النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

الكفر بما هو مؤسسي..

الانعزالية .. الزهد في الجماعة و«صناعة الرغبات»

رابط مختصر
العدد 9607 الأربعاء 29 يوليو 2015 الموافق 13 شوال 1436

عندما تتحدث اليوم إلى بعض من المبدعين عن «الثقافة الجماعية» عن «الجهد الثقافي الجماعي» عن «المؤسسات الثقافية الجماعية» وعن «الجمعيات « يؤكدون لك فيما يشبه المرارة، وفيما يشبه القطع بأنهم «قطعوا» علاقتهم بكل هو جماعي، وأنهم يعملون في سياق «الفردية» المطلقة، بما أن الإبداع حسب تعريفهم «مشروع فردي» وانه «لا فائدة تقريباً في كل ما هو جماعي وجمعي واجتماعي.. « وان الحل الوحيد المتبقي هو « الانتصار للفردية والانحياز للذات» وان طوق النجاة الوحيد المتبقي هو أقرب إلى نوع من التصوف  و»الزهد» في الجماعة.
هذه ظاهرة تستحق التفكير وتحتاج إلى تحليل للإجابة عن سؤال مؤلم وهو: لماذا يكفر هؤلاء المبدعون المتميزون بالفعل الجماعي وبالوعي الجماعي وبالعمل الجماعي..؟
 وباختصار: لماذا يكفر هؤلاء أيضا بالعمل المؤسسي، مع أنهم كانوا من أوائل المؤسسين لكل ما هو مؤسسة ثقافية في هذا البلد؟
وقبل أن يتصدى الباحثون للإجابة عن هكذا سؤال علينا أن نقر بأننا عندما خسرنا مناخ الحوار الحر والقبول بالنقد ومبادئ التواضع الجميل، خسرنا عقلنا الجماعي وفعلنا الجماعي الحي والمهم والضروري للتقدم الثقافي والإبداعي،  ولذلك ورطنا أنفسنا في ثقافة فردية، لا تعاني من غياب المبدعين الأفراد، بل تعاني من غياب وسيلة للتفاهم فيما بينهم في مجتمع شبه أخرس، لا يتكلم لغة مشتركة ولا تكاد تجمعه إرادة واحدة بسبب تشتت الإرادات وغلبة النرجسيات.
ولا غرابة والحال هذه أن يتراجع العمل الثقافي الجماعي وتحل محله الآراء النظرية الفردية الكثيفة الفضفاضة والمطاطة التي لا تهدف إلى الوصول إلى التاريخ بل كل ما يهمها من النقاش هو «النقاش في حد ذاته». الأشد مرارة  من ذلك أن  العديد من المثقفين يعيشون انفصاماً بين مكبلات واقعهم وطاقة الدفع الكامنة في وجودهم التاريخي، من هنا تجيء  المفارقات المدهشة: محافظ يتحدث عن التغيير بالعقلية السائدة، وهو لم يحل بعد إشكالية ارتباطه بصيغ وحساسيات موروثة تكبلها في العمق رواسب و قيم لا يجوز تجاوزها باسم الهوية والتراث.. ومثقف آخر يهذي بالحرية وهو يبشر أو يكرر أو يبرر انتسابه للأجهزة الثقافية التي أنتجته ..

نظام استعباد
تحاول الدعاية التجارية وغير التجارية  التي تغرقنا كل يوم في حبائلها التأثير فينا وفي أولادنا بشكل عنيف ومستفز، يحفر في النفوس والعقول والوجدان أخاديد عميقة، هذه الدعاية التي تعدنا وتعدهم دائماً للأمور نفسها: الثراء، الربح، النجاح، الصحة، الرفاهية ، الشباب، والراحة والفاعلية والسعادة ،  فهي تلوح لنا بوعد  الثروة والاكتفاء  والغنى،  تبيع لنا الحلم وتقترح مختصرات رمزية في اتجاه الصعود الاجتماعي السريع وتحقيق المعجزات،  وبذلك  تقدم  لنا عالماً من الراحة الدائمة  المليئة  بالانشراح واللامبالاة، والسكينة، وترسم لنا صورا وردية تقربنا من متخيل صورة الجنة : (انهار عذبة وخضرة دائمة وصحة وسعادة وجمال وأناس سعداء يملكون المنتج العجائبي الذي سيجعلهم جميلين وأحراراً وأصحاء: يمتلكون السيارات الفارهة والقصور العالية والجنان الخضراء والخدم والحشم...
إن هذه الدعاية تبيع كل شيء  للجميع وبالتساوي، بما في ذلك بيع  الوهم  لفقراء الضواحي والأرياف النائية من الفلاحين والعاطلين والمهمشين، من  دون تمييز كأن المجتمع الاستهلاكي الجديد مجتمع من دون طبقات، من دون فقر وحرمان وتهميش، فيحين ان العالم الجديد بات  يثير القلق بما يستحضره التلفزيون أمام الجميع كل يوم من مشاهد الحروب والصراعات والحرائق والزلازل والمجاعات، وبين ثنايا تلك الصور  تلوح الدعاية لعالم مثالي خال من الماسي والحرمان، عالم براءة وابتسام وأنوار، عالم  من التفاؤل والجنة المفتوحة بالمجان أمام الجميع.
وبحكم تأثير هذه الدعاية التي تنسل بين فقرات الأفلام والأغاني والنشرات والصفحات من خلال الوسيلة المسماة «الصورة شبه الواعية» تجعل الدعاية غير محسوسة ، من خلال إدراج صورة غريبة بين الصور التي تبثها آلة العرض لتراها العين  ويأخذ الدماغ بها علما وهو تحت عتبة الإدراك، لتتغلغل الصورة وتفعل فعل المخدر في المتلقي.
إن التلاعب بأفكار الناس من خلال (صناعة الرغبات) يعمل على سلب الناس وعيهم وبناء عالم بديل من الأوهام والاغتراب، يعتبر عصر الإعلان والصورة أول نظام استعباد للإنسان تعجز الحرية عن مواجهته، لأنه يراهن على الحرية نفسها ويستخدمها في إطار اكبر نظام لفبركة الأحلام والخدع وبيع الأحلام والأوهام في كثير من الأحيان..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها