النسخة الورقية
العدد 11149 الجمعة 18 أكتوبر 2019 الموافق 18 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:19AM
  • الظهر
    11:23AM
  • العصر
    2:40PM
  • المغرب
    5:07PM
  • العشاء
    6:37PM

كتاب الايام

«حديث الروح» : قراءة سياسية

رابط مختصر
العدد 9566 الخميس 18 يونيو 2015 الموافق غرة رمضان 1436

لأكثر من شهر لم يتوقف ذلك الحوار «الروحي» الصامت المتواصل بيني وبين كتاب أستاذ الطب النفسي في كلية الطب، جامعة الخليج العربي (سابقاً) الدكتور محمد خليل الحداد «حديث الروح: علاج سلوكي معرفي لمشكلتي الرهاب والقلق». مادته تغريني بالعودة مرة أخرى لقراءتها، بعد أن حباني المؤلف بشرف قراءة النسخة النهائية قبل ان تعرف طريقها للمطبعة.
سبب تلكؤي في القراءة الثانية، كان مصدرها خشيتي تشويه ملامح المتعة التي عشتها خلال مطالعتي المتمعنة الأولى، من جانب، ووجلي من فشل غير مقصود في الإمساك بطرف خيط براعة المؤلف في الموازنة بين تناسخ الصياغات الأدبية مع المفردات العلمية دون التفريط بأي منهما. أي التمسك بالمقاييس العلمية دون الخضوع لصلادتها.
كان لا بد لي من اختيار مدخل مختلف، ربما لم يكن حاضراً في ذهن المؤلف، لكنه لم يخرج عن أهدافه التي يصر عليها في كل سطر من سطور الكتاب، والتي تتمحور في أن يكون لكل من يطلع الكتاب قراءته الخاصة، التي ربما تكون مختلفة عمن سبقه إليه. ولذلك وجدت نفسي، بدون وعي أو قرار مسبق، أغوص في بحر «حديث الروح»، لكن من مدخل سياسي!
توقفت كثيراً عند الصفحة رقم 15، وتحديد الفقرة التي تقول «إنَّ كل من يمر بتجربة شديدة أو طويلة مع المرض عادة ما يخرج من تلك التجارب إنساناً آخر، والأمل معقود على أنَّ ذلك الافتتان والتمحيص يخلق منه شخصا أكثر نضجاً وأقدر على إدارة المشاكل، كما أنَّ الفهم والخبرات العملية والمعرفة من خلال المعاناة يجب ألاَّ تقتصر في فائدتها عليه نفسه، بل ان تشع على كل من حوله من الأهل والخلاَّن وعموم الناس والمعارف كطاقة إيجاب تساعد على التغيير والإحساس ...».
ماذا لو طبقنا هذا الكلام او المنطق على القوى السياسية؟ ربما سنجد في ذلك التشخيص الكثير من العمق فيما يتعلق بدعوة القوى السياسية على أن تستخرج من تجاربها، الناجحة أو الفاشلة الدروس الغنية التي تتحول، كما يقول الحداد قوة قادرة على أن «تشع على كل من حوله (كي تتحول إلى) طاقة إيجاب تساعد على التغيير والإحساس».
هنا يدعو الحداد القوى السياسية أن تختزن معاناة تجاربها، بما فيها تلك التي لم تخلو من أمراض سياسية، وتحولها إلى «طاقة» تساعدها «على التغيير».
ولو ألقينا نظرة فاحصة على تجارب القوى السياسية العربية، فسوف نكتشف أنها أعجز من ان تحاول، دع عنك تنجح، في الاستفادة من أخطاء الماضي، بل ربما نجد أنها كثيرا ما تكرر تلك الأخطاء، في ممارسات مختلفة في الشكل لكنها متطابقة في الجوهر. ولعل ذلك يفسر الهزائم التي تكبدتها تلك القوى، حتى باتت عاجزة عن التغيير الذي يبشر له الحداد.
قضية سياسية الأخرى يكشفها الحداد، لكن من منطلقات نفسية محضة حين يقول «إنَّ عدم الاعتراف بوجود مشكلة ليس حلاً لها، لأننا إن لم نعترف بوجودها فلا داعي للبحث عن حل، وواقع الحال أنَّ غالبية الناس وخصوصاً في العالم الثالث تتنكر لوجود المشاكل النفسية ... يدفع المرضى إلى الإنكار وعدم القبول بوجود مشكلة نفسية، وبالتالي يصبح التعبير عن الأمراض النفسية على صورة أعراض جسمانية».
هنا يدعو الحداد المريض والطبيب على حد سواء بالاعتراف بوجود المشكلة، وأن ذلك أمر لا بد منه، وينبغي أن يسبق أية وصفة للعلاج. ثم يمضي الحداد مميزاً بين الأسباب والأعراض. الأمر ذاته ينطبق على الواقع السياسي، فما لم تعترف قوى المجتمع بوجود مشكلة، يبقى من الصعب، إن لم يكن من المحال البحث عن حلول تنهيها. وبعد الاعتراف بوجود المشكلة، إن جرى التركيز على الأعراض دون سبر غور الأسباب، فسوف تأتي الحلول مشوهة، إن لم تكن خاطئة.
في الصفحة 96، يدعو الحداد إلى التريث قائلاً «في التأني السلامة وفي العجلة الندامة»، ويستشهد في ترسيخه لأهمية هذه الدعوة بمجموعة الأقوال من بينها «الخطأ زاد العجول». وقول عمر بن قطامي:
قد يدرك المتأني بعض حاجته وقد يكون مع المستعجل الزلل
وكأن الحداد بذلك القول، يدعو «سياسياً»، إلى عدم حرق المراحل، وهذه دعوة يصر عليها الكثير من القادة السياسيين، ومن أبرزهم الزعيم الفيتنامي هو شيء منه، الذي كان لا يكف عن دعوة قيادات الجبهة الوطنية إلى التريث، وتحديد الأهداف المرحلية وفقاً لموازين القوى، بعيداً عن الرغبات الذاتية.
أما في صفحة 112، فيدعو الحداد إلى مسألة في غاية وهي «ضع سقفاً معقولاً لتوقعاتك من العلاج»، وبطبيعة الحال هو يقصد العلاج النفسي، لكن يمكن الاستفادة من ذلك في الجوانب السياسية. إن من أكبر الأخطاء التي يمكن أن تقع فيها أية حركة سياسية هي عدم قدرتها على تحديد سقوف مطالبها، وفق خطة زمنية واضحة تفرضها موازين القوى في كل مرحلة. ويستشهد المؤلف بالمثل العربي «على قدر لحافك مد رجليك». ويضيف الحداد قائلاً «إذا كان الهدف المقصود إنجازه واقعياً وفي مستوى الإمكان فإنَّ ذلك يساعد على تحقيقه، وإذا كانت لنا عدة أهداف كثيرة أو كبيرة فيمكننا تجزئتها وتحقيقها على مراحل زمنية متفرقة ومناسبة». وفي هذا الطرح، وخاصة عندما يوضع في سياق سياسي أيضا، الكثير من المنطقية، بل والنضج السياسي.
فالطفولة اليسارية، كما يشخصها فلاديمير لينين، وهي طرح الأهداف التي يصعب تحقيقها، يمكن ان يدمر أي حركة سياسية تصر على تبني أهداف تفوق قدراتها الذاتية، أو حتى قدراتها مجتمعة مع تحالفاتها الأكثر اتساعاً.
ليست هذه إسقاطات ذاتية على ما جاء في كتاب «حديث الروح»، بقدر ما هي توصيفات حية لانعكاسات عفوية رافقتني في رحلتي مع هذا الكتاب الشيق في موضوعه، الممتع في مادته، والرشيق في معالجته. فجاءت القراءة سياسية بغير إرادة مسبقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها