النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

رائد الطباعة والمطابع في الإمارات

رابط مختصر
العدد 9574 الجمعة 26 يونيو 2015 الموافق 9 رمضان 1436

يعود تاريخ تأسيس المطابع في بلاد الشام إلى عام 1732م وفي مصر إلى عام 1833، إلا أن ظهور المطابع في منطقة الخليج العربي والجزيرة العربية تأخر إلى عشرينات القرن العشرين، حيث ظهرت أول مطبعة في المنامة في عام 1913 على يد الحاج أحمد بن عبدالواحد فلامرزي وشريكه الحاج ميرزا علي جواهري وكانت تدعى المطبعة الحجرية، وتلاها في عام 1934 ظهور مطبعة أخرى في المنامة بآلات حديثة هي مطبعة البحرين لصاحبها الشاعر والتاجر والمصلح عبدالله الزايد. وفي وقت متزامن تقريبا ظهرت المطبعة السلفية في مكة المكرمة، وكانت فرعا من المطبعة السلفية في القاهرة لصاحبها محب الدين الخطيب. أما تاريخ ظهور أول مطبعة في الكويت فيعود إلى عام 1928 على يد عبدالعزيز الرشيد. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بعد هذه المقدمة هو "أين كان الخليج يطبع كتبه قبل ظهور المطابع فيه؟"
الجواب هو أن أوائل المؤلفات الخليجية خرجت من مطابع إسلامية في مدينتي بومباي وحيدر آباد الهنديتين اللتين كانتا مقصد الخليجيين للتجارة والترويح والعلاج والتحصيل العلمي وخلافه. حيث طبعت في هذه المطابع، ولاسيما مطبعة عبدالمنعم العدوي والمطبعة الحجازية في بومباي ومطبعة الجامعة العثمانية في حيدر آباد أول خارطة مطبوعة لمغاصات اللؤلؤ في الخليج في عام 1914، وأول مؤلف عن مغاصات اللؤلؤ للشيخ مانع بن راشد المكتوم بعنوان "خريطة الخليج لمغاصات اللؤلؤ بين السواحل العربية والفارسية" في عام 1939، وأول كتاب عن أوزان اللآلئ وأصنافها لمحمد عطا الله القاضي في عام 1928 تحت عنوان "اللآلئ". كما طـُبع في الهند في عام 1913 أول كتاب خليجي عن مناسك الحج والعمرة على نفقة محمد بن عبدالله المدفع تحت عنوان "الغرر النصائح، الجالبة لكل قلب عن السبيل جانح، وتشوقه إلى حج بيته إذ منْ أمــّه فهو الرابح". وفي بومباي أيضا تمت طباعة أول كتابين في عهد الدولة السعودية وهما كتاب "عقد الجواهر" في عام 1918، وكتاب "تحفة الناسك" في عام 1925 .
والملاحظ أن ظهور المطابع في الإمارات تأخر كثيرا مقارنة بدول الجوار الخليجي. ويعزو الصديق الباحث الإماراتي الاستاذ عبدالله الطابور السبب ــ طبقا لما ورد في الصفحة 183 من كتابه "رسائل الرعيل الأول من رواد اليقظة في الإمارات" ــ هذا التأخير إلى تأخر دخول الكهرباء إلى الإمارات بسبب وقوعها تحت قبضة الإنجليز الذين لم يهتموا كثيرا بالمرافق الخدمية. وعليه فإن أول مطبعة تأسست في الإمارات كانت مطبعة الرضوان التي ظهرت في دبي في عام 1958 على يد الإماراتي محمد عبدالله الرضوان وشريكه الكويتي رضوان محمد رضوان، وكانت مجهزة بعدد من آلات الطباعة اليدوية والميكانيكية، ويعمل بها عدد من العاملين العرب والهنود، وتولت طباعة الجريدة الرسمية لإمارة دبي والمستندات الخاصة بالحكومة والبنوك والأعمال التجارية، كما غطت احتياجات كافة الإمارات الأخرى وبعض المدن والقرى الواقعة على الساحل الفارسي من الخليج العربي.
أما المطبعة الثانية التي ظهرت في الإمارات فقد كانت "المطبعة العمانية" التي أسسها السيد هاشم بن السيد رضا الهاشمي في 18 إبريل 1959، وسماها بهذا الإسم نسبة إلى ساحل عمان (حيث كانت الإمارات تسمى وقتذاك بإمارات الساحل العماني)، وقد اتخذت من بناية التاجر "علي بن مصبح القيزي" في دبي مقرا لها لمدة 14 عاما قبل أن تنتقل في عام 1973 إلى مقرها الجديد في شارع سكة الخيل شمال مسجد السادة. وكان التاجر القيزي صاحب فضل على هذه المطبعة وصاحبها لأنه لم يكن يتقاضى منها سوى إيجار رمزي وذلك من باب دعم أهدافها النبيلة. أما أصحاب مطبعة الرضوان فقد كانوا خلاف ذلك. إذ استبد بهم الجشع والطمع وراحوا يطالبون حكومة دبي بعدم السماح بتأسيس المطبعة العمانية خوفا من أن تنافسهم، لكن حكومة دبي ردتْ عليهم بالقول "إن الباب مفتوح لمن يرغب في تأسيس دور الطباعة دون قيود".
والحقيقة أن الهاشمي في مشروعه الوطني التنويري هذا واجه الكثير من العقبات الكأداء بدليل أنه كتب عن مطبعته قائلا "عاشت سنوات عجاف تلعق جراحها وتمتص رحيق مدخراتها"، والسبب كما يقول الطابور في الصفحة 185 من كتابه المشار إليه آنفا "عدم توفر الكهرباء لتشغيل المكائن وأدوات الطباعة". وقد حاول الهاشمي أن يتغلب على المشكلة بتزويد مطبعته بماكينة كهرباء خاصة بها إلا أنها لم تؤد المهام المطلوبة منها كما يجب، إذ كانت تعمل ثم تتوقف ثم تعود للعمل مرة أخرى وهكذا. واستمرت الأحوال على ماهي عليه إلى أن تم تزويد دبي بطاقة كهربائية كافية لسد كل الاحتياجات في منتصف الستينات. هنا فقط تنفس الهاشمي الصعداء وراح يعمل على طباعة الكتب الأدبية والدواوين الشعرية وغيرها من المؤلفات، فصار للمطبعة العمانية وصاحبها فضل على البلاد، وهذا تحديدا ما أشار إليه الشيخ محمد بن علي المحمود حينما خاطب الهاشمي شعرا فقال:
أنشأت للأعمال خير مـــكان ...
وجمعت فيه محاسن الاتقان
وأعدت مجدا للمطابع هاشم ...
تزهو به الدنيا على الأزمان
فاهنأ بدار أقيمت بالتقـــى ...
يابن الرضا والسيد العدنانـي

ومما يجدر بنا ذكره في هذا المقام أن أخا للهاشمي هو "يعقوب بن السيد رضا الهاشمي" قام هو الآخر بدخول مجال الطباعة فأسس ثالث مطبعة وطنية في الإمارات، ألا وهي "مطبعة الساحل" وكان موقعها على شارع البرقيات القديم في بر ديرة. هذا قبل أن يؤسس مطابع أخرى في أواخر الستينات من القرن العشرين مثل "مطبعة دبي" بالإشتراك مع خليفة النابودة، و"مطبعة البلاد" بالإشتراك مع سلطان الحبشي.
وقبل أن نتوغل في سيرة السيد هاشم صاحب ومؤسس ثاني مطبعة في الإمارات وأكثرها تأثيرا لجهة نشر الثقافة والأفكار المستنيرة، لابد من الإشارة إلى أنّ أصول الرجل تعود إلى لنجة الواقعة على الساحل الشرقي للخليج العربي. ولنجة، كما هو معروف، من البنادر التي حكمها القواسم "حكام الشارقة ورأس الخيمة الكرام" وسكنتها قبائل عربية عديدة هاجرت من الجزيرة العربية قديما لأسباب سياسية واقتصادية. ومن ضمن من هاجر إليها السادة الهاشميون، الذين ينتمي إليهم السيد هاشم بن السيد رضا الهاشمي، وهم ــ طبقا للمؤرخ والأديب الإماراتي المعروف الاستاذ عبدالغفار حسين ــ أسرة الشرفاء العلويين المنتشرين في اليمن وعلى امتداد ضفتي الخليج والحجاز.
أجل، كانت أسرة السيد هاشم الهاشمي تقيم في رأس الخيمة، لكنها في بدايات القرن الثامن عشر الميلادي انتقلت إلى لنجة مع أعداد كبيرة من القواسم بقيادة الشيخ قضيب بن راشد بن مطر القاسمي الذي حكمتْ اسرته لنجة مذاك وحتى مستهل القرن العشرين حينما قام الايرانيون بمحاصرة لنجة وانهاء الحكم العربي فيها. وتقول المصادر التاريخية أنّ جد السيد هاشم وأباه وعمه حاربوا جميعا إلى جانب الشيخ محمد بن خليفة القاسمي "آخر شيوخ القواسم في لنجة" ببسالة من أجل الحفاظ على الحكم العربي في الضفة الشرقية للخليج.
وطبقا لما أورده لوريمر في كتابه "دليل الخليج"، القسم التاريخي، الجزء السابع، صفحة 2325 ، فإن عم السيد هاشم ويدعى يوسف بن السيد جعفر الهاشمي كان ساعدا أيمن للشيخ محمد بن خليفة القاسمي في حكومة لنجة، بل كان يتمتع بعلاقات متميزة بالقواسم وتربطه المصاهرة بهم، لذا قام بأعمال بطولية لنصرتهم وتثبيت حكمهم في مواجهة القوات الايرانية في أوائل القرن العشرين، وهو لم يتعد منتصف العقد الثالث من عمره، إذ قاد مجموعة من أبناء عشيرته (آل قتَال) قــُدرتْ بحوالي 300-400 مقاتل عربي بكامل أسلحتهم وعتادهم، عندما طلب منه الشيخ محمد بن خليفه القاسمي المساعدة لاسترداد بندر لنجه، والتي كان الفرس قد قاموا باحتلالها في عام 1887 وتنصيب حكام من الفرس عليها بعد إسقاطهم حاكمها الشيخ قضيب الثاني بن راشد بن سالم القاسمي، الذي سيق إلى طهران حيث أودع المعتقل، ثم أفرج عنه ووضع تحت الإقامه الجبريه بطهران حتى وافته المنية.
وطبقا للعديد من المصادر التاريخية فإن السيد يوسف الهاشمي انتظر الفرصة المناسبة للهجوم على لنجة، فاختار وقتا كان فيه الحاكم العسكري الفارسي خارج المدينة مع جنوده ولم يكن يحرسها سوى سبعة جنود متحصنين بالقلعة. فعسكر الشيخ محمد والسيد يوسف خارج لنجة ونصبوا خيامهم إستعدادا للهجوم، وما أنْ هجم الشيخ والسيد يوسف حتى دبّ الذعر والخوف بالجنود الإيرانيين واستسلموا بلا قتال إستسلاماً مذلاً، وفتحوا أبواب قلعة لنجة دون أية مقاومه، فدخل الشيخ محمد والسيد يوسف قلعة بندر لنجة دخول المنتصرين الفاتحين.
هذا الهجوم الخاطف، والاستسلام المذل لجنود الحكومة المركزية الايرانية جعل الأخيرة تولي إهتماما كبيرا بلنجة، فأصدرتْ أوامرها الى حاكم بوشهر “أحمد خان دريابكي” بضرورة التحرك لإستعادة المدينة وما جاورها من قرى. لكن أحمد خان لجأ إلى الحيلة ومحاولات كسب الوقت وزرع الجواسيس في صفوف القواسم والظهور بمظهر القابل بالأمر الواقع، لمّا تبين له أن معنويات رجال الشيخ محمد والسيد يوسف عالية وأنهم لن يستسلموا بسهولة. ثم سيــّر قوة عسكرية كبيرة وجعلها تعسكر بالقرب من لنجة موحيا للقواسم أنها قوة في طريقها لتأديب بعض القبائل البلوشية المتمردة. وهنا حدثت خيانة سهلت للقوات الايرانية دخول لنجة ليلا بكل يسر، الأمر الذي انسحب معه الشيخ محمد والسيد يوسف ورجالهما إلى قلعة بندر لنجة من أجل المقاومة. وبالفعل جرت مقاومة شرسة دامت 3 أيام انتهت بتدخل الإنجليز إلى جانب الفرس، وانسحاب الشيخ محمد ومقاتليه إلى الجبال. ونظرا لأن حكومة طهران ظلت تلاحق الشيخ وحليفه السيد يوسف بكل قوتها وعتادها فإن السيد يوسف اقترح على الشيخ، حفاظا على سلامته، أن يترك الساحل الشرقي للخليج وينتقل إلى ضفته الغربية. وهذا مافعله الشيخ محمد حينما انتقل أولا إلى رأس الخيمة ثم إلى الشارقة حيث ألقى برحاله.
أما السيد يوسف وإخوانه السيد رضا والسيد يعقوب والسيد محمد، وكلهم اشتركوا في المعارك ضد الفرس من أجل تثبيت الحكم العربي القاسمي في لنجة وماجاورها، فقد ضاقت بهم الدنيا بعد سقوط لنجه ومغادرة آخر شيوخ القواسم إلى الضفة الغربية للخليج، لكن السيد يوسف ظل يقلق مضاجع الفرس بحروب العصابات التي كان يشنها من وقت إلى آخر ضد قوات حكومة طهران المركزية، وبدعواته من أجل استقلال المناطق العربية على الساحل الشرقي للخليج، وبتنقلاته ما بين الساحلين العربي والفارسي من أجل حشد الدعم لأفكاره ونضاله، وهو ما جعل الايرانيين يطاردونه ويصادرون أملاكه ويشردون أهله ويرصدون المكافآت للقبض عليه ويضعون الخطط لاصطياده. غير أن خططهم باءت دوما بالفشل إلى أن شعر السيد يوسف أن الدنيا كلها تقف ضد مشاريعه وطموحاته الوطنية، وأن الكفة تميل بقوة نحو الجانب الفارسي فاستولى على إحدى السفن بقوة السلاح وسافر بواسطتها إلى رأس الخيمة، ومنها إلى الشارقة، ثم إلى دبي.
ويقول الاستاذ عبدالله الطابور في الصفحة 362 من الجزء الثاني من كتابه "رجال في تاريخ الإمارات" أن السيد يوسف ظل يصارع الايرانيين وعملاءهم لمدة ثلاث سنوات ثم رجع للشارقة وأقام بها سنتين، وبعدها توجه للسلام على الشيخ مكتوم بن حشر الجد الأكبر لسمو الشيخ محمد بن راشد المكتوم حاكم دبي الحالي، ولما دخل على الشيخ مكتوم ورآه قال الأخير له: "أنت وصلت إلى هنا ولن أسمح لك بالرجوع ثانية إلى الشارقة". ويضيف الطابور أن الشيخ مكتوم أمر للهاشمي بثلاثين جونية من العيش (الأرز) وثلاثة رؤوس من الخيل وسبعة حواصل خشب، وطلب منه ان يسكن إلى جواره في بر دبي. وهكذا انتقل السيد يوسف للعيش في بر دبي، وزهد في الدنيا فطلب من الشيخ بطي بن سهيل المكتوم أن يعيد كل ما حصل عليه من مؤن من الشيخ مكتوم، ثم أقام في منزله في سكة الخيل ببر ديرة. وفي فترة لاحقة أراد السيد يوسف الذهاب إلى عمان للسلام على سلطانها فيصل بن سعيد، فمنحه الشيخ سعيد بن مكتوم المكتوم تصريحا بذلك فسافر إلى الباطنة وتزوج هناك من "أصيلة بنت السيد محمد الشريف العلوي الهاشمي، وظل في الباطنة إلى أن توفي ودفن فيها.
ويخبرنا الطابور في الصفحة ذاتها من كتابه المذكور أنه بعد وفاة السيد يوسف ــ الذي عــُرف بالشهامة والشجاعة والنخوة والورع وحب العلم وتأسيس المدارس والمساجد ــ راحت السلطات الايرانية في لنجة تنكل بمن بقي من عائلته، بل قامت بقتل عدد كبير من السادة الهاشميين مثل السيد عبدالقادر بن السيد أحمد والسيد عبدالواحد بن السيد هاشم والسيد محمد بن السيد عقيل وغيرهم.
ما سبق كان إطلالة سريعة على سيرة أحد أبرز رجال العائلة التي ينتمي إليها السيد هاشم، وهو عمه. أما سيرته هو فتقول أنه ولد في دبي في عام 1909، والتحق في عام 1926 بمدرسة السعادة التي افتتحها التاجران محمد بن عبيد البدور، ومحمد بن سيف السركال في ذلك العام، ومنحا إدارتها إلى الشيخ محمد اليماني الذي كان وقتذاك من العلماء القلائل المتميزين بسعة العلم والثقافة والاسلوب الفريد في التربية والتعليم.
في مدرسة السعادة، التي كانت من المدارس شبه النظامية المشهورة في دبي، زامل السيد هاشم الشيخ محمد بن علي المحمود الذي قال أن اليماني كان يولي اهتماما خاصا بالسيد هاشم لما تأكد من صلاح الأخير والتزامه بالطاعة وتقديره للنصيحة وحبه للعلم وسرعة بديهته، ناهيك عن عراقة نسبه وحسن أدبه وقوة عزيمته، الأمر الذي صار معه السيد هاشم من جلساء اليماني والمقربين إليه، فكان ذلك سببا في صقل موهبته واحتلاله موقعا خاصا بين طلبة العلم قبل أن يتولى مهمة التعليم على نحو ما سنفصل لاحقا.
ويورد الطابور في الصفحة 365 من كتابه آنف الذكر شيئا من صفات السيد هاشم نقلا عن المؤرخ المعروف الأستاذ عبدالغفار حسين فيقول: "إن من صفات السيد هاشم أنه من الشخصيات الظريفة التي لا يملها جلساؤها، وحديثه وكلامه كانا من أمتع ما يسمعه الإنسان، وهو ذو لغة غاية في الأناقة والجمال، ويتميز بأنه كاتب حلو العبارة، ويكتب بلغة عربية سليمة يعلوها سجع جميل".
ومما لاشك أن هذه الصفات والملكات التي تحلى بها السيد هاشم قربته من الشيخ مانع بن راشد المكتوم الذي عـُـرف عنه في ثلاثينات القرن العشرين تشجيعه للعلم والمتعلمين، ودعمه ومشاركته في حركة التأليف وطباعة الكتب، ودعوته إلى تحديث طرق ووسائل العلم والتعليم، وميله إلى الأدب ومساندة المجلات العربية الصادرة في تلك الحقبة. والدليل نستقيه مما حدث في عام 1932 حينما رشح الشيخ مانع السيد هاشم ليترأس البعثة التعليمية التي تقرر إيفادها إلى العراق على نفقة الوجيه الكويتي عبدالله الصقر، خصوصا وأن السيد هاشم كان قد درس لمدة عامين في المدرسة الرحمانية بالبصرة. غير أن سلطات الحماية البريطانية عارضت هذه البعثة وعطلتها، تماما مثلما كانت تتعامل مع أي مشروع تعليمي هدفه تنوير العقول وتحديث المجتمع.
في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي لم تكن في إمارة رأس الخيمة من دور العلم سوى الكتاتيب التقليدية البائسة، فقرر حاكمها وقتذاك الشيخ سلطان بن سالم القاسمي أن يقيم أول مدرسة شبه نظامية لتعليم القراءة والكتابة والحساب والنحو والصرف والفقه والأناشيد، واختار منزله كمقر لها، كما جاء بالسيد هاشم من دبي ليكون مشرفا عليها ومدرسا بها. وبالفعل فتحت المدرسة أبوابها في عام 1932 بحوالي سبعين طالبا تحت إدارة واشراف السيد هاشم ومساعدة عبدالله بن راشد السراح وعبيد بن راشد بالعضب والشيخ محمد بن الشيخ عبدالرحمن بن حافظ الأنصاري، وبدعم من الشيخ علي المحمود الذي وفر لها مستلزماتها من القرطاسيات. وقد ظل السيد هاشم يعمل في هذه المدرسة ويقيم في رأس الخيمة مدة سنتين عاد بعدهما إلى دبي لممارسة التجارة وتأسيس المطبعة العمانية على نحو ما ذكرنا في بداية مقالنا هذا، وذلك لأن المدرسة أغلقت أبوابها وأقيمت بدلا منها مدرسة جديدة باسم "مدرسة بن غريب" نسبة إلى مؤسسها "يوسف بن محمد بن غريب الذي كان قد ارتحل صغيرا مع والده إلى البحرين طلبا للرزق ودرس في الهداية الخليفية في 1923 وعمل بعد تخرجه من الأخيرة مدرسا في المدرسة الأميرية بالدمام، ثم سافر إلى جزيرة قشم للعمل مع إحدى شركات التنقيب عن البترول.
والحقيقة أن المطبعة العمانية كانت أكثر من مجرد مطبعة، إذ وصفها الكثيرون بأنها كانت عبارة عن منتدى ثقافي يلتقي فيه المثقفون والأدباء والشعراء. من هؤلاء الأديب الصديق الأستاذ محمد المر رئيس المجلس الوطني الإتحادي بدولة الإمارات الذي كان من تلامذة السيد هاشم. كتب المر قائلا:"إن مجلس السيد هاشم من المجالس الأدبية اللطيفة. ففيه تسمع نقاشا حول قضية دينية أو حديثا عن طرفة أدبية أو كلاما عن حادثة تاريخية".
انتقل السيد هاشم إلى جوار ربه في السادس من أكتوبر 1988 بعد أنْ أعطى وطنه ومواطنيه الكثير من جليل الأعمال وصالحها. فرحمة الله عليه رحمة واسعة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها