النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

رئيس تحرير.. وليس ساعي بريد

رابط مختصر
العدد 9580 الخميس 2 يوليو 2015 الموافق 15 رمضان 1436

فى أحد أيام الأسبوع الماضي، اختفى المقال اليومي الذي يكتبه على صفحات جريدة «الأهرام»- أقدم الصحف العربية - الكاتب والمفكر السياسى البارز د. أسامة الغزالي حرب.. وكان يمكن أن يمر الأمر ببساطة، فما أكثر الأسباب التي قد تحول بين الصحف وبين نشر إحدى زواياها الثابتة في موعده الذي تعودت أن تنشره فيه، كأن يكون الكاتب متعكر المزاج أو مريضا أو على سفر، أو أن تكون الإعلانات قد التهمت المساحة المخصصة لنشر المقال، أو غيرها من الأسباب التي استنتج القراء أنها تقف وراء اختفاء مقال أسامة الغزالي حرب في هذا اليوم وفي اليوم التالي له، لولا أنه ظهر في مسائه ليضع النقاط على الحروف، ويعلن أن «الأهرام» هي التي امتنعت عن نشر المقال في اليوم الأول وأنه هو الذي امتنع عن كتابة المقالة في اليوم التالي احتجاجا على ذلك.
وفي التفاصيل قال إن المسؤولين عن صفحات الرأي في «الأهرام» اتصلوا به بعد ساعات من إرسال المقال الممنوع، ليطلبوا إليه إرسال مقال آخر غيره، لأنه غير ملائم للنشر، ولما اتصل برئيس التحرير ليسأله عن السبب قال له إن المقال ينطوي على إساءة لأحد رؤساء الدول العربية، وان «الأهرام» حريصة على ألا تنشر ما يؤدي إلى التوتر في العلاقات بين هذه الدولة وبين مصر.. لكن «د. أسامة» لم يقر رئيس التحرير على رأيه، ولم يستجب لرجائه بأن يكتب مقالا آخر، واعتبر ذلك مصادرة لحريته في إبداء رأيه، رد عليها بالامتناع عن الكتابة في اليوم التالي.. وتضامن معه مقدم البرنامج التلفزيوني في احتجاجه على ما اعتبره عدوانا على حرية الرأي والتعبير، وأفسح له المجال لكي يلخص مضمون المقال الممنوع.
ومع أن «د. أسامة» استأنف في اليوم الثالث كتابة زاويته اليومية، إلا أن صحفا أخرى رأت أن تنضم لحملة التضامن معه، بأن تنشر نص المقال، تحت عناوين زاعقة من نوع «ننفرد بنشر مقال أسامة الغزالي حرب الذي صادرته الأهرام»، لتتسع حملة التضامن على صفحات التواصل الاجتماعي، التي لم تكتف بإعادة نشر المقال، بل أضافت إليه كذلك التعليقات الغاضبة والساخرة، وكل ما يلزم وما لا يلزم من «التحابيش»!
وسط الضجيج الذي أثاره اعتذار « الأهرام» عن نشر المقال، لم يتوقف أحد أمام الجانب القانوني والمهني والسياسي من القضية، ولم يسأل أحد نفسه - بما في ذلك د. أسامة الغزالي حرب وغيره من المشتغلين بالصحافة والإعلام - هذا السؤال المهني البسيط والبديهي: هل الصحف ملزمة بأن تنشر ما يكتبه لها كتابها من مقالات ومحرروها من تحقيقات ومندوبوها من أخبار بصرف النظر عن مضمونها؟ وهل رئيس التحرير والمسؤولون عن تحرير أقسام الجريدة المختلفة، هم مجرد سعاة بريد، كل مهمتهم أن ينقلوا للقارئ ما يكتبه هؤلاء، من دون أن يقرؤوه أو يراجعوه، لكي يتأكدوا من صلاحيته للنشر أولا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما الضرورة لأن يكون للجريدة رئيس تحرير أصلا، ولماذا لا تستبدله الصحف وغيره من المسؤولين عن تحرير أقسامها المختلفة، بفريق من سعاة البريد، كل مهمتهم أن يسلموا ما يصل للجريدة من مقالات عبر البريد العادي أو الإلكتروني أو الفاكس إلى الفنيين المختصين بصف الحروف، لتصل إلى القارئ مباشرة؟
ما أعرفه، ويعرفه كل مشتغل بالصحافة والإعلام، هو أن رئيس التحرير هو المسؤول قانونيا عما ينشر في صحيفته من مواد، إذا انطوت على إحدى جرائم النشر، كالسب والقذف أو التحريض على العنف أو الطعن في أعراض الآخرين أو انتهاك حقهم في الخصوصية، وغير ذلك مما يعتبره القانون جرائم. وكان القانون المصري - حتى أعوام قليلة مضت - يعتبره شريكا في المسؤولية مع كاتب أو محرر الخبر، ثم اقتصرت مسؤوليته على الأخبار والمقالات والموضوعات التي لا يوقعها صاحبها باسمه، إذا لم يرشد عنه، أو لم يتقدم كاتب الخبر أو المقال ليعترف من تلقاء نفسه بمسؤوليته عنه، ولا تزال المسؤولية الافتراضية لرئيس التحرير عما ينشر في صحيفته قائمة في كثير من القوانين ذات الصلة بالصحافة والإعلام في كثير من الدول العربية حتى الآن.
ورئيس التحرير هو المسؤول مهنيا عن الأخطاء التي قد تقع في صحيفته إذا ما نشرت خبرا ثبت فيما بعد أنه كاذب، أو قامت بحملة منظمة تستند إلى معلومات خاطئة أو وثائق مصطنعة أو مزورة أو تخفي وراءها أهدافا خاصة لكاتبها أو منظمها، كالانتقام أو الابتزاز وغيرها من الدوافع الشخصية إذ الأساس في كل ما تنشره الصحف أنه يستهدف الدفاع عن مصالح عامة، وهو يفرض عليه وعلى معاونيه المشرفين على أقسام الجريدة، أن يراجعوا كل موادها قبل النشر لكي يتأكدوا من صحتها ومن دقتها، ومن أنها لا تنطوى على جريمة، أو خروج صارخ على أدبيات المهنة وأخلاقياتها ومواثيق الشرف المهنية المتعارف عليها.
وهناك دائما مساحة مشتركة بين الكاتب والصحيفة التي ينشر فيها آراءه، وإلا ما كلفته بالكتابة لها إذا كان من خارج المتفرغين لتحريرها، ولما قبل هو التكليف إذا كان يرى أن سياسة الجريدة تتناقض بشكل جذري مع آرائه وفي هذه المساحة المشتركة يتعاون الطرفان.. فمن حق الكاتب أن يختلف مع غيره من كتاب الصحيفة ذاتها في آرائهم، بما في ذلك ما قد يكتبه رئيس تحريرها، ومن حق الصحيفة مختارة أو مضطرة، أن تعتذر عن نشر مقال بذاته مما يكتبه لأسباب قد تقوم لديها، أو أن تستأذنه في حذف أو تعديل بعض عباراته، لأنها توقعها تحت طائلة القانون، أو تضر بعلاقاتها أو بمصالحها، أو تشكل خروجا جذريا عن سياستها التحريرية، وله أن يقبل أو يرفض، أو يشترط نشر المقال كاملا، أو حذفه كاملا.. ومن حقه في هذه الحالة أن يدفع بالمقال إلى جريدة أخرى لنشره، دون أن يشير - أو تشير - لاعتراض جريدة أخرى على نشره!
أما الذي لا أشك فيه، فهو أن «د. أسامة الغزالي حرب»، لو كان قد تولى رئاسة تحرير «الأهرام»- التي رشح لها أكثر من مرة - لفعل ما فعله «محمد عبدالهادي علام» - رئيس تحرير «الأهرام» الحالي - وليمنع مقالا له، لأنه رأى أنه لا يتماشى مع سياستها التحريرية، أو مع تقديرها للمصالح المصرية، وهو ما فعلته أنا نفسى، عندما كنت أتولى رئاسة تحرير «القاهرة» عندما اعتذرت عن نشر مقال لأحد كتابها، لأسباب قدرتها، ومع أنني شرحتها له بإفاضة، فقد تجاهل أنني نشرت له قبل ذلك عشرات المقالات التي كانت تختلف مع آرائي، فقد أسرع بنشر المقال الممنوع في صحيفة أخرى، تحت عناوين بارزة تقول: «المقال الذي رفض فلان نشره» فقررت وقف نشر مقالاته وقلت للصديق المشترك الذي راجعني في القرار: لقد اعترفت له بحقه في الخلاف معي عشرات المرات، ولكنه صادر حقي في الخلاف معه لمرة واحدة، لأنه يصر على أنني ساعي بريد.. وأنا أصر على أكون رئيس تحرير.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها