النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

إبراهيم شريف هل ينجح في إنجاز المراجعات المطلوبة؟

رابط مختصر
العدد 9579 الأربعاء 1 يوليو 2015 الموافق 14 رمضان 1436

كان لافتا ما صرح به السيد إبراهيم شريف من “استعداده لبناء جسور التواصل والتفاهم داخل البيت المعارض والأطراف الأخرى”. وبغض النظر عن تفاصيل ما ورد في تصريحات السيد شريف عن رؤيته لحل الازمة السياسية (لان ذلك يبقى ضمن وجهة النظر الحرة) فإن الاستعداد للعب دور (الوسيط) داخل المعارضة وبينها وبين الجهات الأخرى، في حد ذاته يؤشر الى امرين مهمين:
- أن فترة السجن بعذاباتها، قد كانت فرصة لإنجاز مراجعات فكرية وسياسية على صعيد مكونات المعارضة السياسية، قد يكون السيد شريف مؤهلا أكثر من غيره للاضطلاع بها داخل البيت المعارض على صعيد ما استقر عليه الرأي.
- أن شريف ومن ورائه قسم من المعارضة يبحث عن مخرج او افق جديد للحل السياسي في ضوء جمود الوضع الحالي، وهو ما يقتضي الحوار مع جميع المكونات السياسية، بمن في ذلك المكونات الوطنية الأخرى خارج المعارضة، وقد تكون مثل هذه الاتصالات والحوارات (غير المؤطرة رسميا) ذات طابع تمهيدي لبلورة رؤية وطنية توافقية تعزز فكرة المصالحة التي تفضي إلى المصالحة في النهاية.
إلا أن هذه المصالحة يتوجب ان تمس الرؤية والفكر والممارسات في ذات الوقت، بما يستدعي عمل مراجعات حقيقية لمجمل الرؤى والأفكار والممارسات التي سبقت وواكبت وأعقبت الازمة، تمهيدا لإعادة الانطلاق من أفق سياسي أكثر اعتدالا وواقعية، وأكثر استقلالا عن الاجندات الخارجية التي كان من الواضح انها كانت حاضرة بقوة مستفزة إبان الازمة.
هذه المراجعة التي تأتي من واقع التجربة المريرة، باتت ضرورة سواء على صعيد مراجعات ممارسات اليسار، وإن على صعيد ممارسات المعارضة ككل، وهي ليست غريبة عن الثقافة السياسية الإسلامية او اليسارية او القومية، فقد شهد عقد التسعينيات من القرن الماضي مراجعات واسعة بين أوساط اليساريين كما بين أوساط التيارات الإسلامية والقوميين واليساريين، حيث شهدنا نكوص العديد من المثقفين اليساريين عن أطرهم الفكرية في اتجاهات عدة، أبرزها نحو الاتجاه الإسلامي، إذ وجدوا في الإسلام السياسي طوق نجاة يمدهم بـ (العقيدة الفكرية) التي يقتاتون عليها، فالبنية الشمولية واحدة (جوهرياً) وإن اختلفت أشكالها (ظاهرياً). وفي بعض الأحيان، كان ثمة تحولات فكرية باتجاه التيار الليبرالي لدى مفكرين ومثقفين وجدوا في هذا النموذج قدرة أكبر على النجاح، لأنه يفتح ممكنات التطور الديموقراطي، بعيدا عن مجرد القبول بالاحتلال الأميركي لبلدان عربية بدعوى فرض الديموقراطية، كما جرى في العراق وحاول البعض تبريره.
وعلى الصعيد المحلي تزامنت عودة الحياة البرلمانية مع صدور قانون مباشرة الحقوق السياسية وقانون الجمعيات السياسية ضمن المشروع الإصلاحي لجلالة الملك، مع نشوء الجمعيات السياسية بكافة اشكالها، وتزامن ذلك منذ البداية مع ظهور وتبلور تحالف معلن بين قسم من اليسار وقسم من الإسلاميين، محوره (الدستور والمشاركة السياسية)، وبما أن الإسلاميين ينظرون إلى الصراع خارج إطار الزمان والمكان، ومن ثم يختزلونه في قوالب معدة مسبقا، يقع إسقاطها بطريقة قسرية على الواقع، كان من الطبيعي الوصول الى عجز في التشخيص والمقاربة تجاه الواقع فالديمقراطية على سبيل المثال نظر إليها في أحسن الحالات على أساس أنها مطية للوصول الى السلطة، ولذلك كانوا يتصرفون كما أنهم غزاة فاتحين وليس كطرف وطني مشارك في البناء الوطني الديمقراطي المبني على التوافق وعلى القبول بحلول وسط وطنية مرحلية، ولذلك كانت المواجهة مع المؤسسات القائمة حتمية لا مفر منها بالنسبة إليهم، ولأن قسما مهما من اليسار قد فضل الالتحاق بهؤلاء، استنادا الى امتلاكهم لقاعدة جماهيرية واسعة، فقد كان عليه ان يختار ذات التمشي الراديكالي، بل ويفقد تدريجيا حتى مجرد طابعه اليساري الذي اختفى تماما وسط التحشيد والشعارات السياسية الكاسحة حول التسقيط والرحيل والتي انتهت بإعلان الجمهورية الإسلامية.
وكما أن التدين كأسلوب حياة ليس بغريب عن الذات، لكن أشكال التدين المصبوبة في قوالب نهائية وغير قابلة للمراجعة حتى ولو كانت من صنع البشر تصبح توظيفا مجحفا للمقدس لتحقيق أغراض دنيوية ضيقة، كذلك وقع اختزال الصراع في أطره الضيقة واللاعقلانية، وبالتالي وقع تجييش قسم مهم من المجتمع في مواجهة جذرية وشاملة مع الدولة وحتى مع قسم اخر من المجتمع (ولا يفيد هنا الانكار لأن التاريخ سوف يذكر ان تلك المواجهة لم تكن تهدف الى الإصلاح السياسي كما أدعي فيما بعد، لأن هذا الإصلاح كان قائما بشكل او بآخر وانما كان هدف الحراك الرئيسي اسقاط الدولة برمتها).
وإذن فإن أول مهام المراجعة والمصارحة يجب ان تدور حول مراجعة الأفكار الجذرية (الناجمة في مجملها ومرجعياتها عن تواجد عناصر راديكالية داخل المعارضة، ما تزال تتحدث عن الانقلاب والاسقاط، وتمارس العنف اليؤومي، ان على صعيد الرؤية السياسية وان على صعيد الممارسة)، بما يستدعي إعادة النظر في هذه التركيبة المشوهة التي تجمع رؤى لا يمكن في الحقيقة الجمع بينها دون ان يؤدي ذلك إلى التباس وخلط للأوراق واثارة الشكوك حول اهداف المعارضة وفكرها. هذا إضافة الى تجنب فرض الوثائق والأوراق التي ما تزال تثير شكوك وارتياب المكونات السياسية الوطنية الأخرى – فضلا عن السلطة-والانطلاق – بالعكس من ذلك-بداية -من المبادئ الجامعة التي جاء بها ميثاق العمل الوطني كمرجع موحد ومحل اجماع وطني، والعمل من خلاله وفي اطاره على تطوير الحياة السياسية ضمن افق ديمقراطي وطني مدني. ويمكن من خلال تلك الثوابت، وانطلاقا منها جمع كل من يؤمن بها وكل من يعتبرها مرجعية أساسية، حول حوار وطني او نقاش سياسي يراد من وراء الجمع لا التفريق.
أما على الصعيد اليساري، فنعتقد أنه من المهم والحيوي أن يتولى السيد إبراهيم شريف الدعوة الجادة إلى ضرورة مراجعة التحالف مع القوى الدينية- الطائفية، بالبحث عن افق تقدمي ديمقراطي حقيقي جامع، ومكوناته موجودة على الأرض، واعتقد ان هذا الامر هو الأهم والأبقى، ولعله سيكون الإنجاز الأبرز لشريف إذا ما نجح في تحقيقه، بوضع أهم التوجهات الداعمة للعمل المشترك بين جميع القوى اليسارية، من خلال برنامج العمل اليساري التقدمي، ارتباطا بمفاهيم واولويات أساسية، مثل مدنية الدولة والعدالة الاجتماعية طريق الديموقراطية التعددية، والدفاع عن حقوق المرأة والحريات العامة والخاصة والتنوع واحترام حقوق الانسان، وهو القدر المشترك الذي يمكن ان ينهض عليه أي عمل جبهوي لبناء جبهة شعبية ديمقراطية تقدمية، تدعم الإصلاح وتعزز الاستنارة وتدافع عن الإنجازات التي تحققت، وترفض الطائفية والتسلط والتدخل الخارجي، ويمكن ان تتحول الجبهة التقدمية الديمقراطية مرحليا الى قوة اقتراح ونقد بناء، دون ان تكون في حاجة الى الاستظلال بمظلة التيارات الدينية التي لها اجندات غير ديمقراطية على الصعيد السياسي واجندات لا ترتبط بالعدالة الاجتماعية على الصعيد الاقتصادي-الاجتماعي، فضلا عن ان لها منظورا ما وراء وطني (بمرجعية طائفية) على صعيد الرؤية والتحالفات. إنها مهمة صعبة ولكنها تاريخية وحيوية نتمنى ان ينجح شريف في تحقيقها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها