النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

الفرص الضائعة

الحاجة إلى «معارضة» رشيدة للتقدم نحو وفاق عام

رابط مختصر
العدد 9614 الأربعاء 5 أغسطس 2015 الموافق 20 شوال 1436

من الواضح من خلال التجربة أن المعارضة بصورتها الحالية ما تزال تفتقر الى الرشد السياسي، وما تزال تشتغل داخل الشعار، ولم تمتلك القدرة بعد على بناء الموقف ورؤية تمكنها من ان تكون فاعلة في الواقع ومؤثرة في التقدم نحو الوفاق الوطني و وبناء لغة مشتركة جامعة..
مازالت هذه المعارضة ترى في السلطة « شرا مطلقا»، وتفسر جميع بلاويها وسقطاتها وإخفاقاتها بدور السلطة وموقف السلطة، فكلما لمنا عليها في أمر قالوا لنا ( العيب في السلطة والمشكلة في السلطة...) إلى اخر تلك الأسطوانة المشروخة، دون الالتفات ولو لحظة الى اخطائها والى عللها ومواقفها الكارثية إبان الازمة وبعدها، وأهمها الإعلان الصريح عن الرغبة في الانقلاب على السلطة القائمة، ورفع شعارات 0 ارحلوا) التي اشعرت جزءا مهما وكبيرا من أبناء البحرين بأنه مهدد في وجوده وكيانه، ثم كارثة التنسيق المباشر والمكشوف مع السفارة الامريكية على نحو فج ومستفز بالسعي الى دمج العامل الخارجي ضمن معادلة الداخل على نحو غير مسبوق وغير أخلاقي.
نعم نحتاج الى وجود معارضة، وتحتاج السلطة الى وجود معارضة، ولكنها المعارضة الرشيدة القادرة على التقدم نحو وفاق وطني عام، والتوقف عن التعلل ولتعلل بالسلطة في كل صغيرة وكبيرة، خاصة وان السلطة قد سبق لها ان خطت العديد من الخطوات منذ 2011 والى اليوم، ولكن المعارضة لم تبدي ان مبادرة جادة الى طريق تخفيف الاحتقان في الشارع، باستثناء الإعلان عن الوثائق التي سبق واكدنا في اكثر من مناسبة انها لمجرد المزايدة السياسية لان من يريد ان يتقدم نحو الوفاق الوطني العام، عليه ان يتجه نحو الحلول الوسطية ونحو الشراكة الوطنية ونحو الديمقراطية التوافقية وقد كانت فرصها موجودة وقائمة وبددها زعماء المعارضة للأسف الشديد.
إن أي سلطة في العالم- تستطيع الاستفادة من المعارضين أكثر من استفادتها من المؤيدين من ذوي الخواء التام الفكري والسياسي، وإنها إذا عمدت إلى خنق النقد الموجه إليها، إنما تمهد السبيل لتشويه صورتها والإضرار بهيبتها ومكانتها في الداخل والخارج، وذلك أن المثقف أو السياسي المدجَّن لن يجرؤ على تقديم نقدٍ بنَّاء للسلطة، ولا إلى تقديم نصيحة مفيدة تستهدف المصلحة مُصلحة عامة، لأنه يكون طوال الوقت منشغلا بممارسة النفاق العام والخاص، وفي المقابل فإن المثقف أو السياسي الموضوعي والذي ينشد تحقيق المصلحة العامة غالبا ما يلعب دورا نقديا بناء، وهذا الموقف هو في الأساس لصالح السلطة ولصالح الناس أيضا.. ولا نتحدث هنا عن المعارضين الغوغائيين المغرضين الذين يتصيدون في الماء العكر، فضررهم يزيد عن ضرر المنافقين وبائعي المواقف بالجملة والتقسيط..
ومن هذا المنطلق يمكن تصنيف المثقفين في علاقتهم بالسلطة إلى ثلاثة فئات:
-مثقفون أقصوا أنفسهم أو أقصتهم السلطة عن رحابها لأسباب مختلفة، أو عجزت عن احتوائهم، وكثير من هؤلاء يفضلون العيش في حالة فقدان وزن بعيدا عن الضوضاء فيما يشبه الزهد في الحياة السياسية.
-مثقفون تكون السلطة قد نجحت تماما في تدجينهم أو توظيفهم فكرياً، ليكونوا واجهات تحت تصرفها، حيث يتنازل المثقف طوعا أو طمعا عن جدواه المعرفية، وقناعاته الفكرية، وكفاءته الإبداعية الأصيلة ، ثم يصير آلة مستأجرة بدون شرف علمي أو فكري...
-مثقفون رفضوا خيانة ضمائرهم، وأخلصوا لأفكارهم لكن توافقت تلكم الأفكار -أو كثير منها-مع المنظومة الفكرية والأيديولوجية التي تتبناها السلطة، وتوافقت مع أطروحاتها، خاصة عندما تكون السلطة رشيدة وصالحة بالمعايير المعروفة ...
إن المثقف -قبل كل شيء-هو عنصر من مكوّنات الدولة بوصفه مواطنا ضمن نسيجها السكاني، لكن تميّزه عقليا وفكرياً؛ جعل منه مشروعَ وسيلة تهتم السلطة باستثمارها في مشروعها السياسي الضيق، أو الأيديولوجي الواسع.
إن (السلطة )في حاجة إلى التواصل مع الشعب وإلى دعم جماهيري يقوي سلطانها وتأثيرها، ويدعم هيبتها، ويرسخ مكانتها، أما الشعب فلا يمكن استمالته إلا بإقناعه بجدوى هذه السلطة وصلاحها ورشدها لخدمته، وإن مهمة الإقناع تلك لا يمكن تحقيقها إلا بإحدى وسيلتين هما:
-أن تعمل السلطة فعليا جاهدة ومخلصة إلى نفع شعبها، وتحقيق طموحاته وآماله وتوفير حقوقه وضمان أمنه واستقراره واحترام إنسانيته، وهذا ما نراه حيًّا في العديد من نماذج السلطة الرشيدة، ومنها النموذج البحريني..
-أن تفعل السلطة ذلك بالاستعانة بعملية تمويه وتزييف أيديولوجية، وهذه مهمة لا يمكن تحقيقها إلا بواسطة أناس لهم قدرة على تحقيق الإقناع، وحسن التعبير والتنظير، وإجادة التواصل والتوصيل، وتزيين الوعود، وتزييف العهود، وتحسين القبيح، و كل هذه المهام تحتاج براعة لا يمتلكها إلا صاحب عقل أو فكر بارع ، أو لسان طليق، يدرك الناس حكمته، وبراعته ويثقون في كلامه وخبرته، إلا انه من حسن الحظ انه سريعا ما يتم اكتشاف لعبة التزييف هذه وافتضاح أمر المشتغلين بها.
ان نجاح المثقفين في استعادة دورهم في الحياة العامة والمشاركة في بناء السياسة الوطنية يتوقف على تحقيق شروط ثلاثة أساسية:
أولها:هو إعادة بناء دور المثقفين في الأمور العامة ومساهمتهم في تحديد القيم الاجتماعية، وتحولهم بالتالي إلى مرجع من ضمن المراجع التي يستند إليها الرأي العام ويعتمدها في بلورة رؤيته للمسائل العامة.
ثانيا: إفساح المجال للمثقفين في المساهمة في خلق نظام سياسي جديد يقوم على فكرة المواطنة والحقوق الشرعية ودولة القانون، والاعتراف بدور الثقافة في تسيير وتطوير المجتمعات العربية..
ثالثا:إعادة تفعيل دور المثقفين من خلال التغلب على هذا الإحباط الذي يعيشه اغلبهم منذ فترة طويلة، وهذا يكمن في إعادة النظر في رؤية المثقف لنفسه ودوره الفكري التفاعلي مع الهموم الحقيقية التي يعاني منها مجتمعه‚ وان يصبح الرأي العام هو المحور الرئيسي ومركز استثماراته الثقافية والاجتماعية معا..
من خلال ما سبق يمكن للمثقفين أن يتحولوا إلى عنصر من عناصر إعادة بناء القيادة الاجتماعية وفق المتطلبات التي تقتضيها عملية التغيير المرتقبة في المنطقة العربية، وان يسهموا في إنشاء قواعد عمل سياسي قائمة على أسس وطنية وليس على أسس شخصية أو فئوية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها