النسخة الورقية
العدد 11123 الأحد 22 سبتمبر 2019 الموافق 23 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:03AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:36PM
  • العشاء
    7:06PM

كتاب الايام

رابط مختصر
العدد 9583 الأحد 5 يوليو 2015 الموافق 18 رمضان 1436

هو التعبير الخليجي المعبّر عمّا هو اكثر من الأسف على الأشياء الغالية حين نفقدها. «حسافه» هو ذلك التعبير المعبّر عن الألم والتمزق الداخلي للروح والنفس حين يكون الفقد كبيراً وكبيراً.
وحسافه.. أقولها بغصة وأنا مثلكم أعيش زمناً أغبر دموياً لا يتردد في سفك الدماء وقد غدت أرخص من كل شيء حولنا.. حسافه قولاً وحسافه فعلاً على ما نرى وما نعيش وقد فقدنا كل شيء جميل واصبحنا ننام ونصحو على وقع الموت تفجيراً والموت ذبحاً والموت حقداً صديدياً ساماً سرى في أرواحنا قبل اجسادنا وغدونا خناجر وقنابل ومولوتوفات واحزمةً ناسفة وصواعق ومواد شديدة الانفجار.
حسافه على زمن انتهى ما كنا فيه نسأل عن دين أو مذهب أو ملة او طائفة هذا الذي يشاركنا اللعب في دواعيس وزرانيق «فرجان لوّل» ويشاركنا خبزنا وشربة مائنا وكرسي دراستنا في مدرسةٍ كالهداية نموذجاً بحرينياً في ذلك الزمن لتعايش الطوائف والمذاهب والفرجان والاحياء والمناطق.
وهكذا جميع مدارسنا البحرينية القديمة وهكذا كل احيائنا وفرجاننا تلاوين اطياف وفسيفساء أديان وملل ونحل وطوائف ومذاهب تعرف كيف تحبّ ولا تعرف كيف تكره او كيف تحقد حتى تفجر وتتفجر.
ظننا «وبعض الظن اثم» ان زماننا هذا متقدم ومتطور وعصري فإذا بنا امام زمن متوحش حتى النخاع. فأين زماننا الذي وصفتموه بالمتخلف يوماً من هذا الزمان الذي يقتل فيه الجار جاره.. حقيقةً حسافه علينا نحن الجيل الذي عاش في ذلك الزمن الجميل.
أعرفتم الآن لماذا نسميه «الزمن الجميل»؟؟
صحيح أنه زمن لم يكن يمتلك ما يمتلك زمنكم هذا من تكنولوجيا ومن وسائل اتصال بالعالم على مدار الساعة ومن هواتف ذكية تحمل من المواد ومن الاخبار ومن المعلومات ما لم يكن زماننا يحلم به. واكتفى بحلم امتلاك الراديو ثم الفونوغراف ثم جهاز التسجيل فقط لا غير.
لكنها اجهزة كنا نستمع فيها الى ما يرتفع بأرواحنا ومشاعرنا وما يرتقي بإنسانيتنا وكنتم وما زلتم تستخدمون آخر ما توصل له العقل البشري الجبار من اخترعات في أقبح وفي اخطر وفي اتعس التوحشات وأصبح عالمكم غابة تطارد فيه الطرائد بعضها بعضاً.. واصبحنا لا نملك سوى ان نقول من اعماق الروح «حسافه».
لم يكن زماننا يملك هذا الكمّ من المعلومات التي تملكونها في زمانكم لكنه كان يملك وعياً حصّنه وتحصّن به من أن يصبح مفترساً بآخر وسائل تكنولوجيا العصر.
كان الوعي في «الزمن الجميل» قادراً على ان يدرأ عنا وان يصدّ عن اطفاله وعن شبابه من ان يتحولوا الى قنابل موقوتة تفجر عن بُعد وتزرع في الطرقات الآمنة.
كان وعياً قادراً على ان يحمي وطنه ولا يتحول الى خنجر يطعن خاصرة الوطن أو ينادي الغرباء ليدخلوا «محتلين» لبلاده أو غزاةً ينتقمون من الماضي في الحاضر ويعيدون بناء امبراطوريتهم على جماجم أهل البلاد.
زماننا كان مسيساً حتى النخاع ولكنها سياسة وطنية لا يعلو فيها صوت على صوت الوطن.. وزمانكم «حسافه» مسيس طائفياً ومذهبياً لا تتورع ولا تردد فيه الطائفة من ان «تحتل» دواراً وتعلن فيه «جمهوريتها»..!!
ومن «الطبيعي» ان تتفجر في وضع كهذا كل اشكال التناحر الطائفي المحتملة وغير المحتملة لا سيما وان من قلنا له اعتذر حتى يمكن رتق الجراح قبل ان تتسع على الراتق ركب رأسه ومضى في صلف غروره.. فكان ما كان ولم نملك إلاّ ان نردد «حسافه» على زمن كنا قادرين فيه على ان نملك شجاعة وثقافة الاعتذار.
حسافه على زمن اخترقته الكراهية والطائفية واختطفت اجمل ما فيه وأروع ما في روحه ووجدانه واصبح زمناً ينام ويصحو على اخبار الموت والدمار وعلى تشريد الاطفال في الصقيع او في لظى النار.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها