النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11931 الثلاثاء 7 ديسمبر 2021 الموافق 2 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:47AM
  • الظهر
    11:29PM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

شاعر المملكتين وكل الخليج (2 من 4)

رابط مختصر
العدد 9616 الجمعة 7 أغسطس 2015 الموافق 22 شوال 1436

الشاعر أثناء عمله الأكاديمي في جامعة الرياض، ثم متفقداً أحد المختبرات أثناء عمله وزيراً للصحة 

 

لكن المفارقة جاءت بعدما عاد إلى الرياض ليعمل مجددا في جامعتها. فبدلا من أنْ يبدأ في التدريس كما هو مفترض، كان في انتظاره أمر بالسفر إلى اليمن خلال ثلاثة أيام. وملخص الحكاية أنّ الغريمين الملك فيصل بن عبدالعزيز والرئيس المصري جمال عبدالناصر قررا في جدة في خريف عام 1965 أنْ يضعا حدا لخلافاتهما بتوقيع اتفاقية لإنهاء الحرب الأهلية في اليمن بين الجمهوريين والملكيين. وكان من ضمن بنود الاتفاقية تشكيل لجنة مكونة من جانب سعودي وآخر مصري، على رأس كل جانب مسؤول رفيع يعاونه عدد من العسكريين والقانونيين.
وعليه صدر أمر ملكي بتشكيل الجانب السعودي من وكيل وزارة الداخلية لشؤون البلديات وقتذاك عبدالله السديري رئيسا وعضوية غازي بن عبدالرحمن القصيبي مستشارا قانونيا، وغيرهما. يقول القصيبي في الصفحات 44 47 من كتاب «حياة في الإدارة» أنه حاول التملص من هذه المهمة عبر الاستنجاد بمدير جامعته آنذاك الدكتور عبدالعزيز الخويطر، لكنه لم يجد عنده حلا، كما أنه عاتب من رشحه لهذه المهمة وهو صديقه «عمران محمد العمران» فأقنعه الأخير بأن هذه هي فرصته للانتقال من موظف عمومي مغمور لا يعرفه أحد إلى شخصية معروفة في دوائر صناعة القرار العليا.
وهكذا سافر القصيبي لأول مرة، ودون رغبة منه، إلى البلد الذي انتصر لثورته وأيد التدخل المصري في شؤونه في عام 1962 مثلما فعل معظم الشباب العرب المتحمسين من جيله، قبل أنْ يكتشف بنفسه الوجه الآخر للمسألة والذي لخصها في قوله «عندما رأيت بعيني، وما من رأى كمن سمعا، هذه القوة الضاربة الهائلة يقصد القوة المصرية متمركزة في اليمن، بعيدة كل البعد عن ميدان المعركة الحقيقية في فلسطين، أدركتُ أنّ هناك خللا ما، لايمكن، كائنة ما كانت الأسباب والمبررات، أنْ يخوض أكثر من ثلث الجيش المصري غمار حرب أهلية عربية».
على أنّ ذهاب القصيبي في تلك المهمة إلى اليمن أفاده على أكثر من صعيد. فحينما عاد كانت بانتظاره مكافأة بمبلغ 25 ألف ريال «مبلغ ضخم بمقاييس ستينات القرن العشرين»، صرف نصفها تقريبا على رحلة استجمام مستحقة إلى لندن للتخلص مما شعر به من إرهاق في اليمن، وصرف النصف الباقي على استملاك قطعة أرض في منطقة «الملز» بالرياض باقتراح من صديقه عمران العمران (تضاعف سعر هذه القطعة فباعها واشترى بثمنها قطعة أكبر وبنى عليها أول منزل له، ثم أجر هذا المنزل لعدة سنوات بمبالغ مجزية). لكن الأهم من كل هذا أنه عرف الكثير عن مآزق اليمن الداخلية وحربها الأهلية، الأمر الذي استثمره لاحقا في أطروحته لنيل الدكتوراه من كلية يونيفرستي كولدج بلندن في عام 1971.
أما لماذا اختار بريطانيا لنيل الدكتوراه ولم يختر الولايات المتحدة الامريكية، فلأنه، حسب قوله، «وصلتُ إلى اقتناع أنّ دراسة الماجستير في الولايات المتحدة عرفتني على كل ما يمكن أنْ أعرفه عن النظام الجامعي الأمريكي. وكنتُ قد وصلتُ إلى اقتناع آخر مؤداه أنّ احتكاك الاستاذ الجامعي بأكبر قدر ممكن من الأنظمة الجامعية سوف يعينه على أنْ يؤدي مهمته في جامعته بفعالية أكبر».
والحقيقة أنّ القصيبي اكتشف الفارق الكبير بين نظامي التعليم الجامعي في المملكة المتحدة والولايات المتحدة فكتب أنه وجد جو الدراسة في لندن مختلفا عن جو الدراسة في جامعته الأمريكية القديمة، ففي الجامعة البريطانية كان حضور المحاضرات اختياريا، ولم تكن هناك امتحانات أو أوراق بحث فصلية. كما كانت هناك حالة استرخاء لا تعرفها الجامعات الأمريكية. ويضيف أنه تذكر وقتها ما سبق أنْ قاله أحد أساتذته الأمريكيين من أنّ «في الولايات المتحدة التعليم يعني التدريب، أما في أوروبا فالتعليم يعني السماح لك بتثقيف نفسك بنفسك».
المهم أنّ القصيبي نال لقب دكتور الذي يقول عنه «كنت ولا أزال أرى أنّ شهادة الدكتوراه لا تعني أنّ حاملها يمتاز عن غيره بالذكاء أو الفطنة أو النباهة فضلا عن النبوغ والعبقرية. كل ما تعنيه الشهادة أنّ الحاصل عليها يتمتع بقدر من الجلد وبإلمام بمباديء البحث العلمي. الهالة التي تحيط بحاملي الدكتوراه، خاصة في العالم الثالث، وتوحي أنهم مختلفون عن بقية البشر وهمٌ لا أساس له من الواقع. قابلتُ، عبر السنين، عددا لا يُستهان به من حاملي الدكتوراه اللامعين، وعددا مماثلا لا أزال حائرا لا أعرف كيف حصلوا على الدرجة». ويستطيع كاتب هذه السطور أنْ يؤكد أنّ القصيبي كان ينزعج من الطلبة الذين يأتون إلى دول الغرب وتتكفل جامعاتهم أو دولهم بكافة مصاريفهم لإعداد أطروحات في مواضيع لا تسمن ولا تغني عن جوع. فذات مرة كنتُ مع آخرين في مجلسه العامر بلندن حينما كان هو سفيرا لبلاده لدى بلاط السانت جيمس وكنت أنا مجرد طالب دكتوراه في جامعة اكستر البريطانية فسمعناه يسأل أحد المبتعثين من إحدى الجامعات الإسلامية السعودية لنيل الدكتوراه في بريطانيا عن موضوع رسالته، فكان رد المبتعث «حُكم بلْع الصائم لريقه». هنا كاد القصيبي أنْ يقع على الأرض من هول الصدمة والمفاجأة، لكنه تمالك نفسه وخاطب المبتعث قائلا: «ألم تجد جامعتك مكانا أفضل من بريطانيا لترسلك لإعداد مثل هذه الأطروحة؟».
مع بداية عام 1971 عاد القصيبي للعمل في جامعة الرياض، حاملا درجة الدكتوراه. وبعد عودته بقليل، وبالتزامن مع وظيفته الجامعية، أدار مكتبا للاستشارات القانونية كان قد افتتحه صديقه «مطلب النفيسة» قبل سفره إلى الولايات المتحدة لنيل الدكتوراه. ويعترف القصيبي بأنه لم يوفق في هذه التجربة التجارية، وأكتشف أنه لا يصلح لأي نوع من الأعمال الحرة. لكنه يبدو أنه وفق بشأن آخر، وهو التعرف على طبيعة المجتمع السعودي بشكلٍ أقرب، من خلال تعامله مع زبائن ذلك المكتب. وفي هذه الاثناء بدأ يكتب مقالات نصف شهرية في صحيفة الرياض، كما بدأ يظهر في برنامج تلفزيوني مع صديقه الدكتور سليمان السليم، وهو برنامج «أضواء على الأنباء» الذي حقق له شهرة. ومن جهة اخرى شهد هذا المنعطف من حياته انغماسه في الأعمال الاستشارية لصالح جهات حكومية متعددة. حيث عمل مع الدكتور محمد الملحم كمستشارين قانونيين في وزارة الدفاع والطيران، وعمل كاستشاري في لجنة تابعة لوزارة المالية والاقتصاد الوطني برئاسة الشيخ صالح الحصّين، كان غرضها الإشراف على بناء فندقين ضخمين في الرياض ومكة، وعمل كمشرف على برنامج خاص في معهد الإدارة العامة لتأهيل خريجي كليات الشريعة كي يصبحوا قادرين على العمل في وزارات الدولة كمستشارين قانونيين.
ومما لا شك فيه أن هذه المهام وما رافقها من شهرة وصعود وعلاقات مع عُلية القوم أججتْ الغيرة والحسد في قلوب البعض من المعذبين بسعادة الآخرين، والحاقدين على تميز ونجاح الغير، ممن لا يستطيعون استيعاب فكرة كيف «يتولى الاستاذ الجامعي كل هذه المهام العديدة الكبيرة وأنْ يكون فوق ذلك كاتبا وشاعرا». فراح هؤلاء يشيعون الأقاويل المغرضة عن الرجل، علما بأنه لم يخلص يوما من هذا الوباء الذي ظل يلاحقه إلى آخر يوم في حياته، إلى حد أنه تعايش معه واعتبره ثمنا للنجاح.
لكن القصيبي دفع ثمنا باهظا آخر لم يخطر على باله من قبل المتشددين المختلفين معه في التوجهات الفكرية. وفي هذا الصدد يشير في الصفحة 73 من «حياة في الإدارة» إلى قيام بعض المشتغلين في العلوم الشرعية باطلاق حملة ضده، حينما كان يشرف على برنامج معهد الإدارة العامة المشار إليه آنفا، مفادها أنّ القصيبي يريد استبدال الانظمة الشرعية المطبقة في البلاد بقوانين وضعية أجنبية. واعتقد الرجل للوهلة الأولى أنه نجح في إزالة مخاوف هذه الفئة، لكنهم في حقيقة الأمر كانوا يتظاهرون بذلك وينتظرون الوقت المناسب لتسديد ضربتهم التالية للرجل الذي صار في نظرهم خطرا ويجب أنْ يُحارب. وسرعان ما جاء ذلك الوقت المناسب في عام 1970 حينما صدر الديوان الثالث للقصيبي والموسوم ب «معركة بلا راية»، وأجيز تداوله في السعودية، وحظي باقبال كبير. حيث قام أحدهم بكتابة مقال دون توقيع في إحدى الجرائد الكويتية ألّب فيه الناس على القصيبي كما لو كان ديوانه نسخة جديدة من «رجوع الشيخ إلى صباه». بل تعدى الأمر ذلك إلى قيام وفود منهم بزيارة الملك فيصل لحثه على تطبيق أقصى العقوبات ضد القصيبي وفصله من الجامعة.
ويقول القصيبي أنّ الملك فيصل تعامل مع الأمر بالحكمة والروية اللتين عرف بهما فطلب أولا من بعض مستشاريه قراءة الديوان ورفع تقرير له عن محتواه، فجاء التقرير ليخبر الملك «أنّ الديوان لا يحتوي على أي شيء يختلف عما يضمه أي ديوان شعري عربي آخر في الحاضر أو الماضي». غير أنّ الضجة المفتعلة لم تنته واستمر الضغط على الملك لمعاقبة صاحب الديوان، الأمر الذي جعل الملك يشكل لجنة وزارية للنظر في الموضوع مكونة من وزراء العدل والمعارف والحج والاوقاف. وقد انتهتْ اللجنة إلى أنّ الديوان يخلو من أي شيء يمس الدين أو الخلق، بل طالب وزير الحج والأوقاف آنذاك الاستاذ حسن كتبي بتكريم صاحب الديوان بدلا من معاقبته.
تولى القصيبي عمادة كلية التجارة لفترة، شهدت الكلية خلالها محاولات جادة منه لتطوير الأداء والمناهج وأسلوب التدريس وسط تجاذبات وخلافات وتباطؤ في حسم الأمور بسبب تنصيب رئيس جديد لجامعة الرياض هو الدكتور عبدالعزيز الفدا الذي كان صاحب أسلوب مختلف عن سلفه الدكتور عبدالعزيز الخويطر. بعدها كان القصيبي على موعد مع تغيير جذري في حياته. فقد اتصل به صباح يوم من أيام العام 1973 وزير المواصلات آنذاك المرحوم الاستاذ محمد عمر توفيق ليخبره أنه وقع اختياره عليه لشغل وظيفة يتمناها الكثيرون كما لو كانت عروسا حسناء. ولم تكن تلك العروس سوى وظيفة مدير عام خطوط سكك حديد الحكومة العربية السعودية برتبة وكيل وزارة، وصلاحيات تعادل صلاحيات الوزير، وقيادة نحو ألفي موظف عام. تردد القصيبي في قبول هذه الوظيفة كي لا يبتعد عن جامعة شهدت بداياته، وعيشة ألفها وصداقات كونها وذكريات حفرها في الرياض، بدليل ما قاله في بيت الشعر التالي:
عمري هنا وسنيني المقمرات هنا شيء يحرك في الأعماق أشياء
لكنه بعد أنْ استشار زوجته أولا ثم الأمير سلطان بن عبدالعزيز وزير الدفاع والطيران آنذاك، وبعضامن أصدقائه وأسلافه في إدارة هذه المؤسسة الحكومية الضخمة ممن شجعوه دون استثناء على قبول العرض، توكل على الله وحسم الأمر بالقبول. وكان قراره هذا قرارا صائبا أو بحسب تعبيره «كان بحمدالله قرارا موفقا لم أندم عليه قط»، خصوصا وأنّ المملكة كانت حينذاك على أبواب الخطة الخمسية الثانية، والمجتمع السعودي يموج بحراك تنموي طموح.
وككل مرة يتقلد فيها الرجل منصبا، يخرج منه بفائدة ورؤية! دعونا نقرأ ما كتبه (بتصرف) في الصفحة 103 من كتابه «حياة في الإدارة» عن بداية عمله في مؤسسة سكة الحديد. «بدأت عهدي في المؤسسة بقرار أدهش بعض موظفيها. قررتُ أنْ أسافر من الرياض إلى الدمام بالقطار فيما حاول بعض الزملاء اقناعي بالعدول عن الفكرة لأن الرحلة في نظرهم متعبة وطويلة!». ويضيف بلغته الساخرة الجميلة قائلا: «يا لغرائب البيروقراطية! الجهاز الذي يقدم خدمة عامة للجمهور يريد حماية رئيسه من هذه الخدمة. رأيتُ، عبر حياتي الإدارية، عدة نماذج لهذا النوع من التفكير. مدير الشؤون الصحية الذي يرفض أن يُعالج في مستشفى من المستشفيات التابعة له، ومسؤول التعليم الذي يرسل أولاده إلى مدرسة خاصة».
والحقيقة أنّ تلك الرحلة التي قام بها القصيبي في يومه الأول كي يرى كيف تعمل مؤسسته على أرض الواقع عرفته مالم يكن بوسعه أنْ يعرفه من قراءة ألف تقرير. فلولاها لما تحدث مع المسافرين وتلقى شكاواهم، ولما تعرف على العاملين واقتراحاتهم، ولما تذوق الطعام الرديء المقدم للركاب، ولما رأى الغبار المتطاير في أنحاء العربات، ولما تأكد بنفسه من الخلل في مواعيد الوصول والانطلاق.
استفاد القصيبي من هذه الواقعة ليسنّ مبدأ التزم به في كل المواقع والمناصب التي شغلها لاحقا، وهو ضرورة اتباع سياسات هجومية عبر الزيارات المفاجئة والنزول شخصيا إلى مواقع العمل لمشاهدة الصورة على الطبيعة والاحتكاك بالمراجعين، وعدم الاكتفاء بالتقارير وما يزينه المرؤوسون لرؤسائهم. ولعل هذا كان أحد الأسباب وراء الشعبية الطاغية التي اكتسبها حينما ولاه خادم الحرمين الشريفين الأسبق الملك فهد بن عبدالعزيز حقيبة وزارية شائكة ومعقدة هي حقيبة الصحة، حيث أدارها بمزيج من الحزم الذي لا يخلو من الحنان والانسانية، والشفافية التي تتقصى مواقع الفساد وتضرب دون شفقة. غير أن الخاسرين من مثل هذه السياسات تربصوا به وشنوا الحملات الشعواء ضده حتى تحققت أهدافهم بخروجه من الحكومة، قبل أنْ يعود إليها مرفوع الرأس بعد سنوات طويلة قضاها سفيرا لخادم الحرمين الشريفين أولا في المنامة، وثانيا في المملكة المتحدة وجمهورية إيرلنده.
ولولا تطبيقه للمبدأ المشار إليه لما حدثت معه الحكاية الطريفة التالية: في أحد الأيام إبان توليه وزارة الكهرباء والصناعة حصل انقطاع للكهرباء في أحد أحياء الرياض، وكان الرجل يذهب إلى مقر شركة الكهرباء كلما حدث انقطاع ويتلقى، مع موظفي السنترال، الشكاوى الهاتفية. في ذلك اليوم تلقى اتصالا من مواطن غاضب وهو يصرخ «قل لوزيركم الشاعر أنه لو ترك شعره واهتم بعمله لما انقطعت الكهرباء عن الرياض». يقول غازي: «قلت له ببساطة شكرا.. وصلت الرسالة! فقال: ماذا تعني؟، قلت: أنا الوزير!، قال: إحلف بالله، فقلت: والله. وكانت هناك لحظة صمت في الجانب الآخر قبل أن تهوى السماعة».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها