النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11703 الجمعة 23 ابريل 2021 الموافق 11 رمضان 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:44AM
  • الظهر
    11:36AM
  • العصر
    3:07PM
  • المغرب
    6:05PM
  • العشاء
    7:35PM

كتاب الايام

لقاء فريد بين زعيم الهند وممثلي المسلمين

رابط مختصر
العدد 9583 الأحد 5 يوليو 2015 الموافق 18 رمضان 1436

 في حدث له دلالات كثيرة، وفي توقيت متميز يصادف إكماله للعام الأول له في السلطة، وقرب حلول شهر رمضان الذي يحتفل به مسلمو الهند البالغ تعدادهم نحو 18 مليون نسمة احتفالا متميزا، التقى رئيس الحكومة الهندية “ناريندرا مودي” في أوائل الشهر الجاري وفدا يتكون من 30 شخصا من زعماء مسلمي الهند وعلمائهم ومفكريهم بقيادة الامام “عمر أحمد إلياسي” الذي كان قد سـُجل عنه في مناسبات عدة مخاوفه من بعض التيارات السياسية الحليفة لرئيس الحكومة، والتي، بحسبه، كانت تسعى الى تخريب النموذج الهندي في الوقت الذي كان فيه مودي في ألمانيا يروج لخطة “صنع في الهند”، وهي أحد مشاريعه لوضع الهند في مقدمة الدول الصناعية المنتجة والمصدرة.
والحقيقة أنّ مخاوف الأمام وغيره من الزعامات الإسلامية طفتْ على سطح الأحداث منذ وصول مودي إلى السلطة في العام الماضي لأنهم اعتقدوا أن الرجل سوف يتربص بالمسلمين منذ اليوم الأول، ناهيك عن اعتقادهم بأن العديد من مكونات حزب “بهاراتيا جاناتا” الحاكم يؤمن أنّ الطريق بات ممهدا أمامه ــ طالما أن الحزب الحاكم يهيمن هيمنة طاغية على مقاعد البرلمان ــ لتغيير وجه الهند العلماني عبر الإعتداء على الجوامع والكنائس وبث الرعب في قلوب الأقليات والضغط عليهم لتغيير عقائدهم. لذا كان اللقاء المشار إليه مناسبة بالغة الأهمية ليؤكد فيها مودي أنه لا يؤمن بالسياسات التي تؤدي الى تقسيم الشعب الهندي وفق خطوط طائفية، وأنه لن يسمح لأي شخصية أو جماعة باللعب ببطاقة الهندوس والمسلمين، لأنه يؤمن فقط ببطاقة الهند الواحدة.
 استغرق اللقاء المذكور نحو ساعتين، وقد أجمعت كل المصادر على أنه كان اجتماعا فريدا من نوعه، ليس بسبب طول مدته، وليس لأن الحضور كان يمثل مختلف الطوائف والجماعات الهندية المسلمة فقط، بل وأيضا بسبب الطابع الحميمي الهادئ واللطيف الذي أسبغه مودي على اللقاء. فالأخير، الذي كثيرا ما لاحقته اتهامات بالتعصب القومي والانحياز للغالبية الهندوسية وخرق المبادئ العلمانية التي قامت عليها الدولة الهندية، لم يجلس في صدر القاعة على مقعد وثير ليستمع الى اعضاء الوفد أو يحاضر عليهم، وإنما راح يتجاذب الحديث معهم فردا فردا، بل قام وحضّر الشاي وقدمه لهم بنفسه. وربما أراد مودي من وراء هذه اللفتة التي لم تحدث من قبل في لقاءات أسلافه بزعماء المسلمين أن يُــذكر ضيوفه بأنه بدأ مسيرته العملية كبائع للشاي في كشك على رصيف إحدى محطات القطار، وبالتالي فإن الطريق ممهد لكل مواطن هندي أنْ يصل إلى قمة السلطة طالما آمن بالهند الديمقراطية العلمانية الفيدرالية الواحدة. أما الأمر الآخر الذي ربما أراده مودي من هذا الاحتفاء بمسلمي الهند فهو تبديد مخاوفهم من أي تهميش لهم، بل والتودد إليهم ليكونوا رافدا فاعلا من روافد حزبه. فطالما أنّ هناك تحالفا ما بين حزبه وحزب إسلامي صرف مثل حزب “الشعب الديمقراطي” لإدارة إقليم جامو وكشمير المتوتر، فلما لا يحدث مثل هذا التحالف والتعاون خارج كشمير أيضا؟ والمعروف أن مودي كان قد استبعد في أول حوار تلفزيوني له مع قناة “سي إن إن” الأمريكية فرضية تغلغل تنظيم القاعدة إلى الهند، معزيا السبب إلى وطنية المسلمين الهنود وولائهم واستعدادهم للموت فداء للهند، وقائلا:” أن من يعتقد أن مسلمي الهند سوف يرقصون على أنغام القاعدة فهو يعيش في وهم كبير”.
الامام عمرإلياسي صرح من جانبه بعد اللقاء أنّ مودي قال له: هذا وعد مني بأنْ أفتح لكم بابي في أي وقت تطرقونه، حتى لو كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة ليلا، لأني مسؤول عن كل مواطن هندي بغض النظر عن دينه وتوجهه السياسي، مضيفا أن مودي وعدهم بتحسين الخدمات التعليمية والصحية المقدمة لهم، ومطالبا إياهم باليقظة لتأمين أمن وإستقرار الهند ضد الجماعات الإرهابية التي قد تتسلل إلى البلاد من دول شرق أوسطية منفلتة أمنيا.
أما المشارك الآخر في اللقاء وهو المدرس “فيروز بخت” أحد أحفاد الزعيم الهندي المسلم الكبير “مولانا أبو الكلام آزاد” المعروف في تاريخ الهند المعاصر بوقوفه إلى جانب الزعيمين الكبيرين نهرو وغاندي ضد فكرة تقسيم شبه القارة الهندية، فقال أن مودي أكد للجميع أنه يعتبر نفسه رئيس الوزراء لكل مواطن هندي، وليس زعيما لطائفة معينة كالهندوس او السيخ او المسيحيين او البارسيين، مضيفا أن رئيس الوزراء شدد على أنّ التعليم والتثقيف الجيدين هما السبيل الوحيد لردع من يسعون إلى شق صف الوحدة الوطنية في الهند وإدخالها في المتاهات والاضطرابات الدموية والطائفية التي تعاني منها الدول الأخرى.
محصلة هذا اللقاء الفريد هي ما تداولته الصحف الهندية في اليوم التالي، وهو نفس ما أكد عليه ممثلو مسلمي الهند بعد خروجهم من عند مودي ومفاده أن الأخير زعيم قوي ويعرف كيف يدير الهند، وأن سنته الأولى في السلطة لم تكن بالسوء الذي توقعوه. بل أنّ أحد الزعامات الاسلامية الهندية المعتدلة وهو “مولانا محمود مدني”، الذي لم يتمكن من حضور اللقاء، أعرب عن سعادته بما تمّ، بل وعــّده خطوة مهمة ورسالة بليغة موجهة إلى باكستان تحديدا، مفادها أنّ عليها ألا تراهن على خيانة مسلمي الهند لوطنهم الأبدي، وألا تصفهم بالطائفة المقصية والمنبوذة تحت حكم مودي، فيما قال البروفسور المسلم في جامعة دلهي “والي أختر” أن الاجتماعات والتعهدات وحدها لا تكفي، ويجب تحويل الأقوال إلى أفعال، لكنه استدرك قائلا: “لقد تلاشت أخيرا الفجوة بيننا وبين مودي”.
ومثل هذا الموقف من زعامات مسلمي الهند تجاه مودي يختلف اختلافا جذريا عن موقفهم منه في عام 2011 حينما كان رئيسا للحكومة المحلية لولاية غوجرات. ففي تلك الأيام شنوا عليه حملة شعواء، بل وصفوه بالسياسي الهندوسي المحتقر للمسلمين لأنه رفض إرتداء الطاقية التي أهداها له أحد العلماء، وهي طاقية مشابهة لما يلبسه أهل الخليج تحت كوفياتهم، ويغطي بها مسلمو الهند رؤوسهم عادة أثناء صلواتهم، وأكتفى بلبس الشال الصوفي الذي قدم له مع الطاقية.
لاحقا تنبه البعض القليل العاقل أن ما فعله مودي كان تصرفا حكيما يؤكد به حياده إزاء جميع مكونات الأمة الهندية. وقد صدق أحد المعلقين وقتها حينما قال أنّ مسلمي الهند توقفوا فقط عند طاقية مودي، بينما الساسة الآخرون يخدعون الجماهير بارتداء وخلع الطاقيات يوميا دون أنْ يحاسبهم أحد، وذلك كناية عن تغيير هؤلاء لولاءاتهم ومواقفهم بحسب مصالحهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها