النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

لوقف الهزائم إفشال المراهنة على صناعة الغباء!

رابط مختصر
العدد 9570 الأثنين 22 يونيو 2015 الموافق 5 رمضان 1436

تعقيبا على مقالة موت الاحلام التي نشرت في مثل هذه المساحة قبل اسبوعين أرسل لي احد الأصدقاء ما يشبه الاحتجاج على ما اسماه “ الظلم للمثقفين وتحميلهم مسؤولية الانهيار العام في الحياة العربية، لأن جل المثقفين العرب الذين أخلصوا للأفكار العربية وللأحلام العربية في الاستقلال والتنمية والتقدم والحرية والتنمية، كانوا يعتقدون فعلا أن تحقيق آمالهم ممكن، ولكن السياسي والتدخل الخارجي كانا وراء الانهيار والخيبات التي أفضت إلى تتالي الهزائم والنكوص عن الثوابت”.
وأضاف الصديق: إن الحياة العربية في الوقت الحاضر تتسم بـ”ظاهرة الانهيارات”: انهيار سياسي، وانهيار اجتماعي وثقافي وانهيار اقتصادي وانهيار عسكري وأمني وقيمي. فقد شهد العقد الاخير موت الأحلام الكبيرة السياسية بعد سقوط الوطن العربي مضمونا ومصطلحا، وعودته مجددا إلى كماشة الهيمنة الخارجية، وفقد الإرادة والتسلط، وكان من النتائج المدوية انتهاء “العروبة” فكرا ورؤية ومشروعا، وتعرضت الرابطة العربية إلى الاهتزاز واقعا ورؤية، وانهيار إمكانيات الفعلي العربي الموحد، وتكرس النزعات الانعزالية والقطرية، والوطن الذي كان يسمى أملا وتيمنا بالوطن العربي الكبير أصبح اسمه اليوم الشرق الأوسط الصغير، بعدما أضيفت إليه في خلطة مقصودة إسرائيل الكبرى والصغرى. وكنتيجة حتمية للتحول من إرادة الوحدة والاستقلال والقوة والهوية إلى إرادة التبعية والخنوع والفردية، انتشرت ثقافة” وأنا مالي”!! وبات شعار:” إذا كانت رأسي سالما فما لي وما للآخرين؟” هي القاعدة الأساسية، بل وأصبح الحدود العربية-العربية دونها النار والدم، وأصبحت المياه الإقليمية العربية تقاس بالسنتيمترات. أي بلاء أكثر من هذا البلاء”. انتهى التعقيب.
والحقيقة أن جيل النهضة العربية الأولى في نهاية القرن التاسع عشر، وبداية القرن العشرين قد رسم طريق الأمل نحو (استعادة) الحياة فكرياً وثقافياً، ولكن جيل الاستقلال الأول قد فشل في ترجمة الأحلام الثقافية إلى واقع.. حتى في أشد التجارب العربية الثقافية تقدمية واستنارة، فلقد بقيت نفس تلك الأفكار التقليدية سائدة، وبقيت نفس الفوضى الفكرية والثقافية قائمة، بل حتى مساحة الجرأة والحرية الفكرية تقلصت بالقياس إلى عصر طه حسين ولطفي السيد وقاسم أمين وخير الدين التونسي مثلاً. وتضافرت مع انهيار الأحلام عوامل أخرى عديدة تدفع المثقف إلى الانتحار المادي والمعنوي على حد سواء، ومنها خيانة المثقف للفكر وللثقافة وللقيم الفكرية والثقافية، فوقع الخيانة عليه أقوى، فالمثقف المخلص لمبادئه ينهار عندما يرى أبناء جيله ممن كانوا معه في الصف الأول دفاعا عن موقف أو فكرة، قد انقلبوا على أعقابهم وأصبحوا أشد الناس تطرفاً وشراسة ضد القيم التي اعتبروها ذات يوم مدخلاً للحداثة والثقافة والوجود الحي للإنسان.. ولقد بينت التجارب أن المثقف عندما يخون ويتنكر لمبادئه يكون أخطر من السياسي وأقل رحمة، وقد عرفت العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين في الوطن العربي موجه عارمة من أمثال هؤلاء المثقفين الخائنين. وهنالك وضع آخر للوجع، تتمثل في تحويل الثقافة إلى بزنس، ففي هذا العصر المعولم رأسمالياً، تحول المال إلى قيمة مطلقة، ودخل العديد من المثقفين اللعبة و(البزنسة) الثقافية، فمنهم من أصبح يتاجر بالفكر والثقافة في أسواق البورصة نافياً عنها طابع الرسالة، ومنهم من صار ينظم القصائد حسب الطلب لإلقائها في الموائد الدورية بأسعار مختلفة، ومنهم من رأى بيع أصدقاء الأمس هو أسهل طريقة للوصول إلى المرام على حساب الأمانة الفكرية، وهنالك من فضل الانسحاب الصامت من الحياة الثقافية والسياسة عامة، أو هرب إلى اللامبالاة كعنوان للتدمير الصامت للذات..
لقد كان الاستعمار جاثما على صدور الشعوب وكان العدو وقتها واضحا وجليا... وكان النضال ايضا اكثر وضوحا وأشد نقاوة وضراوة وما ان استردت الدول العربية سيادتها حتى وجدت بعد سنوات قليلة أن المستعمر لم يغادر الا جغرافيا واحتفظ بكامل نفوذه وتسييره عن بعد  لكل شيء، حاشرا أنفه في الصغائر قبل الكبائر، لاعبا اساسا في ساحة المعركة المدنية، يستميل كل غاضب أو مغضوب عليه ويشمله بعنايته في لعبة الابتزاز لا اكثر ولا اقل. فبعد اكثر من نصف قرن تبين ان الاستقلال العربي كان عبارة عن بث تجريبي اذ مازالت بعض الأنظمة الفاشلة تمد في انفاس تجاربها التي لا تنتهي، تاركة مقود شؤون بلدانها للإملاءات الخارجية وللأفكار الجهنمية لبرنامج الفوضى الخلاقة مع العجز عن توفير القوت والامن وابسط الخدمات الحياتية الى شعوبها: تنتصر للشيوعية لحقبة زمنية ثم تشطبها بجرة خطاب، لتفقر في المجهول الليبرالي أو إلى الإعلان عن أطروحة لقيطة، والنتيجة ان مختبر التجارب قد افرز طحالب بشرية مستسلمة بالكامل لأي تجربة اضافية، تريد أن تطهّر الكون من وجودها، تارة بحجة مقاومة الارهاب وطورا بحجة حوار الحضارات وتارة بحجة مشروع الشرق الاوسط الكبير والصغير...وشيئا فشيئا استأنسنا بالفجيعة مقدمة لنا على طاولة الفضائيات، وأصبحنا نشعر بأن لا قيمة لحياتنا، إن لم ترس باخرة “الاخبار العاجلة” يوميا في ميناء العرب الدامي.
وقد أنتج هذا المخاض العسير من التجارب ولادة جيل عربي، نصف امي ونصف مثقف ونصف مشلول ونصف مدني نصف طائفي ونصف معارض ونصف مؤيد ونصف وطني ونصف عالمي، ونصف عاشق ونصف عاقر ونصف راشد ونصف مجنون. باختصار مزيج من كل شيء ليقعد لنفسه مفهوم مواطن غير صالح لشيء، وطالح في المقابل لكل شيء: يأكل ويشرب.. ينام ويستيقظ دون المرور بغرفة الاحلام والآلام أو الآهات، يشبع الغرائز متنكرا لعقله وكأنه ليس تابعا له، نتيجة المراهنة على صناعة الغباء وشحذ الهمم لتحويل كل ما هو عادي الى خوارق تستحق التمجيد والشكر والتصفيق..  وباختصار الشعوب العربية مسلوبة الارادة والمغلوبة على أمرها، لم يعد أمامها إلا أن تتابع بعيون طافحة بالألم حالة الانهيار المركب، ولا تستطيع أن تتمرد على مصيرها المعلق في ذمة اليومي والمعيشي وترنو إلى أن يطلع من صلب هذه الارض وترائبها من يشفي الغليل ويقيم الدليل على أننا مهزومون مدى الحياة باختيارنا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها