النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

نحو تجريم التكفير والتحريض..

السيطرة على منابع التوتير لمجابهة الصراعات

رابط مختصر
العدد 9591 الإثنين 13 يوليو 2015 الموافق 26 رمضان 1436

عادت تلك اللغة الطيبة المتحدثة عن التسامح في ظل استشراء العنف والإرهاب في عالم خطر تسوده المخاوف وينتشر فيه الرعب والخوف، بسبب تفاقم الإرهاب وتعدد مصادره. اللغة الوجلة المرعوبة من انتشار الكراهية واشتعال نارها في العقول والقلوب لم تنتبه إلى حجم الكارثة إلا عبر صور التوحش المنقولة عبر الهواء والفضاء، وصور التدمير والتفجير للبشر والشجر والحجر.. ولذلك بدأت الأسئلة الوجلة تطرح نفسها بخوف ورعب غير مسبوقين: من أين جاء كل هذا التوحش؟ كيف استيقظ هذا الوحش من تحت الأنقاض؟ أين هو تأثير الدين والقيم والتربية على المحبة والإخاء والتسامح؟ لماذا تبخر كل ذلك وكان نسيا منسيا؟ من انتزع الخير من قلوب هؤلاء وزرع محلها الكراهية؟ أوليس غريبا أن يجمع هؤلاء المغرر بهم بين الانتماء الديني السمح بما يعنيه من قيم روحية وأخلاقية عالية، وبين النزع الطائفي الذي يولد هذا الحجم من الكراهية تجاه الآخرين بمن في ذلك الشركاء في الوطن..؟
نظريا يبدو التدين عاملا معززا للتسامح والتضامن بين بني الإنسان، ولكن واقعيا تحول هذا التدين إلى أداة من الأدوات التي يتم استغلالها لتعزيز الفوارق والتمييز والكراهية بين الناس، ولا أدل على ذلك من ان اغلب الحروب التي شهدتها البشرية في العصور الوسطى او في العصر الحديث قد لبست لباسا دينيا او طائفيا.. ذلك أن التدين يمكن ان يجمع بين وظيفتين، الأولى دينية والأخرى سياسية وبين الوظيفتين علاقات إدماج وإقصاء في ذات الوقت، وأن التفكير دينيا بشكل مغاير لما هو سائد يمسّ البنية السياسية للدولة، ذلك ان الديني والسياسي يتعالقان بشكل كبير، حتى الانصهار بين الديني والسياسي في الدولة.
إن المشكلة عندنا تتمثل في تنامي الخطاب الديني الطائفي المشحون بالأفكار والتصورات والرؤى والبرامج السياسية (الدينية المتشددة والتكفيرية أو الطائفية التقسيمية) للتيارات والجماعات الدينية الطائفية تحديدا التي نشرت ثقافة التطرف وتبرير العنف بتفسير متشدد للنص الديني، يدور حول فكرتي التكفير او التغيير بالقوة، فخلقت الأولى القاعدة والثانية أحزابا طائفية تتستر بلغة ديمقراطية مموهة، لتتمكن من الاندراج ضمن الحراك السياسي المدني، واستخدام العنف والتحريض في ذات الوقت تجسيما لفكرة التغيير بالقوة «للأخذ على يد الظالم» على حد تعبير قيادات هذه الجماعات، وهذا ما يفسر وجود مثل هذه المفارقة التي يعاني منها قسم كبير من شبابنا المتدين، بالجمع بين البعد الديني السمح، وبين ممارسة العنف والكراهية في أبشع أشكالها والتمييز الطائفي الذي أصبح منهجا مؤسسا للكراهية والحقد، بسبب الشحن بثقافية الكراهية واستحضار رموزها وجلبها من أعماق التاريخ، حيث يتم تربية هؤلاء الشباب وفي وقت مبكر جدا( ربما من الطفولة) على العداء الشديد للدولة وكراهية الآخرين المختلفين طائفيا، حتى وإن كانوا شركاء في الوطن.
لقد كشفت الأزمة الخانقة التي مر بها مجتمعنا مؤخرا ان هنالك خزانا ثقافيا للكراهية بديلا مفجعا لروح المحبة والتسامح وكل قيم الإسلام التي تؤكد بان المؤمنين إخوة وانه لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى، حيث تم تجاوز كل هذه القيم في وسط حالة من الحشد الطائفي الذي تسخر له فضائيات متخصصة وتبث لساعات الليل والنهار بل وتستحضر القيم الطائفية بشكل يشعر بالتقزز والغثيان إزاء الكم الهائل من الحقد الذي تبثه، حتى لكأننا نعيش حالة حرب طاحنة بين الطوائف، ويأتي بعد ذلك من يسأل عن مصدر الحرائق والتوحش.!!
إن ثقافة الكراهية لا يمكن أن تزول إلا بزوال أسبابها، بان يعمل الجميع مفكرين وكتابا ورجال دين وكل الدعاة والواعظين والمعلمين على استئصالها، كما أن على الدولة أدوارا مهمة لابد أن تضطلع بها، دون إبطاء أو تأخير، ومنها خصوصا تطوير ومراجعة التشريعات المجرمة للكراهية والحقد والتعصب والتحريض ضد الطوائف والأديان والمذاهب والأقليات، بما في ذلك تجريم التكفير واعتباره جريمة كراهية وتهديد بالقتل، لان التكفير تحريض على القتل.. وكذلك السيطرة على منابر التوتير الدينية والطائفية والإعلامية وغيرها، بترشيدها ومنعها قانونا من المساس بالسلم الأهلي ووحدة المجتمع، بما من شأنه أن يعزز المعاني الحضارية التي عرفتها مجتمعاتنا منذ مئات السنين، بالكلمة الطيبة، والمجادلة بالتي هي أحسن والقبول بحق الآخر في الاختلاف والقناعة بأهمية المشاركة في كل شيء ورفض فكرة الاستحواذ والسيطرة بالقوة، حيث لا يمكن حماية استقرارنا السياسي والاجتماعي، إلا تفكيك جذور ثقافة الكراهية التي تغذي عمليات الإقصاء والتهميش ضد الآخر حتى ولو اشترك هذا الأخير معنا في الدين و في الوطن.
إنّ العالم في هذه المرحلة الخطيرة التي يعيشها في حاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى ترسيخ قيمة التّسامح لمجابهة الأنانية والنّزعة نحو التحجّر والتعصب في كل المجالات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وإحلال الاطمئنان محل الخوف، والتضامن بدل الإقصاء والتهميش في المجتمعات المتقدمة وفي غيرها على حدّ السّواء، فالتّسامح قيمة محورية في التنمية وإليها ترجع كل قيم حقوق الإنسان. والتسامح قبل كل ذلك من جوهر ديننا الإسلامي الحنيف، وفي صلب تقاليدنا الاجتماعية، وهو تاج الفضائل وميزة تاريخ البحرين الذي يشكل مثالا لانصهار التنوع في البنية الحضارية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها