النسخة الورقية
العدد 11062 الثلاثاء 23 يوليو 2019 الموافق 20 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:29AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

الدين المعاملة.. التسامح نموذجاً­

رابط مختصر
العدد 9589 السبت 11 يوليو 2015 الموافق 24 رمضان 1436

ونحن نعيش هذه الأيام المباركة والعشر الأخيرة من شهر رمضان الفضيل ونفحات ليلة القدر المباركة التي وصفها القرآن بأنها خير من ألف شهر، في شهر رمضان حيث تصاحبنا رحمات المولي عز وجل ومغفرته ووعهده عتق عباده المؤمنين من النار وعذاب جهنم.. يجدر بنا بعد أن تحدثنا في موضوعات سابقة عن دور العلم في رمضان وأن هذا الشهر المبارك هو شهر الحركة والطاقة وليس الخمول والكسل والنوم كما يدعي البعض، أن نستغل هذه الأيام، وهي العشر الأواخر التي قال عنها رسولنا الكريم إنها للعتق من النار، لنقول إن الإسلام عندما دعا الناس الى المحبة وحب الخير ونبذ الشر، فإنما هو دعا الى التسامح، فهذه ثقافة لو تعلمون مهمة للغاية. فثقافة نشر التسامح بين الناس والعيش والتعايش السلمي بين المسلمين على مستوى الحي والمدينة والدولة والمجتمع المسلم بأسره، تيسر لنا السعي للعمل من جديد والبناء. وكذلك، فإن ثقافة التسامح تقودنا الى قبول الآخر بصدق وإخلاص، ونشر ثقافة التسامح تسير بنا الى إبداء حسن النوايا لتوحيد الكلمة والعيش بحب واحترام وكرامة والدعوة إلى التعايش بين أبناء المسلمين، وحقن دمائهم وصون أعراضهم، وممتلكاتهم وحماية مقدساتهم وهويتهم الإسلامية جماعات وطوائف، أحزابا ومنظمات وجمعيات، طوائف ذات أفكار وأيديولوجيات مختلفة لكنها ضمن الهوية الإسلامية، مذاهب دينية وفكرية، دول عربية وإسلامية متجاورة بحدودها أو متباعدة، أجناس وأعراق وقبائل مختلفة.
ومن حسن حال المسلمين، أن ديننا السمح يأمرنا ويحثنا ويدعونا الى التعايش والتسامح ونشر الحب بين الجميع، فكلنا سواسية في هذه الأرض لا فضل لعربي علي أعجمي إلا بالتقوى، والتقوى في معناها الجامع هو التسامح وحب الخير والعمل على نشره والتأسي بأخلاق رسول الله، فالإسلام جعلنا جميعا سواسية كأسنان المشط، لا فرق بين عربي وعجمي، وأبيض وأسود إلا بالتقوى، بعيدا عن العصبية والقبلية والحسب والنسب والمناصب والجاه والغنى والفقر.. فيقول تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَة) «الحجرات من الآية:10»، و(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ ٱللَّهِ أَتْقَاكُمْ) «الحجرات من الآية:13».
فثقافة التسامح تأتي من كلمة “ السماحة” وهو معنى الدين، ولذا يحثنا ديننا السمح على إعلاء معنى التسامح وتفعيل ثقافته ومضمونه ومفهومه بمعناه الأشمل المحبة والحب والود والوئام بين الناس جميعا بصدقٍ ونية صافية لنفعها الكبير علينا، كما يعود خيرها على المجتمعات العربية والإسلامية والبشرية جمعاء. ولعلنا نفترض جدلا أننا نعيش في عالم تغيب فيه ثقافة التسامح والعفو والمحبة والود بين الناس، فلن نجد احتراما متبادلا بيننا، وستتحول حياتنا الى جحيم، لنعيش اكتئابا مستمرا في ظل تغييب التسامح والعفو والمحبة. ولنا أن نتخيل أيضا كيف تكون حياتنا إذا غلبنا بيننا التسامح والمحبة والود، طبعا سنعيش الحياة كما رسمها لنا الخالق عز وجل الذي أمرنا بالتسامح والعفو ونبذ العنف والفرقة والفتنة.
فالتسامح هو جل معانيه إذا طبقنا مفهومه، وهو الاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين الناس باختلاف أفكارهم ومشاربهم الفكرية والمذهبية والطائفية التي تدمر المسلمين اليوم. والتسامح هو الوئام والحياة الطيبة بين الأفراد والأسرة والمجتمع الواحد وكل المجتمعات. فهو يبدأ من نبذ العنف والقوة وتصفية الحسابات وإزهاق الأرواح بلا أدنى سبب أو شبهة. والتسامح يعني انتشار الأمن والأمان بين الناس حتي لو غاب الأمن بمفهومه الشرطي، والتسامح يترجم حياتنا الي المنافع المتبادلة. وإذا كان المثل يقول: “الحكمة ضالة المؤمن وإن وجدها فهو أحق بها”، فهكذا الحياة في ظل انتشار ثقافة التسامح والمحبة والود والعفو ونسيان الماضي وفتح صفحات جديدة مشرقة تعود على علينا جميعا بالنفع والفائدة والنمو والنهوض بالأمة.
وقدوتنا في التسامح والمحبة والود، ما قدمه للأمة الإسلامية والبشر جميعا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم من أمثلة رائعة في التسامح والعفو عند المقدرة. كلنا يعلم ما لاقاه الرسول في الطائف حتى أن قدماه دميت من الألم، فما كان منه إلا أن عفا وسامح أهل الطائف الذين رجموه حتى أدموه، فقال صلى الله عليه وسلم لملك الجبال عندما أعلمه بقدرته علي أن يطبق عليهم - أهل الطائف - الأخشدين، فرفض الرسول الكريم قائلا: “بل أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً” “متفقٌ عليه”. كذلك عفوه وتسامحه مع أهل مكة رغم معاناته فيها علي يد كفار مكة الذين طردوه وصادروا حقه وممتلكاته وآذوه في نفسه وأهله وأسرته وأصحابه، ولكن عاد في فتح مكة ليضرب أروع الأمثلة في التسامح والعفو عند المقدرة فقال لهم: “اذهبوا فأنتم الطلقاء”.
واليوم.. ما أحوجنا نحن أمة محمد النبي الأمي الصادق الوعد الأمين، الى نشر ثقافة التسامح والعفو والتعايش السلمي بيننا، أفرادا وجماعات، وأن نبدأ بأنفسنا وأبنائنا، لنستلهم معاني البر والصلاح والعدل والعفو والتسامح ونبذ الخلافات والأحقاد والعمل على العيش الكريم للجميع والتعاون وعدم إيذاء الجيران، وعلى أن نقابل الإساءة بالإحسان.
ونحن نتحدث عن التسامح، لا ننسى المضمون السياسي، ونعني البعد عن التحزب ونبذ مفهوم الحزبية والطائفية والمذهبية الضيقة والتعايش بين الناس ونشر ثقافة التسامح بينهم، ليكون التسامح والعفو نبراسا نعيشه ومثالا رائدا في مجتمعنا، أي لا نفصل بين الدين والسياسة، فقد أخطأ من قال “ما لقيصر لقيصر وما لله لله”.. فالحياة والدين أمر واحد، ولذلك لا نقول أن الحياة الحزبية لا تسامح فيها، فهذا خطأ بالغ، لأن السياسة من شأنها حسن تسيير حال المواطنين، ولهذا ما أحوجنا أن نعمم ثقافة التسامح في أمورنا الحياتية والدينية والسياسية، فلا تضاد بينهم.
وإذا كنا تحدثنا عن التسامح في الإسلام والقرآن وسماحته، فعلينا ونحن نعيش هذه الأيام المباركة أن نتوجه لكل الدول العربية والمسلمين جميعا، فما أحوجنا في وقتنا الراهن الذي تشتد فيه الحروب والأزمات الي العفو والتسامح، الى نسيان الماضي، إلى طي تلك الصفحة من حياة الأمة وخاصةً ما أنتجته كل الفترة الماضية من محن وحروب وأزمات ونزاعات نعيشها ونعاني منها حتى اليوم، فعلى كل طرف الا يتمسك بموقفه دون أن يتراجع عن تصلب آرائه. بل عليه الاقتراب من من الآخر، في لغته ومواقفه.فما أفضل ما فعلته البحرين والكويت عندما قرر مواطنوهما المشاركة في صلاة الجمعة بمسجد الآخر، فما أحوجنا الى تصفية الحسابات بالهدوء والصفح ولكن ليس على حساب القيم والمبادئ والأخلاق، فإسلامنا الحنيف نهانا عن القتل وإزهاق الروح والنفس التي حرّم الله وتبرير ذلك كل حسب توجهه.
ولعلي اختم بما قاله أحد الشيوخ الأجلاء في خطبة جمعة إن الإسلام هو دين التسامح والسلام، فالسماحة تعني الحرية والمساواة في غير تفوق في الجنس أو تمييز عنصري، ولهذا حثنا ديننا الحنيف على الاعتقاد بجميع الديانات، لما في قول الله تعالى في سورة البقرة “..آمن الرسول بما انزل إليه من ربه والمومنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله”. ويحقق التسامح العيش المشترك بين شعوب الأرض بطبائعها المتنوعة، ولنتأسى بقول الرسول الكريم: “الدين المعاملة”. ولذلك قسم الفقهاء التسامح لأنواع، منه الديني، حيث التعايش بين الأديان، بمعنى حرية ممارسة الشعائر الدينية والتخلي عن التعصب الديني والتمييزالعنصري. وكذلك التسامح الفكري، وينصب علي أدب الحوار والتخاطب وعدم التعصب للأفكار الشخصية والحق في الإبداع والاجتهاد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها