عنف المغالبة والابتزاز، ليس مجرد شعار عشوائي يتم تسويقه بدون أصول، بل هو صناعة مؤسسة على رؤية ومراجعة تم انجازهما منذ فبراير 2011م، رؤية وتخطيطا وممارسة، حتى اصبح (الامر) واضحا وتفصيليا ويمكن توقع تطبيقاته مسبقا. ويمكن في هذا الصدد رصد بعض مظاهر التلازم بين خطاب السلمية وبين الأفعال التخريبية والارهابية على الأرض من خلال بعض أشكال العنف على النحو الجاري في الواقع:
- التظاهر كمُعبر رئيسي عن المكون السلمي الذي يفترض به أن يكون وفقا للقانون ومقتضيات المصلحة العامة، يتحول بشكل دائم الى حالة من الاحتشاد الذي ينتهي في الغالب إلى حالة من الفوضى والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة وعلى رجال الامن بشكل منهجي وأمام أنظار (الزعماء السياسيين السلميين).
- الاعتداء المتعمد على رجال الأمن في سياق العمل على كسر صورة رجل الأمن وإضعافه أمام جمهور المواطنين، وقد كان واضحا ان هذا المبدأ الذي يشار إليه في دليل الاستخدام) السلمي الذي يدرس في أكاديمية التغيير هو من أكثر المبادئ تنفيذا على ارض الواقع. من خلال استمرار الإساءة للدولة ورموزها.
إن السلمية هنا لا تعدو كونها شكلية، يتم استخدامها للتمويه، خصوصا بعدما نجحت الدولة في استيعاب حالات الاحتجاج بأكبر قدر ممكن من الصبر وطاقة التحمل في مواجهة العنف والارهاب، وبذلك فإنه لن يكون من الممكن تسويق هذه السلمية إلا كنوع من العنف حتى وان كان يرفع شعار السلمية. كما أن النظر إلى الخصوم، أيا كانوا، على أنهم أعداء للحرية، من أجل سلبهم إياها، لم يعد مقبولا في زمننا هذا ولا مجديا.
ان المعارضة تعيش حالة من الارتباك والحيرة امام خياراتها، ولذلك ليس بوسعها غير الانطلاق من قاعدة الثوابت الجامعة والاعتراف بالمنجزات التي تحققت والبناء عليها، بما يؤدي إلى ان تكون السّنوات القادمة حبلى بالمزيد من التطوير والتنمية للحياة السياسية والسيطرة على احتياجات الناس الأساسية من تعليم وإسكان وفرص عمل وقد أثبتت معادلة الإصلاح التي اعتمدها المشروع استعدادها لرفع تحدّيات المرحلة القادمة وقدرتها على تأمين تواصل مسيرة البناء في كنف الهدوء والثّبات لأنّها تنزّل الإنسان في مركز اهتماماتها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها