النسخة الورقية
العدد 11062 الثلاثاء 23 يوليو 2019 الموافق 20 ذو القعدة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:29AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

التشييع الضخم «مانيفيستو سيهات» التاريخي

رابط مختصر
العدد 9566 الخميس 18 يونيو 2015 الموافق غرة رمضان 1436

بإمكان الناس العاديين ان يصنعوا البطولة في لحظة تاريخية ما، ولا توجد بطولة بلا أبطال، هكذا قرر الأربعة ان يقدموا أنفسهم قربانا للمصلين، يقدموا درسا بأن المصد الاجتماعي عليه أن ينبثق من ارادة الناس ورغبتهم في حماية امن وطنهم وناسهم، ويقفوا في لحظة حقيقية مع الامن الاجتماعي والدولة في خندق واحد ازاء العدو المشترك، ومن سقطوا مضرجين بدمائهم غادروا الحياة باحلامهم، ولكنهم تركوا لنا الفجيعة المختمرة باقية ومتقدة ويقظة ودرسا عميقا وكبيرا لا يزول من الذاكرة، الاربش ورفاقه من الشهداء «اربشونا» واربشوا كل من يتخيل اننا كسالى ولا مبالون، وبأن عاطفتنا ماتت وتجمدت مشاعرنا امام الكوارث والمحن، غير ان الواقع في «جنازة سيهات» ترجمت حقائق عدة علينا التوقف امامها كمشهد التشييع العظيم لاربعة صنعوا مجدا للموتى ولمسيرة تاريخ مرتبك، ويبحث عن هوية وطنية فاعلة وواضحة وثابتة، ومن المهم اعادة قراءتها بهدوء وتمعن.
ما يحاك ضد الوطن اعمق واوسع مما نتخيله، فأصابع الفتنة واضحة لا تحتاج لذكاء سياسي مميز لتفكيك ابعادها، الفتنة/ المؤامرة خارجية ـ داخلية، خيوطها ممتدة ومنفذوها ارتدوا وتقنعوا بثياب الطهر المزيف قبل دخولهم بيوت الله الآمنة لينتزعوا من هناك ارواح مطمئنة مسالمة «الدالوة/ القديح»، الاخطبوط الاسود الجديد، القادم من زوايا متعددة في الجهات الاربع كشف عن ملامحه الحقيقية عن رغبة خفية في جر المملكة والمنطقة الى صراع داخلي طاحن فيما لو نجحت تلك اللعبة القذرة، بحيث تفتح جبهتين امام النظام في الوقت نفسه، داخلية على شكل حرب اهلية وخارجية نظامية وطويلة، تستنزف البلاد في حرب واضحة معالمها الاولى وغامضة نهاياتها المتخيلة، لهذا كان الاعتداء المتواصل من الجماعات الارهابية، والمنتظم والمتباعد مناطقيا والمستمر على عناصر الامن والامكنة، تبرهن على وجود مخطط أولي لاشعال الفتيل، واذا ما نجح مشعلو الحريق في احراق كل الغابات وتحكموا في قدرتهم على تحريك الرياح القادرة على تبديل قوة اندفاع الحريق من اتجاه الى آخر، بحيث يصعب على رجال الاطفاء التحكم في السيطرة على حدود تلك الحرائق والسيطرة على قوتها ومؤثراتها ونتائجها المدمرة.
الدالوة كانت الشرارة، والقديح وحادث حي العنود امتداد لتنفيذ المخطط، الذي بدا لنا منه رأس الجليد، وبحاجة الدولة والمجتمع لمفهوم جديد عن الالية الفعلية للتعاون المشترك لتدمير مخططات العدو الخارجي/ الداخلي.
الحقائق التي برهنها بطولة الاربعة والتشييع التاريخي المهيب لمئات الالاف في سيهات للجثامين المغطاة بالورود والرياحين تؤكد ما يلي:
أولا يحتاج الارهاب ان يدرك ان هناك بسالة انسانية واجتماعية مستعدة للمواجهة ووحدها قادرة على قهر الموت وكسر حاجز الخوف.
ثانيا قدرة الناس والمجتمع المدني على تنظيم المسيرات الحاشدة بالتعاون مع مؤسسات الدولة واجهزتها الامنية وقطع الطريق على الارهاب الآثم باختراق تلك التجمعات الشعبية.
ثالثا كلما شاع وانتشر شعور الامان اتسعت حجم المشاركة وتماسك دور المجتمع واجهزة الدولة في نسق موحد ووطني يعلو فيه صوت الوطن فوق كل الاصوات.
رابعا دور الشباب الوطني الذي نظم وبادر بتوفير الآمان والطمأنينة للمشيعين.
خامسا مواجهة الارهاب لا تتم عن طريق الامن وحده ـ رغم اهميته الكبرى ـ وانما عبر العمل الوطني والاعلامي والثقافي من خلال الانفتاح والحوار والتسامح والتنوع بدلا من تحول الوطن الى ساحة لصراعات طائفية دموية وتشرذمات مذهبية تعرقل المسيرة التنموية وبناء وطن مستقر ومتماسك.
كان واضحا بيان أعيان وعوائل شهداء القديح الرائع: «لا نطلب أحدا بثأر أو انتقام ونرفض أي راية تستغل اسماء شهدائنا في إثارة البلبلة والفتنة».
وبذلك يقطعون بيقظتهم ووعيهم الطريق على التيارات الدينية الفاشية المتطرفة من كل الطوائف ومن الاصابع الخارجية التي تتصيد في الماء العكر، هذا اذا لم نقل تزرعه وتغذيه دون توقف. لقد برهنت حشود المشيعيين في «سيهات» انهم يكتبون بيانا بلا فقرات ونصوص، وانما مشهدا عظيما يعبر عن منعطف تاريخي مهم في وحدة وطن وشعب عند المحن الكبرى، متعالين على كل جراحاتهم الشخصية والعائلية والمذهبية، ليسطروا ملحمة نشيد الانشاد الهادر، بأن الوطن هو وحده الاغلى والاهم، وبأن وحدة الشعب والمجتمع هي حصانته القوية الراسخة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها