النسخة الورقية
العدد 11060 الأحد 21 يوليو 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:27AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

رحلة حنين مع الماضي والزمن الجميل

رابط مختصر
العدد 9624 السبت 15 أغسطس 2015 الموافق 30 شوال 1436

من النادر أن تتوه مني الكلمات، وفي الغالب أمر بهذه الحالة عندما أنوي المقارنة بين شيئين أو أكثر، واليوم أردت الهروب من الحاضر الى الماضي، أعلم تمام العلم أن الناس تهرب من الماضي الى المستقبل، ومن الأمس الى اليوم وليس العكس، بيد أن شعورا عاما يخالجني في لحظة ما بالعودة الى زمان وأيام زمان وحب زمان وإخلاص زمان وناس زمان و«مكان» زمان.. ربما يطلق البعض على حالتي أو شعوري «النوستالجيا» ولكني لا أراها هكذا، لاننا أناس يعيش فيهم الماضي بعبقه وروحه وتاريخه، وليس من المفترض أن يكون هذا الماضي أو «الزمان» أفضل مما نحياه في وقتنا الراهن، فلكل زمان حلاوته ومعاناته أو مآسيه، ولكني اعتقد أن العودة للماضي عبارة عن شعور مفاجئ بالحنين الى هذا الماضي وهذا الزمان والى شخوصه.. أدرك تماما أنها لحظة عابرة يمر بها أي إنسان، ولكنها لحظة تشعرني وكأنني اكتب لأول مرة، فالكلمات تضيع، والأحرف تتبعثر، الى أن استجمع نفسي مرة أخرى وأتماهى مع لحظات الحنين لزمان، بحلوه فقط، وأعيشها تماما ولا غلو إذا قلت انني أذوب تماما مع زماني القديم، وهذا اعتراف مني بذلك رغم حبي لزمني الحالي.
قد لا يتفق معي البعض ويرى أنني أبالغ في حب وجمال وصداقة وإخلاص زمان، وفي المقابل يتفق معي الكثيرون أيضا، فالمقارنة ربما تكون ظالمة لأن المعطيات مختلفة وليست متساوية، وعندما نكبر عموما نشعر بالحنين الى الماضي، أيا كان هذا الماضي، وليس شرطا ان يكون سعيدا او مليئا بالذكريات الجميلة. ولكني في حالتي تحديدا، فالحنين الى الماضي يشجيني ويطربني حتى وإن ابتعد المعنى عن اللحن والموسيقى.
وهذا الحنين لزماني لا ينسيني ليلي وقمري وفجري وزمني هذا الجميل أيضا، فالزمن يتغير، ويبقى الليل والقمر والفجر، فالزمن لا يغير حلكة الليل رغم المصابيح الجميلة بأشكالها وأنواعها، ويظل الليل ساهرا مع العشاق والمحبين الذين يستلهمون القمر عندما ينظرون الى أعين أحبتهم، وهنا نتفق على القمر، فزمان وصفنا محبينا به، ومازلنا عند وصفنا وكلماتنا، فتغير الزمن وظل القمر كما هو لم يتغير وصفا جميلا وشاعريا للحبيب. فعبر كل زمن، يرى المحبوب حبيبته ويصورها كالقمر، الى أن يأتينا الفجر أو يهل علينا بأشعته وأنامله الرقيقة وخيوطه الذهبية، ليبدد ما كان يستره ضوء القمر بين حبيبين يتناجيان همسا.
وإذا كان القمر هو الوصف الحقيقي لوجه المحبوب زمان وزمننا الحالي، فالمكان أيضا يتأثر بالزمان والزمن، فكثيرون يعتبرون مدنهم كانت أجمل في الماضي رغم ما بدا عليها حاليا من حداثة وتطور يتواكبان مع كل ما هو جديد وحديث.
ولكننا مع ذلك نحن لمدننا القديمة، فلا أحد ينكر مدينة المحرق، تلك الحورية الجميلة التي لا تضاهيها مدينة أخرى في العالم، مدينة تحتوي جميع الأجناس والأعراق والمذاهب، فعاشت فيها اللغات المختلفة، وتميزت بلغة التفاهم والتسامح والحياة والحب والالتقاء الحضاري بكل أبعاده، فكانت ولاتزال أنشودة الروح والقلوب، هبة السماء ومحراب البهاء، لها حكايات وروايات مع كل زمان وزمن ومكان، فهي مثل أساطير الخيال، حكاياتها يرويها الإنسان، طفلا وشابا ورجلا وعجوزا، وروايات تحكيها إنسانة لتعيش معها الحياة والحب وأجمل الذكريات. تلك الذكريات التي تعود بنا الى حب مدينتنا التي يتسابق عليها الشمس والقمر لتقبيل خدودها، ونشم الندى من جبينها لحظة انبلاج نور الصبح بإشراقاته ولآلئه النفيسة.. انها حقا مدينتنا التي يتسع صدرها للجميع ولا تصادر حق أحد في العيش فيها، هي المدينة التي يتوحد فيها الزمن والزمان وتظل نفس المكان تهبنا الحياة والروح، لتنفض من على جسدها ما علق به من هموم.
ونحن نعيش مع الزمن والزمان ورحلة المكان، تبهرنا رحلة الذهاب والإياب، فبين لحظة وأخرى، ترسل الشمس خيوطها الذهبية ليتكلل الطيف بألوان صاخبة، لتبدأ الرحلة اليومية الأبدية بتحية الصباح، تحية تتظلل بالحب والولاء، لتمر علينا الشمس وتقترب من رحلة المغيب، ليأتينا الغروب  بشموخه وابتسامته ومشاعره النبيلة لتتعانق النجوم في لوحة رائعة تتزين بها السماء.. ولا تتتهي رحلة الذهاب والإياب، لتسهر المدينة لتهبنا الخير كنهر متدفق بالعطاء اللا محدود والحب الأبدي.
أنا لا أتحدث عن رؤية فلسفية، وإنما ربما تكون لحظة تصاف اقترب فيها من الزمن والزمان، أو لنقلل المسافات بينهما، فأنا لا أتحدث عن الماضي الجميل لأننا نحن الذين نجمل الأشياء، بزمانها ومكانها، ولكل زمن جماله بانجازاته وناسه وعبقه وروحه، والفكرة أننا نتلاقى نفس الصحبة في الزمن والمكان، وإذا جلسنا استرجعنا فيها ذكريات أيام زمان، فالشخوص هنا هي صاحبة الذكريات ولكن يظللها الزمن والمكان، وليس شرطا أن تكون ذكرياتنا مشحونة بعواطف سعيدة، فالحياة ما هي سوى ذكرى تسع للفرح والحزن أو كلاهما معا.
وفي رحلة الزمن والزمان وبينهما المكان، نتذكر الحب الرومانسي وأبيات الشعر والغزل، وكيف كنا نأنس بصحبة المحبوب في خيالنا، هذا الخيال الواسع الذي حلم بمقابلة صدفة للحبيب الى ان نلقي عليه بيتا واحدا مما نظمناه من شعر، نتغزل في محاسنه وأوصافه الرائعة. وكان الخيال لا ينتهي أبدا فهو يداعبنا كل يوم وكل ليلة، وتتغير الكلمات أو تظل كما هي منظومة للحبيب.. وكان الغزل عفيفا حتى في الخيال ويتسامى بالأحاسيس والمشاعر الفياضة، ليصف آلام العشق وتباريح الهوى والتعبير عن الشوق والحنين، وظل الغزل العذري، سمة شعر وحب زمان، فهو غزل رفيع يتورع عن الأوصاف الحسية ويرتبط بكل ما يفرضه المجتمع من ضوابط. فما قول الشاعر العربي الكبير «أبي تمام» في كلماته الخالدة سوى نبذة عن شعر زمان حتى وإن كان هذا الماضي بعيدا أو قريبا أي بالأمس القريب، وتظل معه أبياته محفوظة في وجداننا:
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى
ما الحب إلاّ للحبيب الأول
كم منزل في الأرض يألفه الفتى
وحنينه أبداً لأول منزل

وحتى هذا البيت الخالد «ما الحب إلا للحبيب الأول» لم يعد مرتبطا بزمن، لأن حدود الحب نفسها تشعبت، وأصبح القلب يعشق كل جميل، يعشق الليل والقمر والفجر والصباح والمساء.
الحديث عن الزمن والزمان يطول، والفكرة ليست تحسرا على ماض قريب أو بعيد، فنحن كنا شخوصه الرئيسية أو على الأقل ضمن هؤلاء الذين غابوا عنا بحبهم وحنينهم وطيبتهم وحكاويهم، ولكننا ورثنا كل هذا لتعلمنا الأيام كيف نكون جسرا لهذه المشاعر الفياضة لما بعدنا، لأولادنا وأحفادنا، لتسير رحلة الحياة بلا زيادة أو نقصان، فكما غير أسلافنا التاريخ ومعالم وملامح المكان، سرنا نحن أيضا في طريق الحداثة، رغم أننا نتحسر أحيانا على زمان وأيام زمان وحب زمان وإخلاص زمان وناس زمان و«مكان» زمان.. وكيف كان هذا العهد جميلا مثل الربيع. ولكن الأهم، أن جيل هذا الزمان الذي لا يتنكر لماضينا ويغضب عندما نحدثه عن زمان، سيأتي عليه زمن يتحسر فيه هو الاخر على زمان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها