النسخة الورقية
العدد 11148 الخميس 17 أكتوبر 2019 الموافق 17 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:18AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:41PM
  • المغرب
    5:08PM
  • العشاء
    6:38PM

كتاب الايام

مطارحات

قبول الديمقراطية شكلاً­ ورفضها مضموناً­

رابط مختصر
العدد 9605 الإثنين 27 يوليو 2015 الموافق 11 شوال 1436

أوجد سقوط بعض الأنظمة ضمن موجة ما سمي بالربيع العربي حالة من الفراغ السياسي تم ملؤه فورا بجماعات وتيارات الإسلام السياسي بتنويعاتها المختلفة، لأنها تكاد تكون القوة الأكثر تنظيما أمكن تعبئة جمهورها في فترة قصيرة واستخراجه من تحت الأرض وتم الدفع بها لملء الفراغ، دون امتلاكها أي قدر من الكفاءة في إدارة دواليب الدولة.ونتيجة وجود طبقة سياسية غير مهيأة للحكم وغير ناضجة فكريا وسياسيا، سقطت في تجربة التحول من مجتمع التسلط إلى مجتمع الحرية والديمقراطية. وهذا ما ميز الحالة التي انتهت بفشل ذريع في مصر وفي ليبيا، وبنصف فشل في تونس.
إلا ان تجربة الإسلام السياسي القصيرة والفاشلة قد رافق وصولها إلى الحكم مؤقتا في أكثر من بلد عربي، حالة انهيار لبنية الدولة العربية التي كانت الأنظمة السابقة تشد بقاياها، بما أتاح انطلاق جماعات الإرهاب والعنف والتطرف بكل أشكالها من عقالها، لتحتل الساحات وتعمق الانقسام الاجتماعي وتزعزع الاقتصاد الوطني بقيادة سياسيين فقراء في الفكر والتجربة والمعرفة والقدرة.
وقد كان واضحا أن تيارات الإسلام السياسي المستعجلة للسيطرة على المجتمع وعلى مقدرات الدولة كانت مشغولة بتصفية الحسابات الأيديولوجية والصراع على السلطة بالرغم من عدم تجانس الرؤية والفكر والخيارات،لأنها تضم جماعات تسعى لتغيير المجتمعات عن طريق ادعاء اشتقاق أفكارها وبرامجها من الإسلام، من خلال تحويل إطار المرجعية في الحياة العامة إلى مرجعية يكون فيها الإسلام، بتفسيراته المختلفة، قوة رئيسية في تشكيل هذه الحياة، ولكن عندما يُسأل هؤلاء عن الأنموذج الذي يريدون احتذاءه فان اغلب هؤلاء يحيلون إلى مرجعية عامة غير محددة  بالإحالة على شعار (الإسلام هو الحل).
أثير مؤخرا وفي أكثر من مناسبة ضرورة مراجعة قانون الجمعيات السياسية وعبر الصحافة المحلية ومن خلال المرئيات التي تم رفعها إلى مائدة الحوار، بل إن بعض الدعوات وصلت إلى حد المطالبة بحل جميع الجمعيات المبنية على أسس دينية او طائفية، وإعادة الترخيص وفقا لمبادئ مدنية واضحة ودقيقة مع إلزام الجمعيات المرخص لها بالسير وفقا للمنطق المدني..
وقد سبق أن أثرنا مثل هذه الإشكالية في أكثر من مناسبة، خاصة بعدما بينت الأحداث والتجربة القاسية التي عاشتها البحرين خلال السنوات الماضية أن الجمعيات السياسية المبنية على أسس دينية – طائفية صريحة وواضحة بمرجعيات طائفية من خارج السياق الوطني ومن خارج الهوية العربية،  قد أسهمت بشكل مباشر في تكريس الطائفية بكل مخاطرها بالرغم من كونها تستند في بنيتها الفكرية والسياسية إلى ما بات يسمى بالإسلام السياسي الذي يدور في مجمله حول شعار «الإسلام هو الحل» كل بحسب قراءته للإسلام ويقوم على أساس استخدام الديمقراطية كمجرد شكل للوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع دون الأخذ بقيمها ومنتجها الفكري، مع العمل في ذات الوقت على إحلال خطاب إيديولوجي ينتهي بتغييب هذه الديمقراطية في النهاية،وإعادة كل شيء إلى المرجعية الدينية في كل صغيرة وكبيرة، بما يجعل التمثيل الديمقراطي للإرادة الشعبية مفرغا من التجسيم العملي لها، وتعويضها بإرادة الفقهاء، وقد يتجاوز ذلك إلى فبركة نوع من الديمقراطية (الشمولية) على النحو الموجود في إيران على سبيل المثال، بحيث يكون التمثيل الانتخابي من لون واحد( أو من تلوينات متقاربة)تذكرنا بتجارب نظم الحزب الواحد الذي يدعى دوما بأنه يمثل روح الشعب، وقلب الشعب النابض، وهو في الحقيقة الحزب الذي يلغي الشعب وإرادته. إن مثل هذا المشروع يجمع بين قبول بالرأسمالية في مجال الاقتصاد وبين ما يسمى اختصارا بالخصوصية الثقافية في المجالات الأخرى، بما يعني في النهاية رفض القيم التي أنتجتها الرأسمالية من ضمان حرية الفرد والمجتمع وغيرها من القيم اللصيقة بالديمقراطية في مفهومها الغربي.
ولعل من أكبر الأخطاء التي تقع فيها القوى الديمقراطية بكافة تشكيلاتها وتياراتها هي أنها لا ترى مانعا من التحالف مع القوى الدينية- في حين كانت في وقت سابق تعتبرها من القوى المعطلة للتقدم والمكرسة للمحافظة في السياسة والمجتمع والاقتصاد والثقافة..بل إن حتى التعويل على ما يسمى بالاتجاه المعتدل في الإسلام السياسي الإصلاحي يبدو غير واقعي إلا من خلال ضعف القوى الديمقراطية التي تحاول ان تستفيد من شعبية التيارات الدينية في محاولة يائسة للبحث عن موطئ قدم سياسي بين أوساط هذه الجماهير، وليس استنادا إلى قراءة واقعية وصادقة للمشتركات السياسية مع هذه التيارات، حيث إن هذه الأخيرة  (بغض النظر عن توجهها الطائفي)تحمل نفس الإيديولوجية القائمة على إلغاء جوهر الديمقراطية وإقامة نظام شمولي باسم الدين مع عدم الممانعة في وجود انفتاح اقتصادي، وذلك بعكس المشروع الوطني الديمقراطي- وهو المشروع المستقبلي المنشود والواقعي- والذي يقوم على أساس تجاوز تناقضات منطق الرأسمالية بالأخذ بالديمقراطية بكافة متطلباتها من حرية وعدالة وشفافية..
همس
ثمة من السياسيين و المثقفين من  يحاول تبرير الحاجة الى العامل الخارجي على أساس (انه من الصعب على حكومات وشعوب العالم الثالث إنجاز تطور ديمقراطي حقيقي وسريع من دون وجود دور أساسي للعامل الخارجي، بحيث تسهم المساندة من الدول الديمقراطية الصديقة في نشر الديمقراطية وترسيخ احترام حقوق الإنسان وإرساء قيم التسامح السياسي والثقافي وقبول الآخر وتمكين المرأة.... بما يدفع ويحفز على تحقيق التطور في هذا الاتجاه نحو الأمام، من خلال تقديم المشورة والمساندة للأنظمة الحاكمة والشعوب ومنظمات المجتمع المدني الطامحة لبلوغ تلك المقاصد..)، إلى آخر هذه الاسطوانة المكررة ..
 ولكن هذا النوع من المساهمة التي يطالب بها البعض تأتي في الحقيقة في سياق غير مجرد من الأطماع والضغوط والمقاصد الاستعمارية والهيمنية، ولذلك من الواضح ان الذين يلجأون إلى الاستنجاد بالخارج واستحضاره، يستهدفون فقط جعله طرفا او عاملا حاسما في حسم الصراعات السياسية المحلية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها