النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

النفخ في قربة مقطوعة (2ـ2)

الرؤى المغلقة تنتج خطابات مغلقة

رابط مختصر
العدد 9600 الأربعاء 22 يوليو 2015 الموافق 6 شوال 1436

استكمالا للنقاش الذي بدأناه في المقال السابق حول المراجعات المطلوبة من المعارضة كمقدمة لإعادة إطلاق أي حوار سياسي حقيقي يخرج البلد من حالة الجمود الحالية، وردا على القول بان على السلطة أيضا ان تنجز مراجعة جدية للموقف العام، خصوصا في ظل الأزمات المتفجرة في الإقليم، وخصوصا اليمن، نرى أن المراجعة مطلوبة من الجميع: معارضة وسلطة وغيرهما من مكونات المجتمع السياسي الأخرى، لأنه فعل تاريخي وعقلاني نحتاج إليه في أوضاعنا العادية فما بالك في أوقات الأزمات، إلا أننا نرى أن السلطة قد خطت خطوات مهمة للمساعدة على الوصول إلى نوع من الحل يضمن قدرا من الاستقرار ويعزز الشرعية السياسية في ذات الوقت، ولكي يصبح هذا التحرك فعالا ومشجعا على المضي قدما في اتجاه اتخاذ المزيد من الإجراءات الانفتاحية، لابد أن نلمس من المعارضة جهدا يبذل على صعيد المساعدة على هذا الصعيد، لا أن تقف عند محطة مطالبها النهائية غير قابلة للنقاش بما في ذلك التمسك بوثيقة المنامة بديلا عن ميثاق العمل الوطني.
فمن الواضح عملياً أن المطلب الثابت للمعارضة يدور حول ضرورة تغيير النظام “وفقاً للقدر المشترك الذي يجمعها في وثيقة المنامة” ويبدأ الخلاف بعد ذلك حول التكتيكات، بين من يرى ضرورة مواصلة “النضال” إلى آخر رمق لتحقيق أهداف «الثورة»، وبين من يرى القبول بالمرحلية في تحقيق نفس الهدف، من خلال تجريد النظام من العديد من سلطاته، بما يتيح تغييره في مرحلة لاحقة بسهولة أكبر، وتتم ترجمة ذلك من خلال المطالبة بسلطة تشريعية كاملة بعد تعديل الدوائر وفقا لمنظور المعارضة، وتحويل مجلس الشورى إلى مجلس استشاري، ثم تشكيل السلطة التنفيذية بناء على نتائج الانتخابات، ولعل هذا التكتيك هو ما يجعل السلطة لا تثق كثيراً بأطروحات المعارضة، فبقدر ما هي راغبة بالفعل في الإصلاح “لأنه في مصلحتها وفي مصلحة المجتمع ومصلحة الاستقرار والنماء” فإنها ترى ضرورة أن تسير الأمور وفق منطق تدريجي وتوافقي يراعي مصلحة الجميع، أي بإدخال بقية مكونات المجتمع السياسي والمدني في المعادلة بما يمنع تغول المعارضة، ويدفعها واقعياً نحو الحل الوسط السياسي المنشود.
إن المشكلة الحقيقية تتمثل في الأنساق السياسية المغلقة التي لا يمكن أن تنتج إلا العداوة المطلقة، والرفض المطلق، مع غياب أي مساحة للاختيار، مع أن الاختيار من أهم صور الحرية والمعقولية والنسبية، ولذلك يتوجب أن يتحرك الجميع من مواقع إقدامهم للوصول إلى الوسط إلى المعقول والنسبي والتوافقي، ومنطقة الوسط لا بد أن يكون لها ميزان أو بوصلة جامعة وميثاق العمل الوطني إلى حد اللحظة هو الوحيد الجامع والمشروع.
المشكلة إذن هي في هذه الخطابات المغلقة التي تنظر إلى السياسة على أنها حرب تحكمها قاعدة الولاء والعداوة، فالمعارضة لا ترى في السلطة سوى «شر» كلها، بما يساعد على بقاء الوضع كما هو عليه. كما إن القول بأن السلطة جميعها خير لا يختلف كثيرا من حيث المآل عن القول بأنها شر كلها، فخطاب المولاة المطلقة لا يرى حاجة إلى إصلاح، وخطاب المعارضة لا يرى شيئاً يحتاج إلى إصلاح. هذه الخطابات العدمية تمنع اليوم التقدم نحو طي ملف الأزمة نهائيا، ويعطل استعادة الوحدة الوطنية والسلم الأهلي، والإبقاء على المجال السياسي في حالة تشظ، بما يخلق بيئة لتوالد وتناسل العنف.
جوهرياً لا يوجد خلاف كبير حول الأهداف السياسية المستقبلية، الخلاف هو حول التوقيت والمدى والخطوات المطلوبة في المرحلة الحالية وفي المرحلة المستقبلية، وباختصار حول بناء الثقة، ولذلك نعتقد أنه يجب أن تبدأ المرحلة الجديدة بإعادة تأهيل المعارضة من خلال العمل على دمجها مجدداً ضمن الحراك السياسي الواقعي الإصلاحي وتشجيعها على الدخول في حوار الحل الوسط السياسي “الحقيقي” الذي يعني القبول بحلول مرحلية متوازنة وتوافقية تراعي مصالح الجميع، ضمن أجندة زمنية واضحة، ولن يتم ذلك إلا عبر الحوار المنشود، الذي لا يمكن أن يبدأ في ظل استمرار العنف والفوضى والتعدي على القانون.
وفي ضوء ما سقناه في المقالتين حول هذا الموضوع نعتقد مخلصين أن الصدق في القول والإخلاص في العمل السياسي أمر جوهري لبقاء السلطة ولبقاء المعارضة، يمكن القول إن وحدة قوى المعارضة ومن ثم وحدة السلطة والمعارضة شرطان ضروريان لإصلاح الأوضاع القائمة وتجاوزها ولاسيما على صعد الاقتصاد والثقافة والتربية والسياسة.
فقد بات واضحا أن الجميع في حاجة إلى المراجعة، لأن مصدر قوة الجميع ومشروعية وجودهم قد بات في خطر، نعني بذلك الوطن وعندما يصبح الوطن في خطر يجب التضحية بكل شيء من اجل الحفاظ عليه..
لقد أصبح واضحا لكل عاقل تهمه مصلحة البلد أن الأمور لن تستقيم دون تطبيع للحياة السياسية بكافة أبعادها، ولن يحدث ذلك قبل المراجعة والتقييم والمحاسبة واستخلاص الدروس مما حدث، وهذا الأمر يحتاج إلى فضاءات مفتوحة من الحوار العام، ولا نقصد فقط الحوار بمعناه السياسي الضيق، بل الحوار الوطني الذي يستوعب كافة الأصوات الوطنية التي تؤمن بالحل السياسي التوافقي وبرفض العنف. وهذا يستدعي اتخاذ قرارات جريئة، وخطوات لتطبيع العلاقة، بما يعني التوقف عن الأعمال والأفعال والأقوال غير المنضبطة وغير المقيدة بالقانون وإخراج الخارج من اللعبة السياسية المحلية، التي يجب أن تبنى قواعدها وشروطها على أساس المصلحة الوطنية، دون غيرها، والتمسك بأسس التعايش الوطني.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها