النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

هل يجب على الدولة أن تتسامح مع غير المتسامحين؟

رابط مختصر
العدد 9593 الأربعاء 15 يوليو 2015 الموافق 28 رمضان 1436

في كل مرة يتصاعد فيها العنف المؤسس على التعصب والكراهية يتنادى المجتمع الى الاستنجاد بقيم التسامح التي يفاجئ بأنها اختفت او تبخرت في أجواء الحروب والمواجهات بشتى اشكالها.
التسامح الذي نقصده ليس تنازلا عن حقوق لصالح الاخر، ولا هو السماح له بما ليس من حقه، وإنما هو الاعتراف به - في سياق الإنسانية او في سياق المواطنة او في سياق العقيدة-دون حجب الاختلاف او التنازل عن الحقوق، وذلك لأن الاختلاف بهذا المعنى، هو مصدر ثروة وإثراء حتى تكون المعاملة بالمثل علاقة بين المتناظرين أخذا وعطاء، بعيدا عن روح الهيمنة ودون ما استئثار بالحقيقة المطلقة، ودون ما تعال على الاخرين واعتبارهم او عقائدهم او أفكارهم دونية او منحرفة، ففي هذا المفهوم حريّة للجميع ومساواة بين الجميع. وكم نحن اليوم في أمس الحاجة إلى إشاعة هذا النوع من التسامح لاستعادة إنسانيتنا التي اختطف جانبا منها التوحش والتعصب والإرهاب.
إنّ العالم في هذه المرحلة الخطيرة من استشراء الإرهاب في كل مكان، في حاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى ترسيخ قيمة التّسامح لمجابهة الأنانية والنّزعة نحو التحجّر في كل المجالات السياسية والدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية وإحلال الاطمئنان محل الخوف والتضامن بدل الإقصاء والتهميش، لأن التّسامح قيمة محورية في العمران البشري على حد تعبير ابن خلدون، وإليها ترجع كل الفضائل، ومنها الدعوة إلى الخير في كل الديانات والأخلاق وفي جل الفلسفات، لذلك فإن النظرة لهذه القيمة يتوجب أن تكون شمولية من أجل إقامة خياراتنا الحضارية على مفاهيم تنبع كلها من التسامح. باعتباره جوهرا في ديننا الإسلامي الحنيف وفي صلب تقاليدنا الاجتماعية، وهو تاج الفضائل وميزة تاريخ الأمم والشعوب المتحضرة.
لكن الغريب عندنا أن الجميع يتحدث اليوم عن التسامح والحاجة إليهما، بل ويدعون إلى التسامح بكافة أشكاله، إلا إنهم لا يطبقونه عمليا في القول والفعل، بل إن الذي يدعو إلى الاستغراب ان على رأس المتحدثين عن التسامح هم أولئك المتعصبون أنفسهم والطائفيون والحاقدون والعنصريون وحتى المتوحشون الذين يقطعون الرؤوس يتحدثون عن ذلك، والحقيقة أن المشكلة متأتية من قوة تأثير التيارات الطائفية التي انطلقت من عقالها بعد التدمير الذي نال من بنية الدولة العربية اللاحمة للمكونات الاجتماعية (ولو بالتسلط)، فهذه التيارات هي التي تتعيش على الحقد والتمييز والتعصب بكل أشكاله، فنظريا يبدو التدين عاملا معززا للتسامح والتضامن بين بني الإنسان، وواقعيا تحول الى أداة من الأدوات التي يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والكراهية بين الناس، ولا أدل على ذلك من أن اغلب الحروب التي شهدتها البشرية في العصور الوسطى أو في العصر الحديث قد لبست لباسا دينيا او طائفيا.. ذلك أن للإيمان وظيفتين: وظيفة دينية وأخرى سياسية وبين الوظيفتين علاقات إدماج وإقصاء في ذات الوقت. كما أن العلاقة بين العقل والإيمان تخضع لثلاثة مقومات: المقوّم المعرفي والشعوري والخضوع للدولة وهذه التركيبة تتغير حسب الفترات التاريخية، وأن التفكير دينيا بشكل مغاير لما هو سائد يمسّ البنية السياسية للدولة، ذلك ان الديني والسياسي يرتبطان، وما هو ملفت، أن هذا الارتباط أو حتى الانصهار بين الديني والسياسي في الدولة عرفته دول الغرب المسيحي مع محاكم التفتيش في اسبانيا، ولكن مع دخول أوروبا مرحلة الحداثة، وعلمنة الدولة تراجع الديني إلى المجال الخصوصي، والسياسة انتقلت الى المجال العام، فالحداثة أساس التقدم والمدنية والتي تجعل الدولة تنظر إلى الإنسان باعتباره مواطنا حرا بغض النظر عن دينه او مذهبه، وتجعل الدين مسألة شخصية صرف، فإنسانية الإنسان هي القيمة المطلقة. فمشروع الأنوار الذي شهدته أوروبا الحديثة قد جرّد الوجود الإنساني من كل حضور ديني ضاغط ومتحكم، وكذلك فعلت الشيوعية، ولكنهما لم ينجحا تماما في محو الفوارق والتمييز على أساس ديني، فالحروب ما تزال تقوم على أساس ديني وطائفي...فهل يحكم على الإنسان ان يظل سجين الحروب الدينية والطائفية إلى ما لا نهاية؟؟ وكيف يمكن التوفيق بين قوة المعتقد وروح التسامح؟ وهل هناك حدود للتسامح؟ أوينبغي التسامح حتى مع الجماعات والأحزاب والطوائف غير المتسامحة؟.
أسئلة تطرح نفسها اليوم مع تعقد هذا الموضوع وتداخل العوامل المحلية والإقليمي والدولية فيه، ولكن الجواب لا يجب ان يتوه عن الثوابت، إذ لا بد أن يكون بالإيجاب بالنسبة للسلطات والدول التي تصنف نفسها ديمقراطية، بل إن التسامح مع غير المتسامحين يأتي في مقدمة آليات تجنب العنف ووأد الفتن وإسكات بؤر الإرهاب والتعصب، حيث يجب أن تسير الأمور بالطرق السلمية في جميع الأحوال إلا في حالة مواجهة العنف والارهاب، اذ يجب التعامل معهما بأقصى درجة من الجدية والصرامة.
همس
ناقش المفكر الأمريكي جون رولز (وهو فيلسوف ليبرالي وأستاذ فلسفة سياسية في جامعة هارفارد توفي العام 2002م) في كتابه« نظرية العدالة» مسألة القدرة على التسامح مع غير المتسامحين نقاشاً مفصَّلاً. وللعثور على جواب صحيح عن السؤال «هل ينبغي التسامح مع غير المتسامحين؟»، يقسم السؤال إلى قسمين. الأول هو: هل ينبغي للجماعات غير المتسامحة أن تتذمَّر عندما لا يجري التسامح معها، الثاني هو: هل للجماعات أو الحكومات المتسامحة الحق في ألا تتسامح مع غير المتسامحين؟ إن السؤال الأول من الممكن الإجابة عنه بالرجوع إلى القاعدة الذهبية: «عامِل الناس بما تحب أن يعاملوك به.» وليس للجماعات غير المتسامحة الحق في أن تتذمر عندما لا يجري التسامح معها. بالمقابل، على الدولة أن تعامل غير المتسامحين بطريقة متسامحة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها