النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11183 الخميس 21 نوفمبر 2019 الموافق 24 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:38AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

نستولوجيا: خواطر بمناسبة العيد

رابط مختصر
العدد 9600 الأربعاء 22 يوليو 2015 الموافق 6 شوال 1436

وأنا أهم بكتابة شيء مما تختزنه الذاكرة في شكل خواطر بمناسبة عيد الفطر الجميل المليء بالفرح، اسمحوا لي بداية أن أفصح لكم بأنني لا أعير اهتماما لما تعد له في مثل هذه الأيام الجماعات المؤزمة، والتي توصف في النهاية بأنها جماعات مذهبية طائفية إرهابية؛ ذلك أن مسعاها لإلحاق الأذى بالمجتمع البحريني لا ينقطع، وكل شيء منها وارد الحدوث بحسب ما علمتنا تجربة السنوات الماضية منذ 2011. غير أن عشمنا معقود دائما في كفاءة قوات أمننا الأشاوس الكرام وقدراتهم على التصدي لهم ولكل من تسول له نفسه المساس بأمن البحرين الوطني. ولعله من المناسب هنا أن نزف أسمى آيات التهاني والتبريك بالعيد المجيد إلى أولئك الرجال الأفذاذ فردا فردا وعلى رأسهم وزير الداخلية الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة الذي لا يألو جهدا إلا ووظفه سهرا على أمننا وفرحنا في جميع مناسباتنا الدينية والوطنية.
من طبيعة الزمن أنه متحرك، ولهذا فإنه يمضي من دون وعد بالعودة، ولكن مناسبات الأعياد التي يحملها تأبى أن تغادرك قبل أن تترك فيك بعضا من عبقها وتثير من حولك أريجها، وتدخلك مرغما في «حبس» تفاصيل يومياتها التي ستكون دفترا زاخرا بالذكريات الجميلة تتصفح أوراقه كلما لامس قلبك حنين شفيف إلى الماضي وتفاعل ناسه الطيبين مع معطيات واقعهم في مختلف مواقعهم في السلم الطبقي أو الخريطة الاجتماعية.
لعيد الفطر في ذاكرة كل منا رائحته الخاصة مثلما للزهور شذاها، فالعيد مناسبة لبعث السعادة والفرح وإشاعة البسمة على محيا الصغار والكبار، النساء والرجال، تأتي محمولة على كتف الزمن؛ لترتمي في حضن الإنسان وتدعوه بأن يستغلها في تغيير مزاجه، كما تدعوه إلى تأمل علاقاته مع محيطه ومع الآخرين وتقييمها. وما أحوجنا نحن البحرينيين اليوم للقيام بعملية التأمل والتقييم بأمل الرسو على شواطئ الأمن والاستقرار. فدعونا نحتفل ونتأمل ونقيم، فنحن شعب عاقل يحب الحياة ولا يلين ولا ينكسر.
القول بأن العيد طفولة يوازي القول بأن الطفولة عيد، وهذا هو الصوت الأول من الذكرى التي تنجلي مع قدوم العيد. إن باستطاعة الإنسان أن يستعيد طفولته في العيد ومعها ويستدعي تفاصيل ذكرياته، ويستجلب معها وجوه البشر والأماكن والروائح التي تزامنت معه ويستعرض كل الصور والمواقف التي تسبق العيد وخصوصا تلك التي تتصل بالاستعدادات المبكرة له. ولكن هذا ليس الهدف المقصود، ولعل الأيام تتيح لنا فرصة للكتابة عنها. فما هذه الاستعدادات؟
المال والجهد هما العدة والعتاد اللذان يبديهما الأبوان بشغف وفرح وحبور، فالأم بالخصوص تسعد ببدء التحضير للعيد بكرم وأريحية وتحمل تبعاته والتهيئة له وتنهك في تحضيراته حتى تفيق على حقيقة أنها نسيت ذاتها من فرط الانشغال في تحضير احتياجات أبنائها. أطال الله أعمار الأمهات اللاتي يحتفلن معنا بهذا العيد، وتغمد بواسع رحمته من غادر منهن دنيانا إلى دار الخلود.
ولأن العيد فرحة طفولة لامتناهية كان الأطفال في نهاية المطاف، وعلى عكس ما هو حاصل اليوم، يستسلمون بعد نوبة من البكاء والنحيب الفاجع إلى قرارات آبائهم في اختيار اللباس الجديد الذي يرونه مناسبا لهم. ولا يعتقدنّ أحد أن سبب هذا البكاء والنحيب بخل آبائنا رحمة الله عليهم جميعا وإنما ناتج عن ضيق ذات اليد، والتي من آثارها اليوم أن الآباء والأمهات يضعون كل ما يملكون من مال تحت طلب أبنائهم. ومن الصور المحفورة في الذاكرة تقاطر الآباء مصطحبين معهم فلذات أكبادهم إلى أماكن الحلاقة غير الموجودة في القرى عموما، ومحدودة العدد في المدن. ومن الملاحظ آنذاك أن الطفل حتى سن الرابعة عشر أو الخامسة عشر ويمكن أكثر، يذهب بمعية والده ليجري الحلاقة، فترى «دكان» الحلاقة ممتلئا عن بكرة أبيه. ما يحدث بالنسبة إلينا أهالي قلالي هو أننا نذهب من قلالي إلى المحرق للحلاقة، ونعود من دون أن نجريها بسبب ازدحام «دكان» الحلاق. مما كان يشكل قلقا للأم يخفي ملامح فرحتها إلى حين. هل يجوز أن يحل العيد وابنها أو أبناؤها بدون حلاقة؟!
أما البنات فإن تحضيراتهن تسبق بكثير تحضيرات الأولاد، كما هو الأمر الآن، فهن، في مظهر واحد من مظاهر الاستعداد التي أذكر، يستكن منذ وقت مبكر إلى حرارة الجمر، إذا ما تزامن العيد مع فصل الشتاء، فهو يبعث بحرارته إلى كفوفهن وأقدامهن ليسهم في الإسراع بتجفيف الحناء التي ستكون نقشتها مصدر فرح وحبور لقلوبهن، أكرر إنه بإمكان الإنسان أن يستعيد طفولته في العيد، ولكن هيهات أن يستعيد فرح العيد وهو قد غادر طفولته. ويمكن لهذا السبب نلجأ إلى طرق باب الذكرى لااستحضار بعضا من المشاهد.
وعطفا على إحساسي الشخصي يبقى العيد حالة من الحنين إلى الماضي (نوستالوجيا) ليس من اليقين الإمساك ببهجة لحظتها إذا لم تسارع إلى هتك أستار الماضي واستحضار طفولتك من خلفها. وإذا ما ساءلت ذاكرتي عن حجم الفرحة بالعيد قبل خمسين عاما فإنها ستشير إلى حضور فن الطرب والغناء بوصفه أكثر الفنون تجسيدا لحالات السعادة والحبور بالأعياد، وتعبيرا عن اللحظة حتى لا تفلت من دون تسجيل حضور لها في ذاكرة المحتفلين.
إن فنون ذلك الزمن لمعبرة عن المناسبات المفرحة، ففي أيام الأعياد الوطنية والدينية على حد سواء تنتشر الفرق الفنية على اختلاف أنواعها، لقد كانت الفنون الشعبية مثل: العرضة (الرزيف) وبعض فنون الغوص والليوة والطنبورة وكذلك المراداة التي ضيعها عدم الاهتمام بالتراث فباتت مفردة لا معنى لها بدءا من جيل السبعينيات فصعودا كانت هي التعبير الأمثل عن بحرين التسامح والتحاب والتراحم، وكانت هذه الروابط الوجدانية والفكرية والاجتماعية كلها مجسدة فيما كان يجري من طقوس ومراسم احتفالية لا تخلو البتة من الرقص والطرب والانتشاء دون حرج ولا خوف.
تقام هذه الفعاليات التي ابتدعتها الذاكرة الجمعية على امتداد نهارات المناسبة الدينية أو الوطنية؛ لتكسر الروتين وتثري حياة الناس بمزيد من فرص البهجة، كل هذا فضلا عن الحفلات الليلية التي يحييها المطربون البحرينيون والعرب، وبالرغم من ذلك فقد ارتحل آباؤنا إلى البارئ عز وجل بعد عطاء للوطن حافل بالمنجزات وهم كلهم إيمان وخشوع ووطنية.
بإمكان الإنسان أن يستطرد في استدعاء الذكريات ويفتش عن التفاصيل الجميلة التي غاب حضورها في المشهد الاجتماعي؛ لكن هذا لم يكن من دوافع الكتابة في هذا الموضوع، فحسبي أن يكون دافعي هنا هو التوقف عند مساحة الفرح التي كنا ننعم بها رغم شظف عيش أبناء جيلي فنزولا، لكن وللتذكير فحسب أقول إن مساحة كبيرة من الحرية قد اقتطعت واقتلعت الآن من المشهد الاجتماعي، فلا سامح الله من تسبب فيها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها

رأيك يهمنا