النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

ابتلاع ما تحقق من مكاسب..

العيــش عنـد ضــواحـي العــالـــم

رابط مختصر
العدد 9572 الأربعاء 24 يونيو 2015 الموافق 7 رمضان 1436

كلما أتيحت لي الفرصة لزيارة بلد من بلدان العالم (الاخر) الموصوف بالتقدم والديمقراطية والحرية، اكتشف أننا ما زلنا نعيش في ضواحي هذا العالم النائبة البعيدة، أو كما يقول الفكر العربي سمير أمين: أننا نعيش على هامش المركز في الأطراف الهامشية للعالم المتمدن، كمجرد مكبات أو مناجم في أحسن الأحوال.
وبالرغم من المظاهر الاستهلاكية واكتساح مظاهر العوملة الأخرى الاتصالية منها على وجه الخصوص، حيث ما نزال نتهجى بصعوبة بالغة أبجديات القرن التاسع عشر، ونفتقر إلى كل شيء تقريبا، وفيما العالم الآخر يراكم المكاسب ويستخلص الدروس ويحسم المراحل ويتحرك نحو الأمام، نجد أنفسنا ندور في حلقة مفرغة من الأوهام نلوك ذات الإشكاليات والقضايا والأزمات، وإما نرتد الى الخلف لابتلاع ما تم تحقيقه من مكاسب قليلة خلال مرحلة دولة الاستقلال غير المكتملة في العقود الخمسة الماضية، فنستعيد القبيلة والطائفة بدلا عن الدولة على الصعيد السياسي، ولنجد أنفسنا على الصعيد الاقتصادي في مرحلة محايثة للرأسمالية المشوهة. أما على الصعيد الاجتماعي، فنحن مجتمعات مفككة قابلة للانشطار في أية مواجهة، حائرة تائهة تلوك قصة الهوية، وتطرح على نفسها ذات الأسئلة المكررة أو الخاطئة من خلال ادعاء العودة الى الدين والأصول، ومعظم القوى الايديولوجية التي تزعم اليوم العودة الى اصول الدين، هي في الحقيقة لا تعود في الى هذه الأصول، بل الى الموروث المرتبط بمرحلة الانحطاط، خصوصاً ان هذا الشكل من الأيديولوجيا بعيد عن النظرة العقلانية لإدارة الدولة ولوضعية المرأة وللحريات والعائلة والمشاركة والتعايش واحترام الاقليات وما الى ذلك.
أصحاب هذه الايديولوجيات لم يفهموا ان التقدم لا يمكن أن يكون حقيقياً من دون ديموقراطية ومدنية الدولة وبدون الايمان بالحرية، ولم يدركوا ان الديموقراطية ليست مسألة سياسة فقط، بل هي اساسية في العلاقات الاجتماعية، داخل الحياة العامة: العمل والمدارس والجامعات والأسرة...لهذه الاسباب سرعان ما تبخرت تجربنا القصيرة في التحديث، لأنها كانت دون حداثة فكرية وسياسية، كانت وما تزال تدور حول محاولة التمدن فقط،، كما ان التقدم الصناعي ثم السياسي المحدود، قد جاء من دون تطوير اجتماعي وبدون تحول ثقافي، مما ادى الى الاوضاع التي نحن فيها. ولذلك واجهت الدولة الوطنية انتكاسات عديدة، خاصة في المجالين التنموي والسياسي، ولكن الكارثة ان البديل المطروح أيديولوجيا: إسلاموية سلطوية، تحاول جاهدة، وبلا هوادة استبعاد المواطنة كأساس للتعايش والعيش المشترك، وتقترح حلولا بديلة تحتمي بها، ويعمد، في سبيل تكريس مصالحهم الضيقة، إلى تخويف الناس من أن يكونوا أفرادا أحرارا، يتمتعون بحرية فكرهم واختيارهم، إنهم لا يريدونها “مواطنية” بل يريدونها طائفية محصنة ضد” دولة الوطن”، وحين تبدأ المجتمعات بالتعبير عن نفسها بهويات دينية أو طائفية أو عقدية، فهذا يعني انتهاء الدولة والدخول في النفق المظلم من الانقسامات والصراعات والمواجهات وصناعة الكراهية المنظمة، ومهما بالغنا في الحديث عن الحوار والتسامح، فإننا في ظل هذه البنى الصاعدة نعمّق أسباب التصنيف والتوصيف الفئوي، ولن نجد قاعدة للمساواة بين المواطنين على أساس هوياتهم الوطنية في مفارقة عجيبة بين رفع شعارات الدولة المدنية الديمقراطية وبين تكريس الطائفية فكرا وشعارا وممارسة وانعزالا وتحالفا.
ومثلما أفرغت الدولة العربية نفسها من مضمونها التحرري، حينما تحولت من التعبير عن تطلعات التحرر والتقدم والحداثة، إلى جهاز أيديولوجي بيروقراطي يكرس التبعية والاستهلاك، فإن هذه الجماعات الغارقة في الفقاعة الطائفية قد حولت الفكر إلى شعار عدمي، واستمرأت العيش في فقاعة الشعار، مستعيضة به عن الانخراط في التاريخ، وتحولت بعض شرائحها العدمية إلى تنفيذ عملية انتحار جماعي، بممارسة التطرف والعدمية وزرع التدمير الذاتي والتوحش الذي أصبح بديلا عن الاستبداد، وتلك مفارقة نكاد نختص بها على الصعيد التاريخي.
هذا “ الفكر” الطائفي ضيق الأفق يجر الناس اليوم إلى مواجهة قاسية تحت شعار (نحن أو انتم) وإلى التقاتل بترسيم حدود وأسوار بين المواطنين على أساس تقسيمي وطائفي. وفي ظل هذا الواقع المرتبك بات الخطاب الديني يمتثل في الافكار والتصورات والرؤى والبرامج للتيارات والجماعات الطائفية والتي تصنف اليوم ضمن تيارات الاسلام السياسي التي وسمت العقدين الاخيرين بسمات التطرف وتبرير العنف في إطار رد الفعل على التدخل الخارجي في بلاد المسلمين، ونتيجة لفقر البيئة الثقافية والفكرية وتفشي الفقر والبطالة والاحباط بين الجماهير في اغلب البلدان العربية والإسلامية، بما بات ينذر بمرحلة جديدة من المواجهات والانهيارات الاجتماعية والمواجهات التي لا تبقي ولا تذر.

همسة
في كل يوم يمر ينكشف لنا أن الديمقراطية الأمريكية لم تكن قبل 11 سبتمبر 2001 مثالية، فها هو الى اليوم (الأبيض) يقتل الأسود لأنه أسود فقط، وداخل كنيسة، بما يؤكد بأن هذه الديمقراطية كان بها دوما قدر لا يستهان به من التزييف، ليس فقط ضد الأقليات والجماعات العرقية والأقليات الوافدة داخل الولايات المتحدة بل أيضاً كانت ديمقراطية الذين يملكون ويسيطرون سياسياً وإعلامياً، فقد كان النموذج الديمقراطي الأمريكي، ومازال، يعتبر “ديمقراطية الأثرياء”، فحسب وصف الكاتب والروائي البريطاني جورج اورويل يمكن القول إن الناس في البلدان الرأسمالية الغربية أحرار ولكن هناك أناساً أحراراً أكثر من غيرهم فالحرية تكون بمقدار القوة المالية والثراء والسلطة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها