النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

وجبات سريعة لعابري السبيل

انخراط المثقف في الترويج للترهات والأوهام

رابط مختصر
العدد 9612 الإثنين 3 أغسطس 2015 الموافق 18 شوال 1436

نفاجأ في بعض الأحيان أن بعض الذين نثق في عقولهم أو نفترض-بحكم مقاماتهم الثقافية أو مواقعهم ومسؤولياتهم السياسية أو الإعلامية أو الإدارية-أنهم ملمون بما يدور في البلد إلمام فهم وعلم وإدراك، وليس إلماما قشريا سطحيا هزليا اختزاليا برقيا في بعض أوجهه.
جرني إلى هذا القول ما يلاحظ من أن بعض المواقف والتصريحات والكتابات تصدر عن أناس يفترض بهم العلم والاطلاع والمعرفة والحصافة والقدرة على بناء الآراء والتحاليل والمواقف على المعلومات الصحيحة الدقيقة الموثوقة، والتي يتطلب أمر الحصول عليها جهدا جهيدا وكدحا وبحثا، فإذا بنا نكتشف أنهم يخبطون خبط عشواء في الصحراء، أوانهم مثل الأطرش في الزفة أو أنهم يبنون مواقفهم وآراءهم وتحليلاتهم على «طراطيش كلام» أو استنادا إلى إذاعة قالوا ..
يقول العرب: «لا يعذر الجاهل بجهله»، ويقول العرف: «أن من يعرف قدر نفسه لا يتكلم فيما لا علم له به».. ومع ذلك فهنالك من يخبط يمنيا وشمالا ويبني مواقف كاملة على معلومات خاطئة أو سطحية أو غير مؤكدة، يفترض صحتها دون تأكد أو مراجعة أو تمحيص..
وإذا كانت مثل هذه المواقف المخلخلة تدعو إلى الاستغراب والإنكار والانتقاد وتعرض صاحبها إلى السخرية، وتوقعه في الحرج أمام الناس وفق القيمة، فإن هنالك نوعا آخر من الكتابات والتصريحات والمواقف تنهض من حيث النية على الوقائع بشكل «وقيعي»، أو تنبني على نية الإيقاع بالآخرين، أو البحث في ثنايا الهوامش-دون الجواهر-لبناء مواقف معادية لنية العداء المبيت.. غير أنه في الفترة الزمنية نفسها، وفي اليوم نفسه، قد تأتي المعلومات الصحيحة على قدر من الدقة، بحيث يتعذر الاختلاف حولها وفيها، كأن تكون جامعة خاصة تعمل بمنطق البرادة أو مطعم الوجبات السريعة، فلا تجد المعلومة ما تنقل سوى أن تلك الجامعة قد ماتت فعلا يوم باعت وجباتها السريعة إلى الجائعين من عابري السبيل..
إن تحريف المعلومات تحت تأثير الدوافع الشخصية والعصبية الآنية، عمل لا أخلاقي، خاصة إذا كان مبنيا على نية مبيتة للسخرية من عقول الناس- يستهدف مستقبل الأجيال القادمة بخصوص تشكّل ذاكرتها، وبناء قيمها المانعة من الانزلاق إلى الهاوية، فلكم تقاتلت قبائل وشعوب وأمم، بسبب الاختلاف في تأويل ماضيها الذي كان موهوبا للزيف والجرذان، منذ اللحظات الأولى لتدوينه، وتزييف التاريخ ليس مكسبا تهفو إليه العيون والعقول والقلوب، ولا بدعة مستحدثة تتشوّق إلى مذاقها الألسنُ، بل هي حرفة دأبت البشرية على تناقلها وتوارثها جيلا بعد جيل بأمانة، مثلما توارثت وتناقلت حرف الكذب والنهش والنبش والتزييف والتقاتل من أجل الشهوة والسلطان والمال، لكن أقسى ما في الأمر انخراط المثقف، (عن وعي أو عن غير وعي) في الزيف والتزييف والكذب والتحريف والترويج للترهات والسخافات والأوهام على أنها حقائق، باسم الرأي أحيانا،وباسم الدين أو الطائفة أو الحزب أحيانا أخرى، وباسم الانحياز إلى الأنانية والمصالح الشخصية والذاتية في اغلب الأحيان!
صحيح أن الخصومات والمعارك شأنان إنسانيان لا فكاك منهما، وأنهما من أمراض البشر الموروثة، والتي بدونها قد يكونون بشرا ناقصي البشرية، ولكن هذه الخصومات والصراعات والخلافات مهما كان نوعها( فكريا، سياسيا، طائفيا، اجتماعيا...)، في تأكيدها على قدسية حق الاختلاف، لا يجب ان تكون عائقا أمام فوز الإنسان بحقوق كثيرة لا معنى للحياة الكريمة بدونها، مثل حقه في المعرفة وحقه في الكرامة وحقه في الصدق، ومن هذا المنطلق فإن التأكيد، من قبل المثقف، على حق الاختلاف وحده، دون تحديد ماهيته وأفقه وأدواته، يدفعنا إلى الشكّ في سلامة الأهداف المرسومة من قبل هؤلاء المحسوبين على طائفة المثقفين الذين لا يمكن أن يشكلوا طائفة أو أن يكونوا طائفة بل قوة وعي واستنارة وفهم، أي قوة الحقيقة في مواجهة الجهل، قوة الموضوعية والإنصاف في مواجهة آلة الكذب والتزييف، وخاصة تزييف الوعي.

همس
«التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار، ولكن في باطنه نظر وتحقيق. كما إن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر، حتى تبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة، قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله».
ابن خلدون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها