النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11184 الجمعة 22 نوفمبر 2019 الموافق 25 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

كرامة البشر!!

رابط مختصر
العدد 9616 الجمعة 7 أغسطس 2015 الموافق 22 شوال 1436

كم يبدو الأمر مؤلما وأنت ترى إنسانا يتعرض للإهانة ضربا كالذي أظهره لنا الفيديو الذي انتشر بين المواطنين يوم السبت الماضي انتشارا يفصح عن اندهاش المجتمع إزاء هذا التصرف المشين، أو قولا عبر التلفظ بمفردات حاطة من كرامة الإنسان. وأظن أن هناك من يتفق معي على أن الإهانة بالفعلين، ضربا أو تلفظا، ليست جديدة على المجتمعات البشرية، لكن تطور منظومة حقوق الإنسان وما كرسته من قيم مثلى على أبناء البشر تحريها في تعاملاتهم البينية خلق حساسية إيجابية تجاه سلوكيات البشر وتصرفاتهم وطرائق تفاعلهم فيما بينهم وكيفية ردود أفعالهم إزاء كل انتهاك لكرامة بني الإنسان.
أصدقكم القول اني كنت أظن مخطئا أن موضوع صفعة العامل الآسيوي لا يستحق أن يتم تداوله بهذه الغزارة، ويكفيه أن يورد خبرا عابرا في ركن قصي من زوايا صفحات الجرائد، فقد فاجأتني ردود أفعال المجتمع البحريني إزاء هذه الحادثة، وانتشيت بما تابعته منها لأنها بالنسبة إليُ كانت ترمومترا يؤكد يقظة هذا المجتمع وحسه الإنساني الراقي الذي تربت عليه أجيال وأجيال لقنت قيم تقدير الذات البشرية من ثقافة الأجداد وترسخ وعيها بها من خلال تأثيرات المنظومة التربوية البحرينية التي جعلت التربية على حقوق الإنسان واحدا من أعمدتها. في تقديري أن رد فعل المجتمع البحريني رد طبيعي ولا يتوقع منه أقل من ذلك، فهو جزء من أمة كاملة تردد «السلام عليكم ورحمة الله وبركاته» في اليوم الواحد مرات ومرات.
وبالمناسبة فإن صفع أي إنسان على وجهه تُعد من أقسى الإهانات التي يتعرض لها أي شخص؛ لأنها تعطي قناعة بأن من يقوم بعملية الصفع وكأنه يأخذ قرارا بشطب المصفوع أن يكون إنسانا، وفي ذلك ما فيه من إيذاء للنفس البشرية. الساعدي ابن الرئيس الأسبق معمر القذافي يقبع في السجن ويتعرض للتعذيب بحسب ما تنشره الأخبار هذه الأيام. والذي تؤكد عليه وسائل بث هذه الأخبار هو تعرضه للصفع على الوجه. ما يعني أن التعذيب شيء والصفع على الوجه شيء آخر أكثر مهانة!
الآن، تعالوا معي نتناول هذا السؤال: هل يستحق الفيديو المشار إليه آنفا كل هذا الاهتمام المجتمعي؟ وعلام يدل هذا الاهتمام؟ وللإجابة عن السؤال الأول أقول إن الفيديو شكل فزعة مجتمعية إيجابية للدفاع عن الجاليات الأجنبية الآسيوية بالذات التي يتعرض بعض أفرادها لسوء المعاملة من البعض، سواء أكان هذا البعض في الشارع من أناس انتقصوا الحس الإنساني، ومالوا حيث يميل سلوك الوحوش، أو من بعض أرباب العمل الذين من شدة جشعهم لا يتوانون عن صفع العامل أو البصاق عليه أو إهانته لفظيا. ولعل تغريدة وزير الخارجية الشيخ خالد بن أحمد، السباق دائما إلى نقد مثل هذه السلوكيات، عبرت بشكل جلي عن حال هذه الفئة التي جاءت إلى البحرين؛ إذ قال: «جاء من بلاده متحملا الغربة وفراق الأهل. ليقوم بأشق الأعمال من أجل راتب بسيط. ويأتي شخص حقير ويصفعه. اللهم خذ بحقه منه». أما علام يدل هذا الاهتمام؟ فإنه يدل على أن مجتمعنا البحريني يرفض أن يتحول إلى مجتمع فاقد للحس الإنساني، وأنه يقف مع المظلوم بصرف النظر عن جنسه أو جنسيته.
ذاكرة الإنسان لا تخلو من صور ومشاهد يندى لها الجبين لإهانات شاهدها تمارس ضد آخرين أو تعرض لها هو، وهي صور تتحول وشما في الذاكرة ومعيارا تقاس به سلوكات الناس في ضوء مفهوم للكرامة يكفينا شاهدا على قيمته الاعتبارية العبارة المشهورة التي جعلتها قبل الخبز وجعلت عنترة بن شداد يأبى كأس الحياة بذلة ويرضى بكأس الحنظل عزيزا؛ فالكرامة كقيمة إنسانية لم تتغير، البشر استشعروها في كل الأزمان وهم إلى أبد الآبدين يضعون لها اعتبارا في تعاملاتهم، لكن الذي تغير حقيقة هو الإحساس بها والنزوع إلى الدفاع عنها وجعلها مقياسا لتحضر المجتمعات. كرامة البشر شرط من شروط بناء مجتمع مدني عاقل يكون فيه الناس متساويين.
ورغم أن الحالة الشاذة التي احتدمت صورها على شاشات هواتفنا الصغيرة وخدشت مشاعرنا الإنسانية كانت حالة فردية، فإن المجتمع البحريني ليس حالة خاصة ينشأ من بين مواطنيها من يسلك السلوك المنحرف أو الحقير هذا، على رأي وزير الخارجية، لكن لعل ذلك يُعد مؤشرا على تغيير في سلوك البشر وأن من قام بصفع العامل الآسيوي وغيره ممن يمارسون سلوكا مماثلا ولم تصطدهم الكاميرا في حاجة إلى إعادة تأهيل اجتماعي، وعلى وسائل الإعلام والمنابر الدينية والتربية والتعليم أن تتنبه لها وأن تنبري للعمل على الحد من السلوك العنيف الحاط من كرامة البشر. هذا وغيره ممن يجمعهم هوى إيذاء البشر أفراد في مجتمعنا وعلينا تقع مسؤولية علاجهم وتأهيلهم ليكونوا أفرادا صالحين في المجتمع البحريني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا