النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

زيارة إلى ميناء جبل علي

رابط مختصر
العدد 9572 الأربعاء 24 يونيو 2015 الموافق 7 رمضان 1436

عدت قبل مدة من دبي بعد مشاركتي كضيف في الدورة السنوية الرابعة عشرة لمنتدى الصحافة العربية.
لن أكتب هذه المرة عمن قابلت من شخصيات إعلامية، ولن أتطرق إلى ما وقعت عليه عيناي من أنشطة وحوارات وعروض يومية متواصلة في ميادين الفن والفكر والإعلام في جو مفعم بالود والاريحية، أو عن الابتكار الجديد المتمثل في "الممشى الثقافي" حيث يختار الضيف ما يحلو له من فعاليات وحوارات مقامة في هذه الزاوية او تلك، فيشارك فيها دون حواجز أو مقدمات.
سأتجاوز كل ذلك لأركز على حدث على هامش المنتدى هو إختياري، ضمن مجموعة من الكتاب والشخصيات الاعلامية من جنسيات عربية مختلفة، للقيام برحلة بحرية إلى "ميناء جبل علي" على متن اليخت الخاص لمعالي سلطان بن أحمد بن سليم رئيس مجلس إدارة موانئ دبي العالمية ورئيس مؤسسة الموانئ والجمارك والمنطقة الحرة في دبي.
كنت قد سمعتُ بهذا الميناء مرارا وتكرارا، لكني لم أكن على علم بقصة ظهوره على الخارطة، أو بحجم منشآته، أو بالدور الذي يلعبه في حركة التجارة والشحن العالمية. وبعبارة أخرى كنتُ أحسبه ميناء كأي ميناء آخر، وهو ما تأكد لي الآن عكسه
بدأتْ قصة الميناء ــ كما رواها لنا بن سليم ــ في السبعينات حينما طــُرحتْ فكرة تأسيس ميناء يتمتع بعمق مائي مناسب لاستقبال بواخر الشحن والملاحة العملاقة التي كانت تتجنب ميناء راشد بسبب عمقه المائي المتواضع، وتفضــّل عليه الرسو في ميناءي عدن وصلالة. يقول بن سليم إنه بمجرد أنْ حصلنا على الضوء الأخضر من حكومة دبي رحنا نضع الخطط ونوزع الميزانيات ونجلب الخبرات الهندسية والفنية وننتقي الأيدي العاملة المؤهلة من أجل إقامة الميناء البديل القادر على استقبال أضخم بواخر الشحن وتقديم أفضل الخدمات لها في قرية "جبل علي" الواقعة على بعد 35 كيلومترا من وسط مدينة دبي.
وأضاف قائلا إنه بعد انجاز المشروع في 1979 استخفتْ شركات الشحن العالمية به في البداية وأعلنت انها لن ترسل بواخرها الى الميناء الجديد في ظل وجود ميناءي عدن وصلالة. غير أنّ عاصفة بحرية هوجاء ضربت الميناءين ذات مرة مما دفع بإحدى البواخر الصينية العملاقة إلى تغيير مسارها واللجؤ إلى "ميناء جبل علي". فكان هذا الحدث كفيلا بانتشار اسم الميناء وما يقدمه من خدمات متميزة، بين شركات الشحن والملاحة الآسيوية العملاقة أولا ثم نظيراتها الغربيات.
واليوم يبرز الميناء الذي قوبل بالاستخفاف في بداية الأمر كعلامة من علامات النهضة الجبارة التي تعيشها دولة الإمارات عموما وإمارة دبي خصوصا. كيف لا وقد أصبح أحد أهم موانئ الشرق الأوسط، وواحدا من أكبر عشرة موانئ للحاويات في العالم بطاقة استيعابية سنوية تبلغ 15 مليون حاوية، بل صار أكثر من مجرد ميناء، بتحوله إلى مدينة مكتملة الخدمات يسكنها أكثر من مائة ألف نسمة، ومنطقة للتجارة الحرة ذات مزايا خاصة من تلك التي تلبي مختلف احتياجات الشركات الصناعية والتجارية مثل الأراضي والمستودعات والمعارض والمكاتب، والحلول الانشائية، ومنافذ بيع التجزئة، ومجمع الأعمال، ومنشآت التبريد عالية المستوى، والوحدات السكنية، والخدمات الجمركية، وخطوط الإتصال بالعالم برا وبحرا وجوا. هذا ناهيك عن عوامل الجذب الأخرى مثل الملكية الأجنبية الكاملة، والإعفاء من الضرائب ورسوم الاستيراد وإعادة التصدير، وعدم وجود أي قيود على تحويل رؤوس الأموال واستقدام الكفاءات والعمالة الاجنبية.
غير أنّ أكثر ما لفت نظرنا بعد اقتيادنا إلى غرفة العمليات الخاصة بمراقبة أعمال المناولة والتفريغ وانزال الحاويات وتحميلها والتحكم بها على بعد هو أنّ كل القائمين بتلك المهام الدقيقة هم من فتيات الإمارات المؤهلات إلى جانب بعض الذكور من ذوي الاحتياجات الخاصة. وفي هذا السياق أخبرنا مضيفنا بن سليم أنّ الأمور كانت مرهقة ومكلفة ومحفوفة بالمخاطر في ظل المراقبة والتحكم اليدوي، لكنها أصبحتْ اليوم عكس ذلك بعد اللجؤ إلى الحلول الآلية والالكترونية.
في تلك الغرفة سمعنا من الدليل المرافق إحصائيات وأرقام تقول إنّ "ميناء جبل علي"، الذي يعد أكبر ميناء من صنع الإنسان في العالم، يستقبل اسبوعيا أكثر من 90 رحلة، ويرتبط مباشرة مع 140 ميناء حول العالم، ويقوم بمناولة أكثر من مليون حاوية نمطية شهريا، وهو مجهز بـ 23 رصيفا و 78 رافعة، وقادر على استقبال جميع السفن من أي حجم أو حمولة (بدليل أنه استقبل في عام 2013 سفينة "إبا ميرسك" التي كانت تنقل أكثر من 16 ألف حاوية نمطية، قياس 20 قدما). كما استمعنا إلى شرح عن الخطط التوسعية القادمة والتي تشمل بناء محطة حاويات جديدة برصيف يمتد على طول 1860 متراً، مع 19 من أكبر الرافعات وأكثرها تطوراً لجهة خاصية التحكم عن بعد، إضافة إلى 50 رافعة جسرية تعمل بشكل آلي وآمن، ومنطقة تخزين بمساحة 70 هكتاراً، وعمق غاطس 17 متراً، وذلك بهدف زيادة الطاقة الاستيعابية إلى 19 مليون حاوية نمطية، ليصبح بمقدوره مناولة 10 من سفن الجيل المقبل العملاقة في وقت واحد. ومن الأمور الأخرى التي تضعها سلطة موانئ دبي في اعتبارها المحافظة على المكانة التنافسية لميناء جبل علي بطرح مبادرات وحلول وابتكارات جديدة تمشيا مع ما تشهده عوالم التجارة والاقتصاد والشحن والملاحة من متغيرات.
حينما عدتُ إلى فندقي بعد هذه الجولة غمرتني مشاعر التفاؤل وأحسستُ أنّ خليجنا، رغم ما يغرسه الأعداء في خواصرنا من صراعات وفتن وما يقومون به من مؤامرات للنيل من أمننا واستقرارانا، قادر على تقديم الكثير من الانجازات بأيدي شبابها من الجنسين. وأقولها بملء الفم ـ أنا البحريني ـ أنّ أي انجاز يتحقق سواء في دبي أو "أبوظبي" أو المنامة أو الرياض أو جدة أو الظهران أو الدوحة أو الكويت أو مسقط هو إنجاز لخليجنا العربي الواحد السائر على درب الاتحاد إن شاء الله، ولو كره الكارهون.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها