النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

اجتهادات في قضايا الوحدة الوطنية 2/2

رابط مختصر
العدد 9597 الاحد 19 يوليو 2015 الموافق 3 شوال 1436

في إطار الاجتهادات العربية أيضا، الهادفة إلى تحديد مفهوم عصري للوحدة الوطنية، نكتشف الكثير منها في اجتهادات، من بينها ما جاء في كتابات كاظم الموسوي الذي نجح، إلى حد بعيد، في الاقتراب من هذا الهدف، فنجده يؤكد على أن من الصعب أن «تقوم وحدة وطنية راسخة ودائمة وقابلة للنمو والتطور الا باستقلال كل مجال من مجالات الحياة الاجتماعية استقلالاً نسبياً وهو أساس فصل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية. والشرط الضروري لذلك هو استقلال المجال السياسي وعدم طغيانه على المجالات الأخرى وسيطرته عليها، ولا سيما المجالين الاقتصادي المادي والثقافي الروحي، وتنظيمات المجتمع المدني».
ويشاطر الكاتب جمال الدين أبو عامر، في مقالته «الوحدة الوطنية مفاهيم وآليات»، الموسوي، فنجده يؤكد- هو الآخر - على أن «لا الخطابات الأخلاقية الوحدوية ولا الأغاني والاناشيد الوطنية ولا المجال الجغرافي المشترك، ولا الأمجاد المشتركة الباذخة، ولا حتى المشتركات الثقافية والاجتماعية، - كافية مع أهميتها وحيويتها - لبناء وحدة وطنية متينة وصلبة، مالم يتم إسناد تلك العناصر الهامة بمشروع يتم إنجازه برضى الجميع وتوافق الجميع، والذي يؤسس لشراكة حقيقية وفعلية، على أسس المواطنة الكاملة، وصيانة حقوق الإنسان وكرامته، وتكافؤ الفرص الوظيفية والإدارية والسياسية».
وتنطلق الباحثة في كلية العلوم السياسية، بجامعة بغداد عبير سهام مهدي، في مقالتها «مفهوم الوحدة الوطنية وطرق تعزيزها في العراق»، من مقولة أن «الوحدة الوطنية لأي شعب (هي) قاعدة الارتكاز للبناء الحضاري والتقدم والتطور والتنمية في المجالات كافة وبغيابها يفقد الشعب المرتكزات الأساسية لأمنه واستقراره، وقدرته على احتواء الأز مات الناشئة عن الاختلافات العرقية والدينية والطائفية، وعلى هذا الأساس فان قيادات الشعب الوطنية يكون هاجسها الدائم الحفاظ على الوحدة الوطنية، وسد كل الثغرات والمنافذ في جدرانها، لكي لا تنفذ من خلالها رياح الفرقة والتباعد والانقسام أو تكون مداخل لنفوذ الدول الأخرى، والعبث بمقدرات الشعب ومصالحه وخصوصياته».
ولم تنحصر اجتهادات الباحثين العرب في نطاق سعيهم لتحديد مفهوم الوحدة الوطنية في نطاقها السياسي، بل تجاوزوه عندما ربطوا بينها وبين فكرة «المواطنة»، الأمر الذي زاوج بينها وبين الفقه القانوني والاجتماعي أيضا. هذا ما أشارت إليه رقية أشمال، في بحثها الموسوم «تنمية المشاركة... ممارسة للمواطنة الفاعلة»، عندما استعانت بالتعريف الذي ساقه أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية، حسن طارق، للمواطنة، مطابقا بينها وبين مفهوم المشاركة، فقال: «هي إمكانية تدخل المواطن بما هو كائن تاريخي، حقوقي، قيمي، في اقتراح وصناعة القرار. وفي تدبير وتسيير كل من الشأنين المحلي والعام، كما في تقاسم ممارسة السلطة وتداولها والرقابة عليها، وذلك بمساواة في الحقوق والمسؤوليات مع المواطنين الآخرين، رجالا ونساء».
أما الشيماء عبدالسلام إبراهيم، في بحثها المعنون «المواطنة والقيم الأساسية التي ترتبها في المجتمع»، فقد اختارت أن تشخص مفهوم الوحدة الوطنية، في إطار معاصر، يأخذ في عين الاعتبار انعكاسات «الأزمة التي تتعرض لها فكرة الدولة القومية التي مثلت ركيزة الفكر الليبرالي لفترة طويلة، وذلك نتيجة عدة تحولات شهدتها نهاية القرن العشرين، (ومن أهمها):
«تزايد المشكلات العرقية والدينية في أقطار كثيرة من العالم، وتفجر العنف، بل والإبادة الدموية، ليس فقط في بلدان لم تنتشر فيها عقيدة الحداثة من بلدان العالم الثالث، بل أيضا في قلب العالم الغربي أو علي يد قواه الكبرى، (بالإضافة إلى) بروز فكرة العولمة التي تأسست على التوسع الرأسمالي العابر للحدود، وثورة الاتصالات والتكنولوجيا من ناحية، والحاجة لمراجعة المفهوم الذي قام على تصور الحدود الإقليمية للوطن والجماعة السياسية وسيادة الدولة القومية».
لكن الجديد في موضوع الوحدة الوطنية في سياق علاقتها بالمواطنة، أن المسألة لم تعد محصورة في الدولة القومية، بل تجاوزتها، إلى فضاء المواطنة الكونية الفاعلة. هذا ما تتناوله ترجمة دراسة «مسودة إطار عمل لمؤشرات المواطنة الفاعلة» التي أعدها بريوني هوسكينز، من مركز أبحاث التعليم المستمر -الإدارة العامة لمركز الأبحاث المشترك بالمفوضية الأوربية، ونشرت في 25 مارس 2014، التي تشير إلى أن «تطور مفهوم المواطنة نحو المواطنة الكونية، (يتم) عندما تتوفر جملة من القيم لدى المواطن والتي تدلّ على قبول الآخر والانفتاح على الغير وعندما يهتم ويشارك بالشأن العام الدولي ولا تقتصر اهتماماته وأنشطته على المسائل الوطنية وحدود دولته الجغرافية، وعندما يؤمن بأن القيم إنسانية يقع إثراءها بخصوصيات كل بلد الثقافية والدينية والاقتصادية والاجتماعية، فإن الفرد يتمتّع بمواطنته الكونية وذلك من خلال الاعتراف بوجود ثقافات مختلفة». ويتحقق كل ذلك عندما، كما تقول الدراسة، تترسخ القيم التالية
1. احترام حق الغير وحريته
2. الاعتراف بوجود ديانات مختلفة
3. الاهتمام بالشؤون الدولية
4. المشاركة في تشجيع السالم الدولي
5. المشاركة في إدارة الصراعات بطريقة سلمية تنبذ العنف
 وتبقى في نهاية المطاف مسألة في غاية الأهمية، ذات علاقة مباشرة بمسألة الوحدة الوطنية، وعلاقة التأثير المتبادل بينها وبين ما أصبح يعرف بالمواطنة الصالحة، حيث لم تعد (المواطنة الإيجابية)، كما يشخصها النقابي والناشط الجزائري في مجال حقوق الإنسان محمد بو عمريران، «تقتصر على مجرد دراية المواطن بحقوقه وواجباته فقط، ولكن حرصه على ممارستها من خلال شخصية مستقلة قادرة على حسم الأمور لصالح الوطن»
وفي الختام لا بد للعودة لما جاء في الكتاب الحكيم في قوله تعالى:«وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ»، (الأنفال الآية 46).

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها