النسخة الورقية
العدد 11181 الثلاثاء 19 نوفمبر 2019 الموافق 22 ربيع الأولى 1441
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:36AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    4:47PM
  • العشاء
    6:17PM

كتاب الايام

ذاكرات الاحتراب.. لماذا تخاف الطائفية الوطن وتستبعد المواطنة؟!

رابط مختصر
العدد 9577 الإثنين 29 يونيو 2015 الموافق 12 رمضان 1436

لا تشكل طبيعة النسيج المجتمعي في البحرين استثناءً لما هو سائد في أغلب بلاد العرب، ف القاعدة هي التعدد الاجتماعي بكل أبعاده وأشكاله التي تتميز بالتنوع والتعقيد لماهيات إثنية ودينية وطائفية تتعايش منذ قرون في نوع من الانسجام والصفاء في الزمان والمكان، مع انتماء إلى نمط عيش وتاريخ مشترك ضمن شراكة وطنية تكرست تحت مظلة الدولة الوطنية. وبالرغم من حقائق الاختلاف وحجم الخصوصيات، فإن هذا الأمر يتأتى من الحقائق التاريخية والجغرافيا والمجتمع، ومن التصاقها بحركة تاريخ الناس في المكان والزمان، بما يجعلها في تقاطع تام مع تاريخ الأوهام، الذي تصول وتجول فيه النزعات الطائفية والتي تعلن صراحة أو سرا لمريديها وجمهورها عن وجود تمايز وأسوار وذاكرات الاحتراب..
بالرغم من أن الجميع يعلن أنه ضد الطائفية وأنه ليس طائفيا، وانه عدو لدود للطائفية، لكن الكثير من هؤلاء المعلنين، لا يفعلون-في الواقع-شيئا سوى أنهم يكرسون الطائفية بكل تلويناتها، بدءا باللغة والشعارات، مرورا ووصولا للأفعال، في حين أن الوطن لا يحتمل ولا يطيق منافسة الطائفة له، لان الطائفية كفكر وكممارسة إذا ما ترسخت وحلت محله ضاع، إنها تنفيه لتشيِّد عالمها الخاص مكانه في هيئة مناوشات وشعارات وحروب تدميرية عقيمة وصراعات مفتعلة. وعليه فإن المؤذنين لفظيا بمعاداة الطائفية واللاعبين في ملعبها- مهما كانت مواقعهم وطوائفهم-هم اخطر على الناس والوطن من أولئك الذين يعلنون صراحة وبوضوح بأنهم طائفيون وأنهم يريدون اقتسام الوطن وموارده ومناصبه بناء على المحاصصة الطائفية، فلا مجال، والحال هذه، لأية حلول تلفيقية تخترع توازنات وهمية وبدائل ذات مسميات محايدة شكلا تغطي بها جوهرها الأيديولوجي المتخفي، فمهما أطلق الطائفيُّ على نفسه من مسميات سياسية، إسلامية او قومية او يسارية او ليبرالية، فهو في النهاية يرفض البديل الديمقراطي الحقيقي الذي جوهره التعددية الفكرية والتسامح والقبول بحتمية العيش المشترك، واحترام القانون وما اجمع عليه الناس في انتخابات حرة ونزيهة، وإن الخطر الحقيقي يتأتى من هذا النوع من الازدواجية التي تقوم بإعداد الناس والبرامج والتحالفات لأنواع من الاحتراب، من خلال بناء “عقيدة” استعلائية – تطهيرية، تصنف الآخرين “عدوا” ولا ترى الحاجة إلى أي نوع من الشراكات الوطنية، وبالتالي تحارب أول ما تحارب المواطنة، باعتبارها عدوا لدودا للطائفية، وعندما تنجح في ذلك مستندة إلى استحضار الرموز التاريخية والدينية والثقافية والفلكلورية التي تفرق، مستبعدة كل ما يجمع الناس، فإنها تدخل في صراع شامل مع جميع المكونات التاريخية للوطن، وأمامنا في العراق شاهد حي على النتائج المريرة لمثل هذا التوجه (حيث تؤدي الطائفية السياسية الى الاحتراب وإلغاء الاخر حرثا ونسلا ووجودا من خلال منطق التطهير، ومن قبله المثال اللبناني الذي عجز فيه فرقاء الطوائف بعد مرور عام كامل و35 جلسة برلمانية عن إعادة انتخاب رئيس للجمهورية ( وهكذا تأكل الطائفية الديمقراطية).
ان الايدولوجيا الطائفية التي يتم تسويقها تحت عناوين ديمقراطية مزيفة تنهض على الأوهام التي عادة ما تكون الدافع وراء المواقف والقرارات التي تحدد العلاقات الاجتماعية، ولذلك يضيق مجال العقل ويضعف تأثيره، وهذا ما يلحظه بوضوح كل متتبع للفكر الطائفي عندنا – هذا إذا ما صحت تسميته بالفكر أصلا- فهو لقصر نظره وسطحية تشخيصه لأمور السياسية والاجتماعية ادعاؤه أن تحقيق المساواة بين الطوائف في إطار الدولة هو الطريق الوحيد إلى بناء الديمقراطية، مع أن اعتماد منطق التوزيع الطائفي في كافة جوانب الحياة لا يؤدي إلى الديمقراطية، لأن الديمقراطية مساواة بين مواطنين، في حين أن الطوائف تعتبر تعدياً على مجال نشاط الدولة ومسؤولياتها وعلى مجال الاختيار الفردي الحر للمواطن.

إن النظام المدني الديمقراطي وحده هو الذي يفسح المجال أمام صراع الأفكار والاتجاهات السياسية بشكل سلمي ومتطور يقوم على الحوار، في حين أن الطائفية تقمعها وتمنع نموها وتطورها،

والحقيقة التي لا مراء فيها أن الديمقراطية لا تتحقق إلا في مجتمع يتساوى أفراده أمام الدولة والقانون، والشرط الضروري لهذه المساواة هو إلغاء كل وسيط بين الفرد والدولة، هذا الوسيط هو الطائفة في المجتمع الذي ينظم نفسه على أساس الطوائف، وفي مثل هذا المجتمع لا تتعرف الدولة على الفرد إلا كعضو في الطائفة، والفرد يكون انتماؤه للدولة (الوطن) من خلال الطائفة، وتكون فرديته من الناحية القانونية والاجتماعية ناقصة، كما يكون انتماؤه الوطني ناقصاً، وفي غياب الإرادة البشرية ليس هناك مجال للحرية والديمقراطية، وحينذاك لا يكون هناك وطن، بل فئات اجتماعية تشكل مؤسسة، تسمى دولة، لكنها مؤسسة مهددة و معرضة للانهيار والانقسام في أي لحظة، وفي أو امتحان أو مواجهة أي تحد حقيقي.
إن تحقيق المساواة بين الطوائف في إطار الدولة لا يؤدي إلى الديمقراطية، لأن الديمقراطية مساواة بين أفراد وليست بين طوائف. فالطوائف كمؤسسات ذات كيان سياسي واجتماعي وحقوقي تشكل تعدياً على مجال نشاط الدولة ومسؤولياتها وعلى مجال الاختيار الفردي.
إن الوعي بمخاطر الطائفية والفكر الطائفي والمنطق الطائفي لا يكفي وحده لتجاوز مخاطرها، بل يجب أن يتم بذل جهد وطني تشاركي لمنع انتقال تأثير هذا الخراب إلى عقول الناس، وخاصة الناشئة، ودعوة الطائفيين – المكشوفين منهم والمتسترين-أن يكفوا عن اللعب بالجمر من خلال برامج الخراب التي تقوم عليها أحزابهم وجمعياتهم، وذلك لان الخيار بين الطائفية والوطن هو بالضبط الخيار بين الحياة والموت.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها