النسخة الورقية
العدد 11146 الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    2:42PM
  • المغرب
    5:10PM
  • العشاء
    6:40PM

كتاب الايام

مطارحات

انتهاك للإنسانية وتدمير لروحها

رابط مختصر
العدد 9586 الأربعاء 8 يوليو 2015 الموافق 21 رمضان 1436

أكاد اجزم بأن شهر رمضان المبارك عندنا قد انحرفنا به عن الهدف الرئيسي من حكمة تشريعه نحو التبذير والاستهلاك اللاعقلاني، بعكس ما شرع من اجله، فقد بحثت في أبواب حكم مشروعية الصيام فلم أجد من بينها النهم والاستهلاك الفاحش والمبالغة في تحويله إلى رمز للإهدار العابث، فقد ذكر الله تعالى في كتابه العزيز الحكمة من مشروعية الصيام وفرضِه علينا في قوله: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا كتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقونَ)، فهو وسيلة لتحقيق التقوى، وشكْر النِعم وكَف النفْسِ عن الشهوات والامتناع عنها طاعة لله وتقربا منه، كما أنه وسيلة للزهد والتعفف والترفع عن الاستهلاك الفاحش والتبذير بكافة اشكاله..
هذا هو الأصل، ولكن الذي يحدث في الواقع على الصعيد الاستهلاكي مخالف تماما، حيث ترتفع معدلات الاستهلاك خلال الشهر المبارك بشكل غير مسبوق، ويتضاعف استهلاك المواد الغذائية بشكل كبير، وهي زيادة ترتبط بأنماط استهلاكية وعادات اجتماعية شائعة في منطقتنا العربية، عززتها صورة نمطية يرسمها المجتمع والاعلام حول هذا الشهر الفضيل، حيث تتكالب الدعايات المرتبطة بالطعام حتى تبلغ مستوى التحريض الفاحش والمبالغ فيه على الاستهلاك والتبذير، ليجد التلفزيون نفسه مشاركا في حفلة الردح الاستهلاكية، فيفتح الباب لبرامج الطبخ التي باتت (تغثنا) وتزكم أنوفنا..
ورغم أن شهر رمضان يعتبر شهر الزهد والعبادة، إلا أن العديد من المسلمين يزداد إسرافهم وتبذيرهم في هذا الشهر بخلاف باقي شهور السنة، إذ يبالغون في شراء ما لذَّ وطاب من الأطعمة والأشربة والحلوى والمسليات وكأن رمضان قد أصبح موسما للأكل والتباهي، والمصيبة أن ما يتم تكديسه من طعام لا يتم استهلاكه بالكامل، بل يتعرض للإتلاف والرمي في حاويات القمامة، في الوقت الذي تعاني فيه العديد من الأسر من الجوع وضيق ذات اليد.
وبالرغم من ان التأكيد على هذه الحقيقة لا يحتاج الى حجج وادلة لوضوحها للعين المجردة، فإن التقديرات الإحصائية تكشف أن الأسرة العربية تنفق خلال شهر رمضان 3 اضعاف ما تنفقه في سائر الأشهر الأخرى، بمعنى ان ميزانية تسعين يوما تنفق في يوم30 فقط. وتورد بعض التقديرات الإعلامية أن الأسر المصرية على سبيل المثال فقط تنفق خلال أيام الشهر الفضيل مليار جنيه يوميا على الطعام والشراب وحده، أما الأسر الخليجية فترتفع لديها نسب الاستهلاك لتصل الى حوالي مائة في المائة حسب ذات التقديرات التي تشير الى انه يتم إلقاء نحو 60% من كميات الطعام التي يتم اعدادها في الدول العربية خلال شهر رمضان وان 75% من هذه الأطعمة يتم اعدادها للعزومات والولائم. إذن هنالك حالة نهم غريبة يعيشها المستهلكون في الدول العربية خلال شهر رمضان المبارك، بالمخالفة لمنطق الاقتصاد، وبالمخالفة لمنطق الدين في ذات الوقت، بل تعد نقيضاً مخالفاً لروحانيات الشهر الفضيل، الذي يدعو إلى الاعتدال والوسطية عوضاً عن الإسراف والتبذير.
نظام الأشياء
قد يكون المفكر الفرنسي جان بودريار من المثقفين الغربيين الذين يلتزمون النقد المستمر لمظاهر الأزمات المتعددة التي تنخر مسارات الحياة في الغرب، فهذا المفكر اكتشف كيف تختفي يقينيات الإنسان الغربي من تاريخ، وسياسة وقيم وعلامات، وقد حاول أن يفسْر ذلك.
كان سن جان بودريار أربعين عاما، سنة 1968 حين أصدر مؤلفه الأول نظام الأشياء، وهو المؤلف الذي فرضه باعتباره منظرا لمجتمع الاستهلاك والعلامات. حيث بين أن الأشياء تنتظم في نسق متماسك من العلامات يمكننا أن نفهم الاستهلاك انطلاقا منه، فقد أصبح الاستهلاك هو محور أخلاق العالم الغربي، وساهم في تحطيم الأسس التي يقوم عليها الكيان الإنساني، أي التوازن الذي حافظ عليه الفكر الأوروبي، منذ الإغريق. فجان بودريار يرى أن المجتمع الغربي يقيم توازنه على أساس الاستهلاك والاستهلاك، في نظره، نمط نشيط من العلاقة لا مع الأشياء فحسب، بل مع الجماعة والعالم. ومن هنا تنبني أسطورة جديدة، كما أوضح بودريار أن كلمة «علامة» كانت تشكل جزءا من اللغة الخشبية، ثم صارت مبتذلة مثل كلمة (لا شعور)، وهكذا اعتبر علم الاجتماع علماً يكرر نفسه، وواصل نقده للابتذال، وانحطاط المعنى من خلال الاعلام والدعاية غبر التلفزيون بوجه خاص. فمسافة النقد التي كانت تفصل الإنسان عن التلفزيون اختفت، ليصبح هذا الجهاز غير قابل للضبط شيئا فشيئا. فهو، في تقدير جان بودريار، جهاز يتحكم في كل علاقاتنا. وأن وسائل الإعلام كافة بما فيها وسائل الاعلام الاجتماعي، قد أصبحت مغناطيسية بوصفها كهرباء ثابتة، أي أنها تمتص كل كهرباء الاجتماعي والسياسي وتنفيها أو تعدمها بالكامل.
همس
هذا زمن للتصدير وللاستيراد
 تصدير الألفةِ
واستيراد الخوف
وما ينتجه عصر الخناس الوسواسْ.
أعرف أن الناس سواسيةٌ
 في الموت،
سواسيةٌ في التحديق إلى ضوء الشمس
 وفي التحديق إلى البحر
وفي استحلاب النكسة والإفلاسْ.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها