النسخة الورقية
العدد 11036 الخميس 27 يونيو 2019 الموافق 24 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:06PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

«صوموا تصحوا».. نظرة طبية

رابط مختصر
العدد 9575 السبت 27 يونيو 2015 الموافق 10 رمضان 1436

شجعتني ردود فعل مقالي الأسبوع المنصرم عن ضرورة تجديد خطابنا الدعوي ليتواءم مع العلم الحديث بمناسبة قدوم شهر رمضان الكريم، أن نستكمل الموضوع معاً هذا الأسبوع لنبين أن القرآن الكريم سبق الاكتشافات العلمية لأكثر من 14 قرناً من الزمان، فسور القرآن وآياته أعلمتنا بمعجزات علمية كبيرة، ولكن العلم الحديث فسرها لنا بتطوراته على مر التاريخ، وكنا كشفنا في المقال السابق عن حقائق علمية في القرآن الكريم لا يقدر عليها أي جهاز كمبيوتر في العالم مهما كانت براعته ودقته وحداثته.
وأود بداية، أن أشكر علماءنا وخطباءنا وشيوخنا الأجلاء الذين تحدثوا معي بعد نشر المقال السابق عن ضرورة الأخذ بالعلم وندعو للإسلام به، فديننا الحنيف دين محبة وسلام ووئام وحب، وكل هذه الأوصاف جاءت من كلمة «سلام»، وإذا كان هذا هو مقام ديننا في أمورنا الحياتية والدنيوية، فمقام الإسلام والقرآن الكريم علمياً عظيم الشأن أيضا.. فهو مدرسة علمية تتواءم مع العصر الذي نعيشه اليوم وأمس وغداً، فبالتأكيد سيكشف لنا العلم الحديث مكنون آيات كثيرة في القرآن الكريم عجز العلماء في الماضي التوصل الى تفسير لها.
وكما فعلنا الأسبوع الماضي، سنتطرق الى الفوائد الطبية للصوم، وهي كثيرة ولا يكفي مقالاً واحداً لسردها، إنما مجلدات، ولعلنا نبدأ بقوله تعالى في كتابه الكريم [ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ] (البقرة 183) ويقول جل وعلا [ وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون] (البقرة 184) .. وقد فسر العلم الحديث قوله تعالى [ وأن تصوموا خير لكم ]، فالطب الحديث لم يعد يعتبر الصيام مجرد عملية إرادية يجوز للإنسان ممارستها أو الامتـناع عنها، لأن  الدراسات العلمية والأبحاث الدقيقة أثبتت أن جسم الإنسان ووظائفه الفسيولوجية تتحسن بالتزامن مع الصيام، فهو ظاهرة طبيعية يجب للجسم أن يمارسها حتى يتمكن من أداء وظائفه الحيوية بكفاءة. وكشف العلم الحديث أن جسم الإنسان يتطلب بالضرورة أن يمارس عملية الصيام، فهو مفيد لصحته تماماً كالأكـل والتنفس والحركة والنوم، فكما يعاني الإنسان بل يمرض إذا حرم من النوم أو الطعام لفترات طويلة، فإنه كذلك لا بد أن يصاب بسوء في جسمه لو امتنع عن الصيام.  
وأمامنا في طبيب الأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لعبرة، فقال في حديث رواه النسائي عن أبي أمامة «قلت: يا رسول مرني بعمل ينفعني الله به، قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له» وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه الطبراني «صوموا تصحوا». وهنا نعود أيضا للعلم الحديث واكتشافاته المذهلة التي تؤكد لنا عظمة الإسلام والقرآن الكريم.  فالصيام يساعد الجسم على القيام بعملية الهدم التي يتخلص فيها من الخلايا القديمة وكذلك الخلايا الزائدة عن حاجته، ونظام الصيام المتبع في الإسلام - والذي يشتمل على الأقل على أربع عشرة ساعة من الجوع والعطش ثم بضع ساعات إفطار - هو النظام المثالي لتنشيط عمليتي الهدم والبناء. هذا بعكس ما كان يتصوره الناس من أن الصيام يؤدي إلى الهزال والضعف، بشـرط أن يكون الصيام بمعدل معقول كما هو في الإسلام، حيث يصوم المسلمون شهراً كاملاً في السنة ويسن لهم بعد ذلك صيام ثلاثة أيام في كل شهر كما جاء في سنة النبي صـلى الله عليه وسلم فيما رواه الإمام أحمد والنسائي عن أبي ذر رضي الله عنه: «من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر، فأنزل الله تصديق ذلك في كتابه [ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ]، اليوم بعشرة أيام».
نعلم جميعاً أن الصيام عبادة كتبها الله عز وجل علينا كما كتبها على الذين من قبلنا، وغاية الصيام مثله مثل سائر العبادات المفروضة على الذين أمنوا، هي تهذيب النفس الإنسانية بالطاعة والخضوع إلى خالقها، وتحفيز الطاقة الروحية التي تكبح طاقة المادة والشهوات. ومن الناحية الطبية والعلمية، فاللصيام فوائد جمة لجسم  الإنسان، ولهذا قال الله تعالى عن صيام شهر رمضان [ وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون] (البقرة 184). فالتفسير العلمي للآية، هو ربط فوائد الصيام ونتائج تطبيقه بالعلم، وهذا العلم  دائما في تطور، فكلما تطور العلم، وخاصة العلوم الطبية، تنكشف أمامنا الحقائق العلمية المؤكدة عن فوائد الصيام، بما له من حقائق علمية وفوائد صحية. ويؤكد الأطباء خطأ ممارسات البعض منا الذين يقضون ما بين وقتي المغرب والفجر في التهام الطعام والشراب بما يملأ المعدة ويصيبها بالتوعك، فما يعتقده هؤلاء بأن هذا الطعام سيمنحهم القوة في اليوم التالي هو أمر خاطئ تماماً، فالصيام لا يضعف المجهود البدني أو يؤثر على النشاط، وبالتالي ليس مطلوباً منا قضاء  معظم النهار في النوم والكسل.. فكل هذه المعتقدات ترجع على الجهل العلمي بطبيعة الصيام وفوائده الأكيدة، لأن الحقائق العلمية والأبحاث الطبية تكذب كل هذه المعتقدات.
 فالصيام المثالي، أي التعجيل في وجبة الإفطار والحفاظ على وجبة السحور ثم الاعتدال في الحركة والنشاط أثناء الصيام، لا يسبب أي ضرر للجسم البشري، لأن الذي يتوقف أثناء الصيام هما الهضم والامتصاص وليست التغذية، فخلايا الجسم تعمل بصورة طبيعية، وتحصل على جميع الاحتياجات اللازمة لها. ويتيح الصيام تمثيلاً غذائياً فريداً، لأنه يشتمل على مرحلتي الهدم والبناء، فبعد وجبتي الإفطار والسحور، يبدأ البناء للمركبات المهمة في الخلايا، وتجديد المواد المختزنة، التي استهلكت في إنتاج الطاقة. وتؤكد الحقائق العلمية والأبحاث الطبية أنه بعد فترة امتصاص وجبة السحور، تبدأ عملية الهدم، فيتحلل المخزون الغذائي من الجيلكوجين إلى سكر الجلوكوز الذي يعتمد عليه بشكل خاص المخ البشري وخلايا الدم الحمراء والجهاز العصبي، وتتحلل الدهون لتمد الجسم بالطاقة اللازمة أثناء الحركة والنشاط في نهار الصيام.
 وللصيام علاقة قوية بالطاقة أيضا، فأثبتت التجارب العلمية أن العطش أثناء الصيام يسبب إفراز جرعات، تتناسب وقوة العطش، من هرمونين  يسببان تحلل الجليكوجين الى سكر الجلوكوز مما يساعد في إمداد الجسم بالطاقة، خصوصا في نهاية اليوم. كما يساعد العطش في زيادة  إفراز الهرمون المضاد لإدرار البول طول فترة الصيام في شهر رمضان الذي يكون له دور مهم في تحسين القدرة على التعلم وقوة الذاكرة، ولذلك فإن القدرة العقلية قد تتحسن عند الصائمين، بعكس ما يعتقد الناس.
وكذلك تعتبر الحركة أثناء الصيام، عملاً إيجابياً وحيوياً يزيد من كفاءة عمل الكبد والعضلات، ويخلص الجسم من الشحوم، ويعمل على تنشيط التمثيل الغذائي، وتقديمه للإنسجة التي تعتمد عليه كالمخ والجهاز العصبي. ويتأكد لنا هنا أن الحركة تنشط  جميع عمليات الأكسدة لكل المركبات التي تمد الجسم بالطاقة. ونخلص من هذا أن الكسل والخمول والنوم أثناء نهار شهر رمضان تعرقل  حصولنا  على كل هذه الفوائد، بل قد تصيبنا بكثير من العلل وتجعلنا أكثر خمولاً.
ونحن نتحدث عن العلم والأبحاث الطبية،علينا أن نشير أيضا الى كيف يساهم الصيام في وقاية الجسم من كثير من الأمراض، حيث يقوي جهاز المناعة في الإنسان عن طريق تحسين المؤشر الوظيفي للخلايا الليمفاوية عشرة أضعاف، وزيادة نسبة الخلايا المسؤولة عن المناعة النوعية، وزيادة نسبة بعض أنواع الأجسام المضادة. كما يقي الجسم من تكون حصوات الكلى، ويحقق راحة فسيولوجية للجهاز الهضمي وملحقاته.
إن شهر رمضان يأتي لنا مرة واحدة كل عام، فنحن نشعر بهالته وروحانياته الجميلة، ونريد أيضا أن ننهل من فوائده الصحية،  لنتقرب اكثر الى الله.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها