النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

شــــاعر المملكتــين وكل الخليج (1 من 4)

رابط مختصر
العدد 9609 الجمعة 31 يوليو 2015 الموافق 15 شوال 1436

يحتار الباحث كيف يكتب ومن أين يبدأ وبأي حديث يختم حينما يكون إزاء قامة فكرية عملاقة متعددة المواهب والمناصب، غزيرة الانجازات والآثار، كثيرة الروابط والعلاقات، عديدة المعارك والسجالات. بل تزداد حيرته والعبء الملقى على عاتقه حينما تكون تلك الشخصية أحد الأشخاص الذين ارتبط معهم بعلاقة صداقة، فساعتئذ قد تكون شهادته فيه مجروحة.
هذا ما شعرتُ به وأنا مُقـْدم على كتابة هذه المادة عن المفكر والأديب والشاعر والروائي والإداري والدبلوماسي والأكاديمي المغفور له الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي لأضمها إلى ما سبق وأنْ كتبته من مواد عن أعلام الخليج في شتى المجالات والميادين.
وبطبيعة الحال فأنا على يقين أني لن أضيف شيئا جديدا إلى السيرة الناصعة والثرية لهذا الرجل الذي أطلق عليه لقب «شاعر المملكتين» (المملكة العربية السعودية وشقيقتها مملكة البحرين) أي على غرار اللقب الذي تم إطلاقه على الشاعر خليل مطران وهو «شاعر القطرين» (مصر ولبنان). وإذا كان الأخير قد حصل على لقب «شاعر الأقطار العربية» بعد رحيل عملاقي الشعر أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، فإنه من باب أولى إطلاق لقب «شاعر كل الخليج» على الراحل الكبير الذي كانت أقطار الخليج كلها بالنسبة إليه قطعة من روحه وفؤاده، يتنفس فرحا مع نجاحاتها وانجازاتها وانتصاراتها، ويتألم غضبا وحسرة في كل مرة تتعرض لها إلى إخفاق أو هزيمة أو كبوة.
ولعل شعوب الخليج لمستْ ذلك وأحستْ به وهي تراه منافحا بشجاعة وإقدام عن عزتها وسيادتها وسلامتها ووجودها يوم أن كانت بلادها مهددة بالإجتياح بعد واقعة الغزو العراقي للكويت في عام 1990، وذلك من خلال الكلمة الحرة الصادحة عبر عمود يومي في صحيفة الشرق الأوسط أطلق عليه إسم «في عين العاصفة»، ثم عبر كتابه الرصين «أزمة الخليج محاولة للفهم». وقد تكررتْ مواقف القصيبي الشجاعة هذه يوم أنْ حاول نفر من مواطنيه ممن يختفون وراء عباءة الدين، ويتسمون بالصحويين، أن يشقوا عصا الطاعة على ولي الأمر وهو يخوض معركة حياة او موت ضد العدوان العراقي، فعالجهم بمقالات صاروخية عرتهم على حقيقتهم، الأمر الذي دفعهم إلى الطعن فيه عبر المنشورات والمنابر وأشرطة الكاسيت، ثم جمع القصيبي تلك المقالات في كتاب أطلق عليه إسم «حتى لا تكون فتنة».
والقصيبي، الذي تميز بشخصية جذابة وتواضع جم وانفتاح على الكبير والصغير والغني والفقير، وخاض السجالات والمعارك الفكرية التي حركتْ المياه الراكدة وخلقتْ له الكثير من المؤيدين والمعارضين، قدم لوطنه وبني دينه وعروبته خدمات كثيرة ومتشعبة من الصعب أن نحصرها في مقال.
ولد غازي، الذي أخبرنا ذات مرة أنه يكره إسمه لأنه يذكره بالغزوات والحروب بينما هو من أنصار السلام والمحبة، في مدينة الهفوف بشرق السعودية في 12 مارس 1940 إبنا لأسرة ثرية كان ربها مقربا من الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود ويعمل وكيلا له في الأحساء والبحرين.
في الجزء الثاني من كتابه «سيرة شعرية» يصف البيئة التي ولد فيها بالكئيبة في إشارة إلى ماحدث قبل ولادته بفترة قصيرة حينما توفي جده لوالدته، وماحدث بعد ولادته بتسعة أشهر حينما توفيت والدته ليترعرع «متأرجحا بين قطبين أولهما أبي وكان يتسم بالشدة والصرامة(كان الخروج إلى الشارع محرما على سبيل المثال)، وثانيهما جدتي لأمي وكانت تتصف بالحنان المفرط والشفقة المتناهية على الصغير اليتيم». وربما قوله «إني عشتُ في بيئة مشبعة بالكآبة» إشارة إلى نشأته التي كانت بلا اقران كي يلعب معهم، فحتى شقيقه نبيل الذي كان يكبره مباشرة كان فارق العمر بينهما خمس سنوات.
على أنّ هذا التأرجح الذي عاشه ما بين الشدة والحنان لم يكن له تأثير سلبي عليه، بل على العكس، فقد تعلم منه مبدأ عايشه وطبقه في ما بعد وهو ــ طبقا لمفرداته ــ «إن السلطة بلا حزم تؤدي إلى تسيب خطر، وإن الحزم بلا رحمة يؤدي إلى طغيان أشد خطورة»، على نحو ما ورد في الصفحات 12ـ 13 من كتابه «حياة في إلادارة».
 لم يعش القصيبي فترة طويلة في الأحساء، بل أنه في ظل منعه من الخروج من المنزل لا يتذكر من طفولته سوى اللعب مع الحمام وبأدوات النجارة، ولا يتذكر من الهفوف سوى بساتينها الجميلة ودروازتها العتيدة وخرافات «أم السعف والليف»، طبقا لما كتبه بنفسه في الصفحات 67 ـ 68 من الجزء الثاني من كتابه «سيرة شعرية». وفي تلك الصفحات ذكر القصيبي أنه حينما كان يقترب من السادسة فرضتْ ظروف عائلته عليه الانتقال إلى المنامة فكانت الأخيرة هي المدينة الثانية التي تقع عيناه عليها بعد الهفوف، حيث عاش في المنامة في منزل كبير لمدة 11 سنة أتمّ خلالها المراحل التعليمية الأولى. وفي هذا السياق كتب في الصفحة 18 من الجزء الأول من كتابه «السيرة الشعرية» قائلا: «كانت الدراسة في البحرين ثلاث مراحل: الروضة ومدتها ثلاث سنوات، فالابتدائية ومدتها أربع سنوات، والثانوية ومدتها أربع سنوات، أما التوجيهية فكان لا بد من السفر إلى خارج البحرين للحصول عليها».
وعلى الرغم من قصر علاقته بمكان ميلاده في الأحساء، فإنه خصها بقطعة شعرية يعترف فيها بتقصيره في حقها، حيث أنشد:
أواه كم أنا مقصـّر في حق الأحساء
لا أكاد أزورها ..
لم أكتب عنها شيئا يذكر ..
يا للعقوق!
 وقد ولدتُ فيها ..
وقضيت فيها أعوامي الخمسة الأولى ..
أذهب إلى الشارع خلسة .. خوفا من أبي
أرتجف في الظلام هلعا .. خوفا من «أم السعف والليف».
من أجل الحصول على التوجيهية المؤهلة لدخول الجامعة سافر القصيبي إلى القاهرة في  1956 أي في فترة اشتداد المد القومي وظهور عبدالناصر كزعيم يراهن عليه العرب في الإستقلال والوحدة والنهوض وتحرير فلسطين. وهناك تمكن من الحصول على شهادة الثانوية العامة من المدرسة السعيدية التي اتاحت له الإلتحاق بجامعة القاهرة التي حصل منها على ليسانس الحقوق في 1961 . بعدها عاد إلى وطنه متحمسا لدخول مجال الحياة العملية. وعن هذا المنعطف من حياته يذكر في الصفحة 24 من كتابه «حياة في الإدارة» أن والده حاول إقناعه بالعمل في تجارة العائلة لكنه أخبره بعدم صلاحيته للتجارة، مفضلا الالتحاق بالخدمة العامة بعد الانتهاء من الدراسات العليا، كما يذكر أنه رفض عرضا مغريا من وزير البترول والثروة المعدنية وقتذاك المرحوم المهندس عبدالله الطريقي تمثل في تعيينه على رأس الإدارة القانونية بالوزارة مع المرتبة الثانية الثابتة.
 وعلى الرغم من أنّ القصيبي عاش في القاهرة حياة فكرية ثرية وتعلم الكثير عن التيارات والإيديولوجيات السياسية التي انغمس فيها رفاقه حتى النخاع، فإنه تعرف فيها أيضا لأول مرة على البيروقراطية المنيعة حينما استغرقت عملية تصحيح خطأ في إسمه كل سنوات دراسته، وتعرف فيها أيضا على قصص الفساد والرشوة لتجديد ترخيص الإقامة مثلا من مبنى مجمع التحرير»، أو ركوب الطائرة دون أخذ جرعات التطعيم ضد الجدري والملاريا والحمى الصفراء (حياة في الادارة ص 20ـ22). وفي هذا السياق كتب القصيبي في الصفحة 23 من المصدر السابق مايلي:
«كانت تجربة دراستي في القاهرة غنية بلا حدود، ولكن خيبة أملي في الجو الجامعي كانت خيبة كبرى. بعد الابتدائية والثانوية في البحرين حيث كان الجو أشبه ما يكون بجو الأسرة الواحدة، وجدتُ نفسي في محيط لا يختلف عن محيط المدن الكبرى حيث لا يعرف أحد أحدا، ولا يأبه أحد بأحد. كان المدرج يغص بأكثر من ألف طالب، وكانت هناك حواجز نفسية سميكة تفصل بين أعضاء هيئة التدريس والطلاب. كان العميد أشبه ما يكون بشخصية أسطورية تسكن قمم الأولـُمب. أذكر أنّ أحد الزملاء قال لنا، مرة، وهو لا يكاد يصدق نفسه أنه تجرأ وسلـّم على العميد وأنّ العميد ردّ عليه السلام. وكانت الطبقية الجامعية لا تختلف كثيرا عن الطبقية العسكرية، يبدأ السلـّم من أسفله بالمعيد، فالمدرس المساعد، فالمدرس، فالاستاذ المساعد، فالاستاذ، فأستاذ الكرسي، وكانت الحواجز بين هذه الطبقات حواجز حقيقية». ويضيف القصيبي: «عندما أصبحتُ عميدا حرصتُ على تقليص هذه الحواجز إلى أدنى حد ممكن وحققتُ نجاحا لم يخلْ من انتكاسات».
وقد قال القصيبي عن القاهرة، أو المدينة التي فتحت أمامه لأول مرة الإنطلاق والتعرف على عوالم الثقافة والفن والأدب والشعر والسياسة وأيضا الغرام، الكثير مما هو مدون في كتاب «البروفسور غازي القصيبي وعالمه الغريب جدا» لمحمد محفوظ (الصفحات 43 ـ 48). فقد وصفها بأم الدنيا فعلا لأنها إنْ عطستْ أصيب العالم بالأنفلونزا، وقال أنه في القاهرة أبصر كل المشاهد وإمتلأ بكل التجارب، ففيها درس القانون، والتقط من سور الأزبكية العظيم كل كتاب مستعمل، ورأى طه حسين يدخل كلية الآداب، وبيرم التونسي ينظم أشعاره في مقاهي سليمان باشا، واستمتع بأجواء التسامح والاختلاط بين الجنسين داخل قاعات الجامعة والفصول والاقسام والبوفيهات وحفلات الساعة العاشرة صباحا في دور سينما عماد الدين، وجرب سندويشات الفول والطعمية، وحضر القعدات الثقافية في صالون العقاد، ومقاهي سليمان باشا والفيشاوي والحسين، ومجلس نجيب محفوظ وشلة الحرافيش في كازينو أوبرا، وجادل العقاد حول طبيعة الشعر الحر، واعتاد كغيره من العرب على سماع ـ الصوت المستحيل ـ .. صوت أم كلثوم ليلة الخميس الأول من كل شهر، وتماهى مع المعارك المحتدمة التي كانت قعقعتها تتعالى كل يوم بين الجديد والقديم في كافة المجالات عبر صحافة متخصصة وأخرى شعبية. ويعترف القصيبي بفضل مصر في الارتقاء بذائقته الفنية لأنها كانت بلد مطرب الملوك والأمراء، محمد عبدالوهاب، وليلى مراد ومحمد عبدالمطلب وعبدالعزيز محمود وكارم محمود وشادية، و»الصوت الزاحف مع جحافل المجد ودباباته، عبدالحليم حافظ». ولئن انغمس في رسم صور خيالية لكل ما هو مصري من خلال مشاهدة السينما المصرية والإعجاب بنجومها الشباب ككمال الشناوي وأنور وجدي، ونجماتها الفاتنات كفاتن حمامة وشادية وماجدة ولبنى عبدالعزيز ونادية لطفي وسعاد حسني، وظرفائها كإسماعيل يس وشكوكو وعبدالفتاح القصري، وخادماتها كوداد حمدي، وحمواتها كماري منيب، فإن إختياره وقع «على السمراء ذات العيون النجلاء إيمان كصورة، وعلى نجاة الصغيرة كصوت حساس، وهي خيارات رومانسية بشدة».
أراد القصيبي بعد تخرجه من جامعة القاهرة مواصلة دراسته في تخصص القانون الدولي بإحدى الجامعات الأمريكية، وهو لئن حصل على القبول فعلا في العديد من الجامعات الامريكية إلا أنّ الأقدار تدخلتْ لتحدد مكان دراسته في لوس أنجلوس وتحديدا في جامعة جنوب كاليفورنيا، لكي يكون قريبا من شقيقه نبيل الذي كان يتعالج وقتذاك هناك. بل أنّ الأقدار فرضتْ عليه أيضا التخصص في علم العلاقات الدولية بدلا من تخصص القانون الدولي الذي لم يكن متوفرا في جامعة جنوب كاليفورنيا.
في خريف 1964 أنهى القصيبي الماجستير وكانت أمامه ثلاث خيارات كما أفصح بنفسه في الصفحات 36 ـ 40 من المصدر السابق: إما أنْ يعود إلى بلاده ويلتحق بمهنة التدريس الجامعي، وإما أنْ يواصل تعليمه لنيل الدكتوراه، وإما أنْ يفصل ما بين مرحلتي الماجستير والدكتوراه بفترة من العمل. يقول القصيبي:»قررتُ أنْ أعود إلى الوطن لألتحق بالجامعة. كنتُ قد أدركتُ، بالتجربة العلمية، الفارق بين مبتعث يتلقى مخصص البعثة فحسب، ومبتعث يتلقى، فوقه، نصف راتب الوظيفة. كما أنّ الاحتكاك اليومي بعدد من الموظفين المبتعثين علــّمني أهمية الأقدمية في حسابات الخدمة والتقاعد».
وهكذا عاد القصيبي إلى وطنه مكتفيا، بصفة مؤقتة بشهادة الماجستير، ليجد أمامه عدة عروض مغرية من بينها عرض من وكيل وزارة التجارة والصناعة آنذاك «عمر فقيه» للعمل مديرا لواحدة من أكبر إدارات الوزارة بالمرتبة الثالثة مع وعد بترقية سريعة، وعرض آخر من وزير البترول والثروة المعدنية «أحمد زكي يماني» للعمل كمدرس في جامعة البترول والمعادن بالمرتبة الثانية مع وعد بالابتعاث بعد فترة قصيرة. لكن الرجل رفض كل تلك العروض وفضّـل عليها الالتحاق بجامعة الرياض (جامعة الملك سعود) كمدرس في قسم العلوم السياسية بكلية التجارة على المرتبة الرابعة، بل بدأ العمل في هذا القسم بدون مكتب، وبدون طاولة، حيث كانت السنة الدراسية قد بدأتْ وكان المكان صغيرا والمكاتب مكتظة. وفي إعتقادي المتواضع أنّ تفضيل القصيبي للعمل في الرياض جاء من قناعته بأنّ المجد والإرتقاء إلى المناصب العليا لن يتحقق إلا بالتواجد في العاصمة، وأنّ خلاف ذلك أي القبول بوظائف في مدن الأطراف لن يحقق لصاحبه شيئا إلا بحدوث معجزة.
لخـّص القصيبي (الصفحة 52 من المصدر السابق) أسلوب تدريسه في الجامعة بالكلمات التالية «لا يمكن للمادة أنْ تكون مفيدة ما لم تكن مشوّقة، ولايمكن أنْ تكون مشوّقة ما لم تكن مبسطة، ولايمكن أنْ تكون مفيدة ومشوّقة ومبسطة ما لم يبذل المدرس أضعاف الجهد الذي يبذله الطالب». ويضيف» كنتُ أقول للطلبة في المحاضرة الأولى إنّ رسوب أي منهم يعني فشلي في تدريس المادة قبل أنْ يعني فشله في استيعابها. كنتُ أقضي وقتا طويلا في التحضير: ثلاث ساعات من القراءة لكل ساعة في الفصل. لا يمكن لمدرس أنْ يـُعـدّ محاضرة مشوّقة إذا اكتفى بقراءة كتاب واحد. سرعان ما يكتشف الطلبة الفرق بين محاضر حقيقي يشد انتباههم وبين محاضر يردد كالببغاء ما يجدونه في الكتاب المقرر».
وقد شهد على ما سبق أحد طلبته النجباء ألا وهو المفكر السعودي المعروف الدكتور تركي الحمد، وذلك من خلال الإشارة إليه باسم الدكتور محارب الخيزراني في الصفحة 27 من القسم الثاني الموسوم بـ «الشميسي» من ثلاثيته الروائية «أطياف الأزقة المهجورة»، حيث كتب: «أما المحاضرة الثالثة فكانت في مادة «مباديء علم السياسة» للدكتور محارب الخيزراني، الذي كان لافتا للنظر من أول وهلة. فقد كان طويل القامة جدا، ضخم الجثة، رقيق الصوت، متدفق الكلمات التي كانت تخرج من فيه بسرعة وتناسق آسرين. وفوق كل ذلك، كان دائم الابتسام وإلقاء النكات التي ترطب الجو بين الحين والآخر، بلهجة خليجية كانت مثار تعليقات بعض الطلاب. ومما زاد من تعلقهم به، أنه لم يطلب منهم أية مراجع، بل كان يقول إنّ منْ يحضر المحاضرات ويستمع جيدا، كان ذلك كافيا. لقد كانت محاضراته، رغم دسامتها، أشبه بالحكايات والسواليف مما جعل مادة السياسة الأكثر شعبية بين الطلاب».
والمؤكد أنّ الفترة التي قضاها القصيبي كأكاديمي في جامعة الرياض في الستينات كانت فترة خصبة علمته الكثير. ففي تلك الفترة كانت العلاقات السعودية ـ المصرية مضطربة، وبالتالي كان الحصول على أساتذة مصريين للتدريس في الجامعة السعودية أمرا صعبا، الأمر الذي فرض عليه تولي تدريس مواد لم يكن ملما بها مثل مادة «الإدارة العامة»، إلى جانب تدريس مادتي «مباديء القانون» و»مباديء السياسة». لقد حاول الرجل طيلة فترة عطلته الصيفية الأولى التي قضاها في لبنان أنْ يعلم نفسه مادة «الإدارة العامة» من خلال التردد اليومي على مكتبة  جامعة بيروت الأمريكية والقراءة المكثفة فيها باللغتين العربية والانجليزية. ويصف ما قام به بالقول: «كان المجهود الذي قمتُ به في ذلك الصيف أضعاف الجهد المطلوب لإعداد رسالة الماجستير. وهكذا وجدتُ نفسي ملما، رغما عني!، بمباديء التنظيم والتخطيط والتمويل والعلاقات الانسانية والتفويض والمركزية واللامركزية وبقية المباديء التي يعرفها كل دارسي الإدارة العامة».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها