النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

لا الأمة استقرت على حال.. ولا الإرهاب ناما

رابط مختصر
العدد 9553 الجمعة 5 يونيو 2015 الموافق 17 شعبان 1436

انتهت الأزمة المصرية التي كادت تعصف بكيان حزب الوفد المصري، أقدم الأحزاب السياسية العربية وأطولها عمرا، إذ لا يفصل بينه وبين الاحتفال بمرور قرن كامل على تأسيسه سوى ثلاث سنوات فقط، بعد أن عبر الرئيس - في لقاء جمعه بطرفي الأزمة - عن أمله في أن يتوصلا إلى حل وسط، يحول بين الوفد وبين أن يلقى المصير الذي لقيه معظم الأحزاب المصرية، بل ومعظم الأقطار العربية، فيفقد وحدته وتماسكه، ويتشرذم إلى كانتونات حزبية صغيرة، تنشغل بالصراع فيما بينها عن مواجهة العدو الرئيسي الذي يتآمر عليها وعلينا جميعا.
وليست هذه أول مرَّة يتعرض فيها هذا الحزب العريق لعاصفة تهدد وحدته، فقد تعرض لأربع عواصف عاتية من هذا النوع في عصره الذهبي - بين تأسيسه عام 1918 وحله مع بقية الأحزاب السياسية المصرية التي كانت قائمة آنذاك عام 1953 - حين كان حزب الأغلبية الشعبية بلا منافس، أسفرت في كل مرَّة عن انشقاق مجموعة محدودة من قيادته لتشكل أحزابا صغيرة، لا جماهير ولا تأثير لها، بينما بقي الحزب العريق متماسكا بتماسكه ووحدته.
وعلى العكس من العاصفة الأخيرة، كان السبب الرئيسي في عواصف الماضى في الغالب سياسيا وليس تنظيميا وموضوعيا وليس شخصيا، فقد حدث أول انشقاق كبير في حزب الوفد عام 1921، حيث مالت أغلبية قيادته في ذلك الزمن، إلى قبول التسوية التي عرضها اللورد «ملنر» - وزير المستعمرات البريطاني - لحل القضية الوطنية المصرية، بينما رفضها «سعد زغلول» - رئيس الوفد وزعيم ثورة 1919 - ومعه أقلية قيادة الوفد، لأنها كانت مجرد تنظيم للحماية البريطانية على مصر، لا تحقق شعار «الاستقلال التام أو الموت الزؤام» الذي رفعته الجماهير أثناء الثورة، ومع أن الذين يؤيدونه كانوا أقلية في قيادة الوفد، فقد استند «سعد» إلى جماهيريته الكاسحة، وقرر فصل الأغلبية، التي شكلت فيما بعد «حزب الأحرار الدستوريين».. ليدور صراع إعلامى وسياسى وانتخابى عنيفا بين الحزبين لم يخل من عنف لفظي وبدني بعد أن نجح المنشقون في إقناع بريطانيا بأن تلغي الحماية البريطانية من طرف واحد، وأن تحتفظ لنفسها بممارسة سلطتها في أربع مسائل أساسية، هى الدفاع عن مصر بالذات أو بالواسطة، وحماية مصالح الأقليات ومصالح الأجانب والسودان، فأتاح ذلك لمصر أن تتمتع بالاستقلال الذاتى، وأتاح للمنشقين أن يصدروا دستور 1923، وأن يجروا أول انتخابات نيابية خاضها حزب الوفد الذي اعترض على الفئوية، ولم يشترك في وضع الدستور، وفاز فيها بالأغلبية الساحقة بينما مُنى المنشقون بهزيمة مريرة.
وبعد حوالى عشر سنوات، حدث الانشقاق الثانى في الوفد، وكان يتعلق بالدستور الذي دافع عنه الحزب، على الرغم من رفضه للمشاركة في اللجنة التي وضعته، بينما انقلب عليه المنشقون الذين وضعوه، بعد أن حجبت عنهم الجماهير أصواتها في الانتخابات واعتبروه ثوبا فضفاضا، فأوقفوا العمل به عندما تولوا الحكم بأنفسهم وأيدوا إلغاءه واستبدال دستور آخر به، هو دستور 1930 الذي وضعه الديكتاتور إسماعيل صدقى، وحين عرضت - في عام 1932 - فكرة تشكيل حكومة ائتلافية، تجمع بين «الوفد» و«الأحرار الدستوريين»، مال ثمانية من الأعضاء في قيادة الوفد لقبول العرض، فرفض «مصطفي النحاس» - خليفة سعد في رئاسة الحزب العتيد - قبول العرض، وأصر على إعادة دستور 1923 وعلى إجراء انتخابات حرة نزيهة تسفر عن حكومة يشكلها الحزب الذي يفوز بالأغلبية، وقرر فصل الأعضاء الثمانية الذين أطلق عليهم الصحفي الكبير الراحل محمد التابعى اسم «حزب السبعة ونص» لأن أحدهم وهو «على الشمس» كان قصير القامة بدرجة ملحوظة، مع أنهم لم يشكلوا حزبا، بل ظلوا مستقلين وضاعوا في الزحام.
وحدث الانشقاق الثالث عام 1937، لسبب سياسى يتعلق بفساد الإدارة الحكومية في ظل حكومة الوفد التي كانت تتولى الحكم آنذاك، واتجهت إلى إرساء مناقصة لتعلية خزان أسوان لرفع كفاءته في توليد الكهرباء على إحدى الشركات، وعارض عدد من الوزراء الوفديين مشروع التعاقد داخل مجلس الوزراء وساندهم عدد من النواب تحت قبة البرلمان الذي كانت أغلبيته وفدية، بسبب شبهات قامت لديهم في أن وراء التعاقد مصالح خاصة تدعو للريبة، وانتهت العاصفة بإقالة للوزراء المعترضين من الحكومة، ثم فصلهم من قيادة وعضوية الوفد، وكان من بينهم اثنان من أبرز قادة ثورة 1919 هما «أحمد ماهر» و«محمود فهمى النقراشى»، اللذان أسسا فيما بعد «الهيئة السعدية الوفدية» وأطلقوا على الوفد اسم «الهيئة النحاسية» في إشارة إلى أنهم أصل الوفد وأبناء سعد زغلول.. وانتهز خصوم الوفد الفرصة ليقيلوا الحكومة الوفدية، ويحلوا مجلس النواب الوفدي ويزوروا الانتخابات، لكى يتشكل مجلس نواب من الحزبين المنشقين، ومن المستقلين هدفها الأساسى هو تحطيم حزب الوفد.
وبعد شهور قليلة من عودة الوفد إلى الحكم عام 1942، وقع الانشقاق الثالث، وتزعمه آنذاك سكرتير عام الوفد، والرجل القوى فيه مكرم عبيد، الذي اتخذ من فساد الحكم ميدانا لمعركته مع قيادة الوفد، التي كان أحد أركانها لمدة 15 سنة قبل ذلك، منددا بالمحسوبية والرشوة واستغلال بعض أصهار رئيس الحزب وأصهار قادته لنفوذ أقاربهم في التربح من المال العام والتجارة في السوق السوداء، لينتهى ذلك بأزمة ضارية انتهت بإقالة مكرم عبيد من الحكومة، ثم عزله عن سكرتارية الوفد، ثم فصله منه، ليشكل مع أنصاره «حزب الكتلة الوفدية المستقلة».
وعلى العكس من هذه الأزمات الأربع التي كان العامل السياسى وجهها الأكثر بروزا، فقد نشأت الأزمة الأخيرة، استنادا إلى أسباب تنظيمية بالأساس، كان بالإمكان التوصل إلى حلول لها داخل هيئات الحزب المعنية، دون المغامرة بتفجير الخلاف بشكل علني يهز استقرار الحزب، في وقت يستعد فيه لخوض الانتخابات البرلمانية... ومع أن المشكلة قد حلت بعد مبادرة الرئيس السيسي، إلا أنها ذكرتني بقصيدة أمير الشعراء أحمد شوقى التي كتبها أثناء تصاعد الصراع بين الأحزاب عام 1920، بينما الاحتلال ما زال قائما ووحدة مصر مع السودان توشك أن تضيع، وقال في مطلعها «إلام الخُلف بينكمو إلاما/ وهذه الضجة الكبرى علاما؟/ وفيم يكيد بعضكمو لبعض/ وتبدون العدواة والخصاما/ وأين الفوز لا مصر استقرت على حال.. ولا السودان داما».
ذلك سؤال استنكاري، ينبغي أن نوجهه لا لحزب الوفد وحده، ولكن للأمة العربية كلها التي تشتبك أحيانا في معارك لا جدوى من ورائها، مع أن كل ما يجري عندنا ومن حولنا يقول أنه «لا الأمة استقرت على حال ولا الإرهاب ناما»!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها