النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

تداعيات الأزمة الاقتصادية اليونانية قد تضرب آسيا

رابط مختصر
العدد 9590 الأحد 12 يوليو 2015 الموافق 25 رمضان 1436

يخطئ من يظن أن الأزمة المتفجرة بين اليونان والاتحاد الأوروبي ستبقى محصورة في النطاق الأوروبي. ذلك أن ارتباط اقتصاديات العالم بعضها ببعض سيؤدي لا محالة إلى تأثر اقتصاديات بعيدة عن أوروبا بتداعيات الأزمة اليونانية، ولاسيما اقتصاديات دول جنوب شرق آسيا، وخصوصا اقتصاديات الدول الأضعف ضمن رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان) مثل أندونيسيا وماليزيا اللتين شهدتا في النصف الأول من العام الجاري تراجعا في سعر صرف عملتيهما: الروبية والرينغت على التوالي، بسبب مخاوف المستثمرين من تباطؤ معدلات النمو في البلدين، ووجود استثمارات أجنبية كبيرة في أسواق الأسهم والسندات الأندونيسية والماليزية.
والمعروف أن دول منظومة آسيا ككل تعتبر ثالث أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي بعد الولايات المتحدة والصين، حيث بلغ حجم مبادلتهما التجارية البينية في عام 2013 نحو 235 بليون يورو من السلع والخدمات وهو ما شكل نسبة 13 بالمائة من تجارة آسيان. من ناحية أخرى استثمرت الشركات الأوروبية ما معدله السنوي 14.8 بليون يورو في دول آسيان في الفترة 2006 ـ 2013 . ومن هنا لم يكن غريبا أن تعقد اجتماعات دورية بين الكتلتين على أعلى المستويات لوضع ترتيبات معينة حول مسائل التبادل التجاري والاستثمارات.
والجدير بالذكر أن هذه الدول استفادت من تراجع أسعار النفط هذا العام فحققت فائضا تجاريا معتبرا، لكنها ها هي في غضون أقل من عام تواجه مأزقا اقتصاديا جديدا. وعليه فإن السؤال الذي يطرح نفسه على الساحة الآسيوية اليوم هو التالي: «ماذا سيحدث في آسيا لو فشلت المفاوضات بين اليونان وشريكاتها في الاتحاد الأوروبي وخرجت الأولى من منطقة اليورو؟». الإجابة هي أن لهذا الحدث تأثيرات وتداعيات هامة على المبادلات التجارية والتي بدورها ستؤدي إلى اضطرابات في أسواق المال الآسيوية. بل أن تلك الاضطرابات ستؤدي لا محالة إلى انخفاض معدلات الناتج المحلي في منطقة آسيا/الباسفيكي بنسبة 0.3 بالمائة في عام 2016، طبقا للاقتصادي الهندي الكبير «راجيف بيساوس» الذي يخبرنا أيضا أن الأمور سوف تزداد سوءا في آسيا إذا ضغطت الأزمة اليونانية على دول أوروبية أخرى تشكو من ضعف اقتصادياتها مثل أسبانيا والبرتغال وجعلتها تخرج أيضا من منطقة اليورو. حينذاك سوف تهوى أسعار صرف العملة الأوروبية الموحدة بحدة، الأمر الذي سيدفع المستثمرين، في ظل عدم وضوح الرؤية، إلى اللجوء إلى سيناريوهات مختلفة أحدها الاستثمار في المحافظ وسندات الاستثمار الأمريكية المقومة بالدولار الأمريكي. وما قاله الاقتصادي الهندي يدعمه ما حدث بـُعيد قرار الحكومة اليونانية بإغلاق مصارفها لمدة اسبوع ودعوتها إلى استفتاء اليونانيين حول الخروج من منطقة اليورو. إذ سرعان ما حققت كبريات أسواق الأسهم الآسيوية خسائر فادحة، فما بالك لو حدث الشيء نفسه في دول أوروبية أخرى من تلك التي ذكرناها.
وإذا كان هناك من يتساءل عن الصين باعتبارها واحدة من كبريات الشريكات التجاريات للاتحاد الأوروبي، فإنه يجب أن نستدرك ونقول ان ليس كل الاقتصاديات الآسيوية مثل الاقتصاد الصيني الذي قد لا يتأثر كثيرا بالأوضاع في اليونان وغيرها من الدول الأوروبية ذات الاقتصاديات الهزيلة. صحيح أن الاقتصاد الصيني لم يحقق معدلات النمو الموازية لمعدلات نموه العام الماضي فتوقفت عند 7 بالمائة فقط (وهو ما لم يحققه الاقتصاد الأمريكي رغم ضخامته وقتاليته الضارية)، لكن هذا الإنجاز الصيني كان أضعاف ما حدث في اليونان حيث لم يتجاوز معدل النمو فيها 0.2 بالمائة. أما السبب فهو أن البنك المركزي الصيني، على خلاف البنك المركزي اليوناني وعلى خلاف البنوك المركزية في دول آسيان، تهيمن عليه الدولة وتتدخل في شئون الصرف والانفاق في الوقت المناسب منعا لحدوث ما لا يحمد عقباه. ولعل هذه الخاصية هي التي منحت الاقتصاد الصيني المناعة ضد حدوث خلل كبير على الرغم من خسارة أسواق الأسهم الصينية 20 بالمائة من قيمتها في الأسبوعين الأخيرين، أي 1.36 تريليون يوان صيني أو ما عادل 219 بليون دولار أمريكي.
والمعروف أن البنك المركزي الصيني (بنك الشعب الصيني) لديه احتياطات ضخمة (قدرت في نهاية عام 2014 بمبلغ 3.6 تريليون يوان أو ما يعادل 583 بليون دولار أمريكي) من أموال التقاعد التي يستطيع البنك دفع ما لا يقل عن 30 بالمائة منها نحو الاستثمار في سوق السندات والأسهم بهدف توفير سيولة كافية، وبالتالي تعديل الأوضاع في أسواق المال وجعلها ذات مناخ صحي، ولاسيما في سوقي شنغهاي وهونغ كونغ.
وخلاصة القول انه كلما كانت هناك مصارف مركزية آسيوية محمية ومدعومة من الدولة كلما تقلصت الآثار السلبية لما يجري في أماكن أخرى على الاقتصاديات الآسيوية. حيث بإمكانها كما في النموذج الصيني أن تصب مزيدا من الأموال في السوق، وتستطيع أيضا استخدام أدوات أخرى مثل تخفيض أسعار الفائدة، وتسهيل الاشتراطات الخاصة فيما خص نسبة الاحتياطات المصرفية، بسرعة أي بجرة قلم ودون عوائق أو إجراءات طويلة.
قلنا أن أحد الخيارات أمام المستثمرين القلقين من الأزمة اليونانية وما قد يتبعها هو اللجوء إلى أسواق الأسهم والسندات الأمريكية المقومة بالدولار. لكن هناك خيار آخر يتمثل في اللجوء إلى الأسواق اليابانية التي تشهد استقرارا لجهة معدلات الاستهلاك والإنفاق، ناهيك عن شبه استقرار في معدلات التضخم، ومحدودية الفجوة بين الين والدولار منذ مايو الماضي، على الرغم من الأخبار التي تفيد بعدم توقع القفزة كبيرة في الاقتصاد الياباني على المدى القريب.
باحث ومحاضر أكاديمي في الشأن الآسيوي من البحرين

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها