النسخة الورقية
العدد 11145 الإثنين 14 أكتوبر 2019 الموافق 15 صفر 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:17AM
  • الظهر
    11:24AM
  • العصر
    3:43PM
  • المغرب
    5:11PM
  • العشاء
    6:41PM

كتاب الايام

مطارحات

«جئت أغنِّيكَ وبعضُ من الغناء بكاءُ»!

رابط مختصر
العدد 9551 الأربعاء 3 يونيو 2015 الموافق 15 شعبان 1436

تصدير
(ان الدول تأتي وتذهب، وأنه قد آن الأوان لكي يذهب العراق!)- جوزيف كوهين- الواشنطن بوست.

***
ما يحدث في العراق منذ الاحتلال الأمريكي في 2003م وحتى اليوم نكبة حقيقية، تفوق في كارثيتها وتداعياتها نكبة 1967م على العرب، وذلك لأن نكبة 67 كانت مجرد نكسة عسكرية- سياسية، تم تداركها ولو جزئيا بحرب الاستنزاف،  وصولا إلى انتصار أكتوبر 73م، أما الحالة العراقية التي صنعها الأمريكان وبني مفرداتها بريمر، وأثث فضاءها السياسي- الاجتماعي المليشيات التي يديرها ويمولها الحرس الثوري الإيراني، فقد تحولت الى كارثة سياسية وعسكرية وإنسانية من الدرجة الأولى، فالدواعش في الشمال والغرب والوسط، والاكراد استقلوا بذواتهم، والجنوب ترتع فيه المليشيات الايرانية..
احتلت الولايات المتحدة الأمريكية بمعاونة بريطانيا العراق قبل 12 سنة بناء على ثلاث ذرائع معلنة:
- تخليص العالم من أسلحة الدمار الشامل العراقية.
-تخليص العالم من ديكتاتورية نظام صدام حسين.
-بناء الديمقراطية والأمن والسلام في العراق وفي المنطقة.
واليوم، وبعد خروج قوات الاحتلال الامريكية واحتفاء السيد بارك اوباما بالتجربة ( العراقية الديمقراطية الفريد) في خطاب رسمي الاحتلال ماذا تحقق على الأرض؟
- اكتشف العالم أن أسلحة الدمار الشامل العراقية كانت أكذوبة كبيرة، كما اكتشف إلى أي درجة يمكن للسياسة أن تكون لعبة قذرة ولا أخلاقية.
- تمت إزاحة صدام حسين وإعدامه انتقاميا، وتم تهشيم الدولة العراقية وتقطيع أوصالها، ولم يبق من وحدة الوطن العراقي التي ناضلت الأجيال من اجلها إلا بقايا شعارات احرقتها الطائفية، وفي المقابل تم إحلال نظام الطوائف والمليشيات، فتراجع مستوى العيش وأمنه بشكل مأساوي، أما حقوق الإنسان العراقي في الفوضى العارمة، فان الصور اليومية للقتل والموت المبرمج والتقاتل الطائفي والتدمير المنهجي والمجازر اليومية تكفي لإيجازها.
- أما فيما يتعلق بتحقيق الهدف الثالث وهو بناء الديمقراطية في العراق والمنطقة، فانه أمر يدعو الى السخرية، لأن ما تم في العراق الى حد الان لا علاقة له بالديمقراطية، إلا اذا كان المقصود ورقة في صندوق الاقتراع فقط..
إن الأهداف السياسية والاستراتيجية والاقتصادية الفعلية لهذه الحرب لم تكن خافية على أحد: استبدال نظام صدام حسين بنظام أكثر ولاء وتبعية للمصالح الأمريكية، واستكمال تطويق سوريا، وفرض الرقابة على إنتاج النفط وتسويقه. وهذه المعطيات ملخصها أن العراق كما كان يريده الأمريكان: بلد بدون هوية، بدون انتماء، بلد فيدرالي منزوع السلاح إلى حد ما، بحكومة مركزية ضعيفة، موزعة بين الفئات والطوائف والقوميات، تتقاسم المناصب والمغانم على هذا الأساس، وتكون خيوط السيطرة والتحريك بيد الأمريكان وحدهم. ولتحقيق هذا الهدف تم تدمير الدولة المركزية العراقية وحل الجيش وأجهزة الأمن تحولت إلى سلطة بعض المليشيات، وهكذا أصبحت السلطة التي نصبها الأمريكيون عاجزة عن السيطرة على البلاد، ولا تمتلك أي أدوات تمكنها من ممارسة سلطة فعلية وفعالة لاستعادة الأمن والاستقرار والرخاء وضمان وحدة البلاد الجغرافية والسياسية. ولكن ما حدث على ارض الواقع ان الامريكان فقدوا السيطرة بفشلهم الذريع في إدارة ما بعد الاحتلال، بما أدى الى ملء الفراغ من قبل الإيرانيين، والعصابات المتوحشة المسماة داعش والمليشيات الطائفية المدعومة من إيران. ولذلك لا غرابة ان تبلغ صورة  العنف والفوضى في العراق إلى الحالة العبثية المطلقة، من خلال كثافتها، وبشاعتها ودمويتها، في مواجهة عجز الهيمنة الامريكية وضعف الحكومة المركزية معا عن إيقاف مسلسل الدم العراقي المهدور يوميا في كل مكان الذي يستهدف العراقيين من خلال القتل العشوائي الانتقامي، حياة مقابل حياة، انه يختلف عن العنف الذي يمارس في سياق حرب نظامية على يد قوة عسكرية منظمة ذات عقيدة عسكرية، فالمليشيات هي التي تتقاتل فعليا فيما يفر الجيش النظامي تاركا وراءه الأسلحة الحديثة التي تم شراؤها او منحها.
انه عنف متوحش وعقائدي يحمل في طياته السمات الفوضوية لتمرد عاجز، بمعنى انه موجه ضد الذات الوطنية وبدون هدف سياسي في اغلب الأحوال، فهو غير موجه ضد العدو المحتل، بل ضد فئات أخرى من المجتمع الذي كان يعيش حالة عميقة من التعايش والتضامن قبل الاحتلال، فالنتيجة الوحيدة المترتبة عن هكذا عنف هي إثارة مشاعر الصدمة والقلق لدى المواطنين والرغبة في الانتقام، أو الهجرة والمغادرة، وما يترب على ذلك من استحالة ترميم هذه العلاقات في المستقبل، بما يدفع الى القول بحتمية التقسيم.
 إن هذه الظاهرة الجديدة لم تكن موجودة في العراق، بل كانت أحد أخطر تداعيات الاحتلال الأمريكي، وتفكيك مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية والسياسية واستعادة البنى البدائية التي تنتمي إلى ما قبل عصر الدولة، وإطلاق يد إيران والحرس الثوري في العراق ليعبث به وبمقدراته ووحدة شعبه. وان ما يهمنا في هذه الظاهرة أنها باتت وثيقة الارتباط بالاستراتيجية الأمريكية في محاولتها إيهام الرأي العالمي، وخاصة الرأي العام الأمريكي بخلق عدو اسمه الإرهاب، حيث أصبح لهذه الظاهرة طابع الفرجة التي ترشدنا منذ صعود الإمبراطوريات الاتصالية الكبرى إلى تحالف القوة الاتصالية مع القوة التكنوقراطية في المجتمع الاتصالي الجديد الذي تصبح فيه السلطة السياسية سلطة دعائية إعلانية متواطئة مع خبراء الاتصال والإعلام والتسويق السياسي والتي لا تترك مجالا للتفكير وللرؤية الناقدة، ولذلك تربك روابط الانتماء والهوية وتنتج ثقافة يشرّع فيها استعمال العنف والحرب والتوحش والفوضى. ولذلك فإن ما يجري في العراق من مآس وعبث هو بالأساس مسؤولية الاحتلال الأمريكي والسياسة الامريكية الفاشلة قبل أي طرف آخر.
همسة
مرحباً يا عراقُ، جئتُ أغنّيكَ وبعـضٌ من الغنـاءِ بكـاءُ
سكنَ الحزنُ كالعصافيرِ قلبي فالأسى خمرةٌ وقلبي الإنـاءُ
فجراحُ الحسينِ بعضُ جراحي وبصدري من الأسى كربلاءُ
مرحباً يا عراقُ. هل نسيَتني بعدَ طولِ السنينِ سامـرّاءُ؟
.....كان عندي هـنا أميرةُ حبٍّ ثم ضاعت أميرتي الحسـناءُ
إنَّ في داخلي عصوراً من الحزنِ فهـل لي إلى العـراقِ التجاءُ؟

من قصيدة ـ لنزار قباني

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها