النسخة الورقية
العدد 11000 الأربعاء 22 مايو 2019 الموافق 17 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

سعود الفيصل ملك الدبلوماسية الخليجية

رابط مختصر
العدد 9597 الاحد 19 يوليو 2015 الموافق 3 شوال 1436

حتى وإن لم يتبوأ كرسي الملك إلا أنه حقاً نال وسام (ملك الدبلوماسية الخليجية)، فقاد دول مجلس التعاون الخليجي من خلال دبلوماسيته الهادئة والرزينة إلى مكانة عالية من العلاقات الدولية، بل كان الرقم الأول في تعزيز مكانة دول المنطقة في المجتمع الدولي، فهو ذات تأثير قوي في القرارات الدولية من خلال تحركاته الدبلوماسية المدروسة، وما دعوة الرئيس الأمريكي باراك أوباما لدول مجلس التعاون للحوار حول البرنامج النووي الإيراني إلا إحدى ثمار تلك الدبلوماسية التي تمتع بها الراحل الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية السابق.
فالأمير سعود الفيصل الذي رحل عن الدنيا قبل أيام في ولاية لوس أنجلوس الأمريكية وتمت مواراة جثمانه الثرى بجوار بيت الله الحرام بمكة المكرمة قد ترك أرثاً كبيراً في العمل الدبلوماسي، وعزز بدوره الفاعل الدبلوماسية الخليجية لدى دول العالم، فقد جاءت تحركاته ومواقفه وكلماته قوية وصارمة ومؤثرة.
إن غياب الأمير سعود الفيصل عن الساحة السياسية بسبب المرض ثم رحيله تعد خسارة للعالم، فقد عرف عنه هدوءه وعمله المتواصل بصمت، بل أنه من دعاة السلام والحوار وحسن الجوار، فرحيله خسارة للدول العربية التي كانت تعول كثيراً على تحركاته لمناصرة قضاياها، فقد كانت العروبة تسري في دمه، فأكثر من أربعين عاماً وهو في السلك الدبلوماسي، وقد عاصر الأحداث المهمة بالمنطقة مثل الحرب الأهلية اللبنانية وساهم في وضع الخطوط الرئيسية لاتفاق الطائف الذي حقن الدماء اللبنانية، وحرب الخليج الأولى بين العراق وإيران وكان صمام أمان لعدم انتشار الحرب بالمنطقة وإيقافها، وساهم في إخراج القوات العراقية الغازية من دولة الكويت عام 1990م، وأوقف الصراع بين الإخوة الفلسطينيين (فتح وحماس) حين ساهم في اجتماع مكة المكرمة، وقدم الحل للقضية السورية التي اختصرها بالقول: بأنه لا مخرج إلا بخروج المحتل الإيراني!، فمواقفه كانت صارمة وحازمة في كل القضايا، وما ذلك إلا للدبلوماسية التي تمكن منها وتمكنت منه حتى أتقن من أجلها سبع لغات فأصبح مدرسة خاصة عرفت بمدرسة سعود الفيصل!.
على الرغم من هدوئه وصمته في الكثير من المواقف إلا أن كان يخفي وراءه بركاناً من الحماس والعطاء المتواصل للقضايا العربية، وقد تحمل الملفات العربية التي تخلت عنها بعض الدول بسبب ما يعرف بالربيع العربي!، بل إن غياب بعض الدول عن الساحة السياسية جعله صارماً وحازماً إلى درجة أنه عد من ضمن صقور السياسة الخارجية.
لقد عاش الأمير سعود الفيصل أصعب المراحل التاريخية التي شهدتها المنطقة العربية، ومنها أحداث منطقة الخليج العربي، فسجله حافل بالأحداث والمواقف ومن تلك المواقف موقفه من الأحداث التي شهدتها البحرين عام 2011م والتي تعرضت للمحاولة الانقلابية المدعومة من إيران وحزب الله اللبناني وبعض المليشيات العراقية الطائفية، فقد وقف الراحل مع شعب البحرين العروبي للدفاع عن سيادته وأمنه واستقراره حتى قال مقولته المشهورة التي يحفظها أبناء البحرين عن ظهر قلب: (إن أمن مملكة البحرين جزءا لا يتجزأ من أمن المملكة العربية السعودية)، فأبناء هذا الوطن لا ينسون مواقفه البطولية والشجاعة في وجه المتآمرين على البحرين ومكتسباتها، فكلماته كانت كفيلة ببث الطمأنينة والراحة في نفوس الناس.
لقد ورث من والده الملك فيصل بن عبدالعزيز الهدوء والسكينة وطول البال، وهي صفات السياسي المحنك، لذا تميز بالمناورة السياسية الهادئة في الصراعات والحروب الأهلية، ولديه موهبة كبيرة في الإقناع من خلال أسلوب المحاورة الراقي، بل إنه يستخدم المصطلحات الإعلامية المؤثرة التي تتحول إلى مواد إعلامية يتناولها الكتاب والصحفيين.
لقد رحل الأمير سعود الفيصل بعد أن أمضى عمره في خدمة قضاياه العربية، فقد عاصر خمسة ملوك للسعودية، وهي مرحلة كفيلة بصقله بالخبرات السياسية، فقد حمل في مشواره حقيبة القضايا العربية دون ملل أو كلل، مما جعلته عميد الدبلوماسية السياسية، حتى أنه حين سئل عن صحته وذلك قبل وفاته بأشهر قال: (إن حاله الصحية أشبه بحال الأمة العربية)!.
بل قد آخر خطاب له في قمة شرم الشيخ حين أرسلت روسيا بخطاب مأزوم لخلط الأوراق في اليمن الذي يتعرض لتدخلات إيرانية سافرة، فقد كان خطاباً قوياً حين جاوب خطاب روسيا قائلاً: (أنتم من تسبب في مأساة سوريا).
من هنا فإن الأمة العربية والإسلامية والعالم فقدت مفتاحاً رئيسياً في العلاقات الدبلوماسية، فقد كان رحمه الله رجل دولة لما حمله على عاتقه إلى آخر يوم في حياته حين قال وهو على فراش الموت: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد ورسوله)، رحم الله الفقيد بواسع رحمته وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها