النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12098 الاثنين 23 مايو 2022 الموافق 22 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:19AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:48PM

كتاب الايام

على من نطلق الغضب؟

رابط مختصر
العدد 9594 الخميس 16 يوليو 2015 الموافق 29 رمضان 1436

تمنيت من قبل، وأكرر التمني، بأن نستطيع جميعاً، فى اللحظات الصعبة التي تتعلق بالشؤون الوطنية، أن نسوس انفعالاتنا، وهو ما يعني أن نتأمل بعقل بارد هذه الانفعالات، ونفرزها لكي نميز فيما بينها، حتى نستطيع أن نسيطر عليها، وأن نوجهها إلى الهدف الحقيقي الذي يجب أن تتوجه إليه، بدلاً من أن نستسلم لها، ونتركها تقودنا وتسوسنا، فنتيح بذلك لعدونا فرصة استغلالها للإضرار بنا.
شيء من ذلك حدث خلال الايام القليلة الماضية، في أعقاب الضربة الإرهابية التي أسفرت عن استشهاد النائب العام المستشار هشام بركات، وأسفرت عن استشهاد 17 من ضباط وجنود القوات المسلحة، في المعركة التي انتهت بفشل محاولة الإرهابيين احتلال مدينة الشيخ زويد بسيناء، إذ سادت الشارع المصري في أعقابها حالة من السيولة الانفعالية، تجمع بين الغضب الشديد والحزن العنيف، عجز الكثيرون منا خلالها عن السيطرة على انفعالاتهم، أو التحكم فيها، وبدلاً من أن يتوجهوا بغضبهم نحو المجرمين الذين فعلوا ذلك، توجهوا به نحو الذين يقاومونهم، دون أن يدركوا أنهم بذلك يهدرون دماء الشهداء الذين دفعهم الحزن الشديد على استشهادهم لذلك الغضب، فقد استشهد النائب العام لأنه كان يقف في صف الذين يقاومون الإرهاب، ولأنه حرص على أن يحقق في كل الوقائع التي نسبت إلى الإرهابيين، واستشهد الضباط والجنود الذين حطموا أوهام تنظيم داعش الإرهابي في احتلال مدينة الشيخ زويد لكي تكون عاصمة لولاية سيناء، واستشهد آلاف غيرهم من ضباط وجنود الجيش والشرطة، وغيرهم فى الحرب ضد الإرهاب، التي دارت معاركها على امتداد العقود الستة الماضية، وليس من المنطقي أن يقودنا الحزن على استشهاد الذين ضحوا بأعمارهم، وهم يقاومون الإرهاب، إلى وضع فأس المسؤولية عن رحيلهم في عنق زملائهم الذين نجوا من المعركة، والذين لايزالون يواصلون المقاومة، بدلاً من أن نعلق هذه الفاس في رقبة الإرهابيين الذين اغتالوهم، ونتوجه بهذا الغضب ضد القتلة الحقيقيين!
استند الذين قادتهم انفعالات الغضب والحزن، إلى لوم الذين يقاومون الإرهاب بدلاً من لوم الإرهابيين، إلى القول بأن هناك تقصيراً في حماية الشخصيات العامة، أدى إلى نجاح الإرهابيين في اغتيال النائب العام، وإلى أن هناك تراخياً في تأمين نقاط الحراسة في سيناء مكن الإرهابيين من التسلل إليها والهجوم عليها.
ذلك أمر وارد، بل هو طبيعي، ففي الحرب - سواء كانت حرباً بين جيوش نظامية، أو بين جيش نظامي وجماعات غير نظامية - يسعى كل طرف إلى تغيير تكتيكاته وتطوير أسلحته، وكلما نجح كل طرف في سد ثغرة في دفاعاته، أو تقوية هذه الدفاعات، بحث الطرف الآخر عن ثغرة جديدة، وعن سلاح جديد يستطيع أن يخترق به هذه الدفاعات، ومن البديهي أن الجهات المنوط بها إدارة الحرب ضد الإرهاب، تقوم في أعقاب كل حدث إرهابي، بتقييم النتائج، لكي تكتشف الثغرات الجديدة التي ينفذ منها الإرهاب، وتعزيز الدفاعات في النقاط التي تحتاج إلى ذلك.
لكن ذلك كله شيء، وتوجيه الغضب نحو الذين يقاومون الإرهاب في ظل هذه الحالة من نقص الوعي وتداخل الانفعالات والعجز عن السيطرة عليها والتحكم فيها، شيء آخر تماماً، إذ هو يصب - سواء قصد أصحابه ذلك أو لم يقصدوا - في مصلحة العدو، ويحقق له هدفاً من أهم أهدافه، وهو إضعاف الروح المعنوية لدى الذين يقاومون، ويستهين بما يقومون به ويضحون في سبيله، ويستحقون من أجله كل إشادة وتكريم وإنصاف.. والأخطر من ذلك كله، أنه يبرئ القتلة الحقيقيين ويضع فأس المسؤولية عن دماء الشهداء في رقبة الذين يتصدون للإرهاب ويقاومونه.
ولو أن الذين أزعجهم وأربك انفعالاتهم ما جرى في الأسبوع الماضي، ملكوا صفاء الذهن الذي يمكنهم من تأمل ما جرى بعقل بارد، لا يشوشه الغضب الجامح أو الحزن الممض، لما تركوا أنفسهم لهذا الانفلات الانفعالي، ولأدركوا أن ما جرى فيه، لم يكن آخر معارك الحرب ضد الإرهاب، ولن يكون آخرها، وأن الذين استشهدوا خلاله، لم يكونوا أول الشهداء في معارك هذه الحرب ولن يكونوا آخرهم، ولتذكروا أن النائب العام - على علو مكانته وقيمته - لم يكن أول الذين استشهدوا لأنهم قاموا بواجبهم الوطني والمهني، في حماية أمن الوطن واستقراره، وأن تاريخ مصر المعاصر يحتفظ في سجله بأحرف من نور، بأسماء عشرات من روساء الجمهورية ورؤساء الوزارات، والوزراء، والقضاة، ورجال القانون، والأدباء والمفكرين والصحفيين ورجال الدين، فضلاً عن مئات من ضباط الجيش والشرطة، وآلاف من المواطنين، اغتالهم أو حاول اغتيالهم هؤلاء الإرهابيون الأوغاد، الذين يتوضأون بالدم، ويتوهمون أن التعبد لله عز وجل، لا يكون بعمارة الكون، ولكن بقتل وتخريب كل ما خلق من بشر وطيبات. ولو أن بعض الذين يوجهون سياسات الإعلام المصري، كانوا يتذكرون أصول مهنتهم وتقاليدها، لما تركوا أنفسهم فريسة لهذه الحالة من الانفلات الانفعالي، الذي نقلهم من خانة المهنيين إلى خانة عوام الناس، فانمحى في خطابهم الإعلامي الخيط الرفيع بين الجاني والضحية، وبين الإرهابي والذي يقاوم الإرهاب، ولأدركوا أن مهمتهم ليست فقط نقل نبض الشارع، ولكن - كذلك - ترشيد وعيه، ومساعدته على التحكم في انفعالاته، وحمايته من حرب الدعاية المضادة التي تستهدف تسطيح وعيه. فهل آن الأوان لكي نتنبه جميعاً، إلى أن الذين يستحقون أن نطلق عليهم غضبنا كله، هم هؤلاء الإرهابيون، الذين يصرون على قتلنا وتخريب بلادنا، وإجاعتنا، وتحويلنا إلى سبايا، ويتقربون إلى الله بقطع رؤوسنا؟!

 * ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها