النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

لا تفتش عن المرأة

رابط مختصر
العدد 9558 الأربعاء 10 يونيو 2015 الموافق 22 شعبان 1436

في عام 1962، انعقد في القاهرة «المؤتمر الوطني للقوى الشعبية»، وهو مؤتمر كان يضم ممثلين لهذه القوى جرى انتخابهم أو اختيارهم من النقابات والاتحادات والتجمعات، التي تعرف اليوم بـ «منظمات المجتمع المدني» لكي ينوبوا عن الشعب المصري، في مناقشة وإقرار مشروع «ميثاق العهد الوطني»، الذي طرحه الرئيس «عبدالناصر» آنذاك، لكي يكون بمثابة «المانيفستو» أو الأساس النظري الذي يقوم عليه نظام الحكم، في مرحلة كان يطلق عليها بـ «مرحلة التحول الاشتراكى».
وكان «الميثاق» -الذي شارك في إعداده وصياغته عدد من المفكرين المصريين والعرب- ينطوي على مجموعة من المصطلحات والأفكار الجديدة والمهمة، أثارت اهتماما واسعا بين أعضاء المؤتمر وفي الفضاء العام، كان من أبرزها فقرة تقول إن الاوان قد آن لكي تسقط بقية القيود التي تحول بين المرأة وبين أداء دورها في المجتمع، وأن تتساوى بالرجل، وهي عبارة استقبلتها عضوات المؤتمر -أثناء قراءة عبدالناصر للميثاق- بتصفيق حاد متصل، شاركهن فيه المتعاطفون مع قضية المرأة من الرجال، واستقبلها المحافظون -وكانوا يشكلون أغلبية الأعضاء- بفتور ظاهر.
وحين بدأ المؤتمر مناقشة نصوص الميثاق توقف الشيخ محمد الغزالي -وكان آنذاك أحد كبار المسؤولين في وزارة الأوقاف- أمام هذه الفقرة، ليطرح مجموعة من الأسئلة شبه الاستنكارية عن المقصود بالقيود التي تشل حركة المرأة.. وعن حدود المساواة بينها وبين الرجل.. وكيف يمكن التوفيق بين ذلك وبين ما ورد في الشريعة الإسلامية بشأن حقوق كل من الجنسين وكيف يمكن -في ظل هذه المساواة- تلافي الأضرار التي تلحق بالأخلاق العامة نتيجة تبرج النساء واختلاطهن بالرجال؟
وتخلص «عبدالناصر» من الإجابة عن هذه الأسئلة بلباقة، بأن طلب من الشيخ «الغزالي» أن يقدم للمؤتمر دراسة في هذا الشأن لكي يناقشها، وفي رده على ما أثاره الشيخ بشأن تأثير تعلم المرأة وعملها الضار على الأخلاق العامة، قال إنه يرى أن تعليم المرأة وعملها، خاصة في الطبقات الفقيرة ومحدودة الدخل، يكسبانها خبرة تمكنها من أن تعول نفسها، ومن المشاركة في إعالة أسرتها، وهو ما يصون أخلاقها ويحميها من الزلل، ويحول بينها وبين الاضطرار لبيع جسدها.
وعلى هامش المناقشة التي جرت بين الرئيس والشيخ نشرت «الأهرام»، في اليوم التالي -وكان يوم جمعة- كاريكاتيرا للفنان «صلاح جاهين» يصور الشيخ الغزالي وهو ينظر من ثقب المفتاح في باب غرفة مغلق وتحته عبارة «فتش عن المرأة» وهو ما اعتبره مريدو الشيخ ممن تعودوا أن يصلوا الجمعة خلفه في مسجد «عمرو بن العاص» -وكان إماما وخطيبا له- محاولة للسخرية منه، والانتقاص من قدره، فخرجوا -عقب الصلاة- في مظاهرة توقفت أمام مبنى «الأهرام» تهتف بسقوط صلاح جاهين وسقوط الصحفيين الجهلاء!
وخلال نصف القرن الذى انقضى منذ خرجت هذه المظاهرة التي كانت حدثا فريدا في زماننا، تغيرت الدنيا، وأقرت معظم التيارات الإسلامية بحق المرأة في التعليم والعمل، بعد أن أثبتت كفاءتها وأهميتها في كل مجالاتهما، من الطب إلى الهندسة ومن الزراعة إلى التجارة ومن الطيران إلى علوم الفضاء.. وتحت ضغط الظروف الاقتصادية التي أصبح معها الرجل غير قادر وحده، خاصة في الطبقات محدودة الدخل، على إعالة أسرة أو تحقيق مستوى معيشة لائق لها، وبعد أن أثبتت الدراسات أن 40٪ من الأسر المصرية، تعولها نساء بسبب الترمل أو الطلاق أو عجز الزوج عن العمل.
بل إن بعض هذه التيارات المحافظة، سلّمت للمرأة بحقوق كانت لاتزال محل جدل شبيه حتى ذلك الحين، ليس في البلاد الإسلامية وحدها، بل في بعض الدول الأوروبية كذلك، مثل الحق في الانتخاب، بعد أن اكتشفت تحت ضغط الواقع أنها لا يمكن أن تستفيد من أصوات الناخبات في الحصول على مقاعد في المجالس النيابية، توصلها في النهاية إلى تشكيل الحكومات، ومع أن بعضها لايزال يتحفظ على حق المرأة في الترشيح، إلا أن يضطر إلى ترشيح عدد من النساء، لأن الدساتير تعتبر الترشح والانتتخاب وجهين لحق واحد، أو لأنها تخصص عددا معينا من مقاعد المجالس النيابية للنساء، ولأن الضرورات تبيح المحظورات، والشريعة تجيز أكل الميتة في سنوات المجاعة، فهم يرشحون النساء على قوائمهم ويضعون مكان صورهن في ملصقات الدعاية الانتخابية، صورة زهرة.. على أساس أن النائبة المحترمة ستدخل البرلمان لمجرد الزينة.
ومنذ سنوات وفي أثناء الانتخابات العامة التي جرت في إحدى الدول العربية، خرج أحد المنتمين لهذه التيارات، بفتوى خلاصتها أن المرأة المقيدة في جدول الانتخابات ملزمة بأن تعطي صوتها للمرشح الذي يصوّت له زوجها وإلا اعتبرت ناشزا.. وهي فتوى عارضها آخرون من رجال الدين انطلاقا من أن التصويت في الانتخابات شهادة، ولا يجوز للشاهد أن ينيب عنه آخر في الإدلاء بشهادته، إذ هو مسؤول عنها أمام الله عزّ وجل.
أما المؤكد فهو أن إثبات أهلية المرأة، لكي تتساوى بالرجل، كان ولايزال مسؤولية المرأة نفسها، ولولا أنها نجحت في أن تثبت بالعلم والعمل، انها أهل لكي تحصل على حقوقها التي كفلها لها الشرع لما تغيرت الدينا، خلال نصف القرن الذي انقضى ولما اضطر المحافظون الذين يطالبون بإعادتها لكي تكون رهينة المحبسين البيت والرجل، لالتزام موقف الدفاع.. ولايزال أمامها شوط من النضال، لكي تلزمهم موقف الاجتهاد الذي ينبههم إلى أن المساواة منحة من الله.. وليس من الرجل!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها