النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12101 الخميس 26 مايو 2022 الموافق 25 شوال 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:16AM
  • الظهر
    11:35AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:22PM
  • العشاء
    7:52PM

كتاب الايام

هؤلاء التكنوقراطون الأفذاذ

رابط مختصر
العدد 9573 الخميس 25 يونيو 2015 الموافق 8 رمضان 1436

ذهبت زوجة ابن المهندس «محمد صدقي سليمان» - رئيس الوزراء المصري الأسبق - إلى مبنى مجلس الوزراء بالقاهرة لكي تسأل عن مصير طلب كانت قد تقدمت به لعلاج زوجها على نفقة الدولة، فقال لها الأستاذ «رضا» - وهو الموظف الشاب المسؤول عن متابعة مثل هذه الأمور في ديوان المجلس - إن هذه أول مرَّة يسمع فيها أن من بين الذين رأسوا الوزارة المصرية، من يحمل هذا الاسم، وبعد البحث فى السجلات، اكتشف الأستاذ «رضا» أن «محمد صدقي سليمان» كان بالفعل رئيسا لوزراء مصر لمدة تسعة شهور، بين سبتمبر ويونية 1967، جمع خلالها بين رئاسة الوزارة وبين الموقع الذى كان يشغله على امتداد السنوات الأربع السابقة على ذلك، وهو وزير السد العالي، وهو المنصب الذي عاد إليه، بعد أن ترك رئاسة الوزراء، ليتولاها الرئيس جمال عبد الناصر بنفسه بعد هزيمة 1967، وظل يشغل موقع وزير السد الحالي مدَّة ثلاث سنوات أخرى، قبل أن يتقاعد عام 1970 في بداية عهد الرئيس السادات، بعد أن أشرف السد على الانتهاء واختفت الوزارة التي تحمل اسمه من بين التشكيلات الوزارية، ثم رحل عن الدنيا عام 1996 وهو في السابعة والسبعين.
ولأن كل شيء فى مصر - وفي غيرها من بلاد الدنيا الواسعة - ينسى بعد حين، فلا ملامة على الأستاذ «رضا» لأنه لم يعرف شيئا عن «صدقي سليمان»، رغم الدور البارز الذي لعبه في تاريخ مصر، باعتباره الرجل الذي أشرف على بناء الصرح الذي كان يوصفه في زمنه وزماننا بـ «الهرم الرابع»، والذي ارتبط اسمه بإحدى أهم معارك التحرر الوطني في تاريخ مصر وتاريخ العالم، وتحول إلى رمز لقدرة الدول الصغيرة والفقيرة على تحدي إرادة الدول العظمى، لكي تحقق الحلم البسيط الذي صاغة مشروع إنشائه، وهو أن تتحول مصر من دولة زراعية تعيش على زراعة وتصدير القطن، وتضيء الشوارع الرئيسية في مدنها الكبرى بغاز الاستصباح، بينما تعيش قراها في الظلام، إلى دولة صناعية تولد الكهرباء من مساقط المياه، لا لكي تضيء شوارع ومساكن القرى والمدن فحسب، لكن - كذلك - لكي تدير آلات المجمعات الصناعية الكبرى، التي تنتج كل ما يحتاج إليه شعبها، وتتحول من دولة تصدر المواد الخام إلى الخارج، ونستورد منها السلع المصنعة، ومن مزرعة تزرع القطن لكي تصدره إلى مصانع «لانكشير» في بريطانيا العظمى، لكي يعود إليها على شكل منسوجات إلى دولة صناعية تنتج المواد الخام وتصنعها وتمتلك مجمعات صناعية عملاقة للغزل والنسيج والحديد والصلب والألومنيوم والبتروكيماويات وتتحرر بذلك من القانون الاقتصادي للمستعمرات الذي يقوم على تصدير المواد الخام واستيراد السلع المصنعة، وتطبق القانون الاقتصادي للدولة المستقلة، فيصبح الجلاء الاقتصادي هو الوجه الآخر للجلاء العسكري والاستقلال الاقتصادي هو الوجه الآخر للاستقلال السياسي.
وكان صاحب الفكرة فى إنشاء السّد العالي مهندس يوناني متمصر يعيش في مصر، وقد ظل يطوف بها على حكومات ما قبل ثورة 23 يوليو 1952، فلم يهتم بها أحد ولم تفكر حكومة في تنفيذها، وما كادت الثورة تنجح وتتولى قيادتها السلطة، حتى أعاد المهندس اليوناني تقديم مشروعه إلى مجلس قيادة الثورة، فاهتم به القادة الجدد، وأحالوه إلى مجلس كان قد شكلوه باسم «مجلس الإنتاج» لدراسته، فأقر بصلاحيته للتنفيذ، وأيدته في ذلك دراسات جدوى اقتصادية أعدتها عدة بيوت خبرة أجنبية، وبدأ البحث عن ممول أجنبى يوفر العملات الصعبة التي يحتاجها المشروع العملاق.
لجأت مصر إلى البنك الدولي لكي يمنحها قرضا يمكنها من تنفيذ المشروع، فاعتذر بأن أوضاع الاقتصاد المصري لا تمكنه من تحمل أعباء تنفيذه.
وبدأت في محادثات مع الولايات المتحدة، لكي تساهم في تمويل المشروع، لعل ذلك يشجع البنك الدولي على المشاركة في جانب من هذا التمويل، لكن الولايات المتحدة التي كانت قد بدأت تتنبه للدور الذي يلعبه عبد الناصر على الساحة العربية، خاصة بعد رفضه الدخول في حلف بغداد، لم تكتف بالاعتذار، بل أصدرت بيانا علنيا عنيفا يشكك في قدرة الاقتصاد المصري، وكأنها تحذر الآخرين من المشاركة في تمويل المشروع.
وكانت تلك هي نقطة البداية في توتر العلاقات المصرية - الأمريكية، إذ لم تدفع عبد الناصر فحسب إلى اللجوء إلى المعسكر الشرقي، وتوقيع اتفاقية لاستيراد السلاح السوفييتي من تشيكوسلوفاكية ثم الاعتراف بالصين الشعبية، بل كانت بداية التفكير في تأميم قناة السويس، لكي يستعين بدخلها من العملة الصعبة فى تمويل السد العالى.
وما كادت القوات البريطانية والفرنسية التي شنت عدوان 1956 على مصر، واحتلت منطقة القناة، لكي تستعيد سيطرتها عليها تجلو عن مصر، حتى انتهز «عبد الناصر» الفرصة، فألغى معاهدة 1954، التي كانت تعطى لبريطانيا حق العودة للقاعدة خلال سبع سنوات، مقابل جلاء قواتها عنها.. ليتخلص بذلك من آخر القيود العسكرية على استقلال مصر.. وأعلن - في الوقت نفسه - عن تأميم الممتلكات الفرنسية والبريطانية، ليحقق بذلك شعار الحركة الوطنية المصرية، الذي تمسك دائما بأن الاستقلال الاقتصادي هو الوجه الآخر للاستقلال السياسي!
ولعل الأستاذ «رضا» معذور، في عدم معرفته بالحقائق كلها، ولعله لم يتذكر اسم «محمد صدقي سليمان» بين رؤساء وزراء مصر، لأن الرجل لم يكن من المشتغلين بالسياسة بمعناها المباشر والبسيط، بل كان أحد التكنوقراطيين الأفذاذ، الذين وضعوا كل خبرتهم الفنية ومهارتهم الإدارية في خدمة الوطن، دون أن يشاركوا بالضرورة في مظاهرة أو يتحدثوا في السياسة، يعملون عملا شاقا ومتواصلا في صمت..
وينجزون الكثير - بما في ذلك بعض ما يعجز الساسة عن إنجازه - في صمت.. ويرحلون في صمت.. وقد ينساهم الناس، لكن التاريخ - بالقطع - لن ينسى ما أدوه لأوطانهم.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها