النسخة الورقية
العدد 11001 الخميس 23 مايو 2019 الموافق 18 رمضان 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:18AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:21PM
  • العشاء
    7:51PM

كتاب الايام

بالقلم الرصاص

بين القَبْلِ والبَعْدِ

رابط مختصر
العدد 9551 الأربعاء 3 يونيو 2015 الموافق 15 شعبان 1436

   بالأمس، وتحديدا قبل أن تستبد بنا وقائع ما سمي بـ»الربيع العربي»، وتعصف بنا حيثياتها المتناقضة مع ما كنا إليه نطمح، وتحدث يومياتها شروخا اجتماعية وجروحا دامية لطخت ضفاف الوعاء الجغرافي الذي يمتد من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي؛ لتصل إلى قلوب مواطنيه من كافة النحل والأعراق، وتسكن فيها كراهية وحقدا متبادلا في ما بينهم. بالأمس عندما كان يُذكر أمامنا اسم «حزب الله» وبالتبعية اسم الأمين العام الذي يتزعمه، فإننا في التو والحال نتذكر إسرائيل ولبنان والصدامات المسلحة التي كان هذا الحزب طرفا فيها مشعلا نارها، مرة باسم تحرير الأرض، وأخرى من باب «الترف» البطولي استعراضا لفائض من قوة هامشية استنزفت هياكل الدولة اللبنانية وورطت شعبا بأكمله في مآس لا صانع لها إلا مغامرات نصر الله وعصابته.
  اليوم اختلفت الحال، فعند ذكر اسم هذا الحزب أو اسم أمينه العام فإن الذاكرة تمطرنا في الحال بسيل من المؤامرات والاغتيالات والتدخلات في شؤون الدول التي ما انفك هذا الحزب يقودها أو يكون شريكا فيها، كما تحضرنا صورة متخيلة عن مجتمع طائفي يعيث فيه هذا الحزب خرابا، وتقفز أمامنا مسألة الطابور الخامس الذي ترعاه إيران وقد نذر، هذا الحزب، نفسه ليكون في خدمة الدولة الفارسية، متناقضا بذلك تناقضا صارخا مع سيادة الدولة اللبنانية واستقرارها، مادا أصابعه الإجرامية إلى منطقة الخليج العربي متواطئا في ذلك مع من يتبجحون برفع أعلامه هنا وهناك؛ ليعبث بمصالح دول مجلس التعاون خدمة للكاهن الأعظم الرابض في طهران وقم.
   شخصيا لا يأتي في خلدي ذكر لبنان اليوم بأي حال من الأحوال عندما يُذكر «حزب الله» أو اسم أمينه العام؛ لاعتقادي اليقيني المطلق بأن هذا الحزب لا يمثل لبنان ولا اللبنانيين، فهذا البلد الذي يفاخر بعروبته أبعد ما يكون عن أن يمثله هذا الحزب الطائفي، أو أن يتحدث باسمه من اعتاد أن يمعن في قراءة الإملاءات التي ترده من (قم) ويتفاخر باستظهارها واعدا مصدريها له بترجمتها حقيقة وممارسة في الواقع حتى لو أحال هذا الواقع إلى جحيم.
   من ناحية ثانية، وبالأمس أيضا، فإننا ومنذ نشأة تنظيم القاعدة فإن ذكر هذا التنظيم لا يستتبعه إلا ذكر الانتحاريين والتفجيرات وسوء العاقبة التي حلت بالعرب منذ «غزوة» منهاتن في الحادي عشر من سبتمبر 2001. أظن أن المقام يسمح لي أن أقول للطيبين من المذهبين، السنة والشيعة اللذين يزعم كل من «حزب الله» و»القاعدة» تمثيلهما، بأن «خيرات» هذين التنظيمين الطائفيين فاضت بحيث لم تتبق منطقة سواء أكانت عربية أوغير عربية إلا وأن لسعها لهيب هذين التنظيمين، وما استنسخته من تنظيمات وجماعات لم تأخذ ذات الأسماء ولكنها تمارس ذات النهج، مثل «داعش» في العراق وسوريا، و»أنصار الله» في اليمن، و»الوفاق» في البحرين وغيرها.
   اليوم، وبعد أن بات جليا أن ما سمي ربيعا عربيا ما هو إلا خريف تساقطت فيه كل الأوهام بالتغيير والديمقراطية؛ حيث أن الديمقراطية، وهذا ما ينبغي أن يصل إلى إفهام البسطاء والمغرر بهم، لا تنشئها الأحزاب الدينية الثيوقراطية، ولا الأصولية القومية ولا الأرثودكسيات الماركسية. فالوقائع أثبتت أن وجود الأحزاب الدينية والأصولية القومية في البناء الديمقراطي جالب للضرر هادم لدعامات البناء الديمقراطي ومقومات الدولة المدنية ودولة المواطنة. مسرح العنف بعد «الربيع العربي» اتسع وغدا شاملا لمناطق عربية عديدة. اليوم عزيزي القارئ ما إن يذكر أحدهم «داعش» إلا ويمثل أمامه بلدان عريقان بعروبتهما وبامتداداتهما وتجذرهما في التاريخ العربي، ألا وهما العراق، الغارقة في مذهبيتها، وسوريا الذبيحة ببشارها والطافحة في بركة دمها ببركات تدفق الأصوليات العقدية المتطرفة إليها شرقا وغربا.
  زادت الصورة قتامة حين تسلق الحوثيون المشهد قادمين من صعدة، من عمق اليمن، التي لم تكن معروفة بالنسبة إلى الكثيرين، فتتذكر في الإجمال بلوى اليمنيين مع هذه المجموعة الطائفية التي باعت وطنها بثمن بخس في سوق الخيانة الوطنية للمشتري الفارسي الذي يبحث في أوراق التاريخ عن ممارسات شاهنشاهية إمبريالية تدعي تبعية مناطق عديدة من دول الخليج العربي لها.
   تحدثت عن «القَبْل» في المستهل وكان يحضرني «البَعدُ». «حزب الله» على سبيل المثال صنع مجدا وبنى صرحا من ضلال. هذا المجد وهذا الصرح ليسا من صنعه وإنما من صنعنا نحن المغفلين، ليأتي زعيمه اليوم يهدد دول وشعوب عريقة عجز عن هزمها أصحاب «الإمبراطورية» التي ولِدَ من رحمها سادة أمين هذا الحزب وأولياء نعمته. «حزب الله أراد أن يحصر أعداءنا في دولة إسرائيل في الوقت الذي يتصدر الأعداء بالنسبة إلينا في منطقة الخليج العربي إيران التي تستهدف مجتمعاتنا الخليجية في التماسك الذي يشد نسيجها الاجتماعي العميق.
   المشهد الاجتماعي بالمجمل يبدو بائسا، ولعل سؤال هل سيبقى المشهد على حاله؟ يبدو اليوم مشروعا أكثر من ذي قبل، ويبدو أن إرهاصات الإجابة المطلوبة تأتي من الدول التي نأت شعوبها بأنفسها عما سمي بـ»الربيع العربي.» وتتزعم هذه الدول المملكة العربية السعودية التي تأخذ على عاتقها مهمتين أساسيتين، وهما تطهير المنطقة العربية من التطرف والإرهاب، وكنس التنظيمات الراعية له من «القاعدة» إلى»داعش» و»حزب الله»، وإعادة الهبية المفقودة إلى العرب وإرجاع تأثيرهم الدولي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها