النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

الفراغ الذي يصعب ملؤه

رابط مختصر
العدد 9594 الخميس 16 يوليو 2015 الموافق 29 رمضان 1436

بالأمس انطفأت الشمعة التي أضاءت دنيا الدبلوماسية على مدى خمسة عقود متواصلة. لقد رحل سعود الفيصل، الرجل الذي كان شاغل الدنيا وحديث الناس طوال حقبة من أخطر حقب التاريخ المعاصر، وأكثرها ازدحاما بالأحداث والصراعات والأزمات، من تلك التي عاصرها سموه لحظة بلحظة فتألم لأتراحها، وفرح لأفراحها، وساهم في صنع سلامها أو إطفاء نيرانها.  
لن نسمع اسمه بعد اليوم يتردد في نشرات الأخبار، ولن نسمع صوته يدوي في المحافل العربية والدولية مدافعا بشراسة عن قضايا بلده وشعبه وأمتيه العربية والإسلامية، ومجسدا بفخر وجه المملكة العربية السعودية وثقلها الديني والسياسي والاقتصادي على نحو ما اعتدنا منه طيلة أربعين عاما من قيادته للدبلوماسية السعودية والخليجية. غير أنّ عزاءنا هو أنّ الراحل الكبير ترك لنا تاريخا ناصعا في كيفية رسم وصياغة وإدارة العلاقات الخارجية بمهارة غير مسبوقة حسده عليها الكثيرون من نظرائه، بل ترك للعاملين في الحقل الدبلوماسي السعودي والخليجي مدرسة ومنهاجا جديرا بالتأمل والاقتداء والنهل، ومفاهيم راسخة على رأسها مبدأ الشفافية في العمل، والانتظام في الأداء بجدية دون كلل، والهدوء في اتخاذ القرار دون تسرع، والتواصل مع التطورات العالمية عبر القراءة المستمرة باللغات الأجنبية، والابتعاد عن البهرجة والشعارات والتصريحات الفارغة.
والدليل على صحة ما نقول لجهة حنكة الرجل وسداد رؤيته، وعلو قامته ومقامه وهامته في دنيا الدبلوماسية العربية والعالمية هو ما صدر من تصريحات وتعليقات من قادة وساسة العالم بمجرد إعلان خبر وفاته بمدينة لوس أنجليس الأمريكية في يوم الخميس الفائت. فلولا المزايا الكثيرة التي اتسمت بها شخصية سعود الفيصل، وحكمته واطلاعه غير المحدود وإجادته للعديد من اللغات العالمية الحية التي أكسبته احتراما وشبكة واسعة من العلاقات والصداقات في الغرب والشرق لما سمعنا قادة الدول الكبرى يصرحون بأنهم استفادوا من خبرة وتجارب وثقافة واتزان الأمير الراحل، ولما قرأنا أحد نظرائه العرب يصفه بداهية العرب ويقول عنه انه كان صانعا للسلام وعامل توازن ورجل مواقف وليس شعارات، فيما وصفه نظير آخر له بأنه كان صوت العقل والرصانة، ولما سارعت وكالة أنباء كبرى مثل رويترز إلى نشر خبر عن رحيله مذيلا بعبارة «اثبت براعة في تجنب المجاملات الدبلوماسية المنمقة وقدم رسالة بلاده بشكل متقن وجوهري»، ولما قال عنه وزير خارجية دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ عبدالله بن زايد إنه كان صمام الأمان في السياسات الإقليمية والدولية، وأن من يصفه بـ «كيسنغر العرب» فقد ظلمه، ولما رأينا أكثر من مليون تغريدة على شبكة التواصل الاجتماعي يوم أن ترجل عن جواده في نهاية شهر إبريل الماضي.
شخصيا أعتز بصداقة زميل سعودي من أيام دراستي في المملكة ممن التحق بالخطوط الجوية العربية السعودية وتقلب في مناصبها حتى صار أحد كبار قباطنتها الذين عادة ما توكل إليهم عملية نقل كبار المسئولين في مهماتهم الخارجية حول العالم. يقول الصديق، من واقع تجربته العملية، أنه لم ير ضمن من نقلهم من مسئولين سعوديين مسئولا في تواضع الأمير الراحل وبشاشته ولطفه وكرمه وحرصه على السؤال عن الطاقم المكلف بنقله فردا فردا. ويضيف قائلا: «كان رحمه الله يقضي ساعات الطيران الطويلة في العمل المتواصل والنقاش مع مرؤوسيه حول الملفات التي تنتظرهم في ميناء الوصول، فإذا ما سنحت له فرصة للاسترخاء هرب منها إلى قراءة كتاب حديث في السياسة او الدبلوماسية او التاريخ المعاصر».
هذا هو المغفور له بإذن الله تعالى صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن فيصل بن عبدالعزيز آل سعود الذي غادر دنيانا في وقت أحوج ما تكون فيه أمته إلى حنكته الدبلوماسية وتجاربه الغنية. ولعل أكثر ما يبكينا وهو يغادرنا إلى رفيقه الأعلى أن أهم طموحاته وأكثرها قربا إلى نفسه، وهو قيام الإتحاد الخليجي، لم يتحقق. هو الذي كان له دور مشهود لا ينكره إلا كل مكابر في وضع لبنات مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مطلع الثمانينات من القرن الماضي، قبل أنْ يعزز تلك اللبنات بصياغة ورسم توجهات هذا الكيان الخليجي السياسية والاقتصادية والدفاعية.
وأخيرا فإن من صنع شخصية الراحل المثابرة ومناقبيته ليست جامعة برينستون الامريكية التي تخرج منها في عام 1964 حاملا شهادة البكالوريوس في الاقتصاد، وليست المناصب التي تقلدها في المؤسسة العامة للبترول في وزارة البترول والثروة المعدنية في سبعينات القرن الماضي، وإنما مدرسة والده الراحل المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز الذي قاد الدبلوماسية السعودية منذ أن كان في سن السادسة عشرة وحتى حادثة اغتياله الغادرة في عام 1975 باستثناء فترة قصيرة في مطلع الستينات، ثم مدرسة والدته المثقفة الملكة عفـّت الثنيان الفيصل التي عــُرفت بدفاعها الصلب عن حق الفتاة السعودية في التعليم النظامي.
* باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها