النسخة الورقية
العدد 11029 الخميس 20 يونيو 2019 الموافق 17 شوال 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

بقرة «غاندي».. ومتى تتوقفون عن قذفنا بالأبقار المذبوحة؟

رابط مختصر
العدد 9547 السبت 30 مايو 2015 الموافق 11 شعبان 1436

لم يجد صديق لي وهو يعلق على واقعة تفجير مسجد علي بن أبي طالب ببلدة القديح بمحافظة القطيف السعودية على تويتر، سوى قول الزعيم الهندي المهاتما غاندي: «كلما اتحد شعب الهند ضد الاستعمار الإنجليزي، يتم ذبح بقرة ورميها بالطريق بين الهندوس والمسلمين، لكي ينشغلون بينهم بالصراع الطائفي ويتركون الاستعمار يلهو ويعبث بمقدرات الهنود». أما وقد سقط وأصيب فوق الخمسين مصليا في انفجار المسجد المشار إليه في فاجعة يندى لها جبين الإنسانية، فنحن نقول، بل ونتأسف حقا على ما جرى. لماذا الأسف والغضب؟.. الإجابة لا تحتاج لتوضيح أكثر مما قاله غاندي حقا في تشبيه الاستعمار الإنجليزي وبث الفتن والفرقة بين أبناء الشعب الهندي الواحد المتعدد الأديان والملل. فالمستعمر الجديد هنا في أرضنا العربية في العام الخامس عشر بعد السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين، يكرر ما فعله المستعمر القديم في الهند وغيرها من شعوب العالم الكثيرة التي تم استعمارها لسنوات وأجيال وقرون.
ففي مدينة القطيف السعودية وبتفجير مسجد علي بن أبي طالب، تم ذبح بقرة جديدة، ورماها الاستعمار في الطريق بين المسلمين، لن نقول سنة وشيعة، لأننا جميعا ندين بدين الإسلام وربنا واحد وقرآننا مقدس، حتي وإن اختلفت المذاهب بيننا، فنحن مسلمون وسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو نبينا ورسولنا الصادق الأمين.. ولكن للأسف، نجح الاستعمار الجديد، سواء اطلقنا عليه داعش أو النصرة أو القاعدة، فقد تم ذبح بقرة ورميها بالطريق. وما عسانا نفعل إذا قامت نفس الجهة التي فجرت مسجد علي بن أبي طالب، بتفجير مسجد أخر للسنة في المرة القادمة؟ سنقول وقتها أيضا أن الفاعل ذبح بقرة أخرى ورماها في الطريق، ليفعل ما قام به الاستعمار الإنجليزي في الهند التي تخلصت منه بعد قرون من البلاء والمعاناة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
لقد أصبحنا في محنة حقيقية، بكثرة التفجيرات، الي أن بلغت مساجدنا، سواء أكانت للسنة أو للشيعة، وكلنا أبناء دين واحد، فماذا نتوقع من هؤلاء لاحقا؟ فالأماكن المقدسة قد مسها شر، وبتفجير، وبمفرقعات، ورصاص، ولم يراعوا حرمة مسجد، أو خطبة جمعة، أو مصل طفلا كان أو شابا أو رجلا أوعجوزا.
وكم منا ذهب للمسجد وهو أب يحمل معه طفله ليعوده على صلاة الجمعة في المسجد ولتكون عادة تتناقلها الأجيال، من بدايات الإسلام الأولى وإلى يوم الدين ولو كره الكافرون، أما مسجد علي بن أبي طالب بالقديح فقد كان الأمر مختلفا، إذ ذهب الأب كعادته ولكنه عاد بلا طفله، لم يعد لمنزله وابنه بجواره هذه المرة، فقد اغتال الغدر الأسود الطفل، وروى دمه أرض المسجد بعد أن استهدفه أعداء الدين والوطن وهو يصلي، ولوع الفراق قلب أمه التي كانت نشرت صورة لتوها لطفلها ابن الخمسة أعوام تزف فيه لأقاربها وأصدقائها نبأ تخرج صغيرها من الروضة. وعندما تحدثوا مع والد الطفل بعد أيام من موته، قال الأب المكلوم إنه ما زال يسمع أنفاس ابنه الأخيرة تتردد في أذنيه. يتذكر الأب، إنها الركعة الثانية عندما فجر الإرهابي نفسه بحزام ناسف، ليجري الى المكان الذي يجلس به الطفل في الصفوف الخلفية بالمسجد وسط فوضى عارمة وانتشار الدخان والجثث، ليتحسس ابنه الذي كان ينزف بغزارة من أعضاء متفرقة من جسده فحمله إلى المستشفى القريب في البلدة حيث لفظ أنفاسه الأخيرة وليحين موعده مع القضاء والقدر حيث يفقد فلذة كبده. فاجعة الطفل هي حقيقة أبرز عنوان لإدانة مرتكبي الجريمة ومن يقف خلفهم، حيث سيبقى شاهدا على رداءة الفكر التكفيري كما يعري خطاب التحريض ومن يقف خلفه.
الذي قتل هذا الطفل سواء داعشي أو قاعدي أو أي تنظيم إرهابي مهما كان مسماه، هو أحمق وأعمى، أو عديم الدين والمروءة، لأنه لو فكر مليا قبل الإقدام علي فعلته السوداء لما نفذها قط، فداعش هي ربيبة القاعدة، والذي أسس هذا التنظيم الإرهابي في بدايات الثمانينيات هي الولايات المتحدة الأمريكية لتحرير أفغانستان من الاحتلال السوفيتي آنذاك، وأصبح للقاعدة فعلا قاعدة كبيرة من الأنصار والمؤيدين والقتلى المأجورين إذا شئنا الدقة قولا وعملا. فالأمريكيون علموا القاعدة الأعمال العسكرية – وكثير من الأفلام الأمريكية خير شاهد على هذا لانها تفاخرت بهذا الدعم – لينقلب السحر على الساحر، وهو ما يقودنا الى تساؤل مهم:»هل فعلا القاعدة وداعش وغيرها على عداء مع أمريكا؟.. أ م هو مخطط تسير فيه واشنطن لذر الرماد في العيون؟».
مشكلة الإرهابي الذي قتل المصلين في مسجد علي بن أبي طالب، انه جاهل وأعمى، فهو قتل مواطنيه، وهم سعوديون مثله، بدعوى أنهم شيعة وليسوا سنة، وبدعوى انهم مشركون. ومشكلة هذا الإرهابي الجاهل الأعمى، أنه صدق شيوخه الآثمين، الذين حرضوه على قتل المصلين بحقد مذهبي، بدعوى أن المواطنين الشيعة كفار ومشركون يجوز قتلهم، فذهب الإرهابي طواعية وبعد غسيل المخ إلى المسجد يطلب «الشهادة» بدم أبرياء يؤدون الصلاة في خير أيام الأسبوع وهو يوم الجمعة، وبدلا من أن يصلي ويدعو المولى عز وجل لعلها تكون ساعة استجابة، يهم ويفجر نفسه ويقتل من حوله أطفالا وشبانا ورجالا ومسنين، ثم نراهم – أي الشيوخ القتلى – يحتفلون بصنيعهم اللئيم ويصفونه كذبا وزورا بأنه عمل شجاع، ولعلهم من جهلهم لم يقرأوا قط التاريخ الإسلامي وكم يفخر به كل مسلم غيور علي دينه من البطولات التي يزخر بها.
من يتابع المواقع الدينية على الانترنت، ويستمع الى بعض خطباء المساجد، والأحاديث الدينية في القنوات والإذاعات الدينية، سينزعج بلا شك من كم التحريض، فأزمتنا في خطابنا الديني التحريضي والتكفيري، ولن نجافي الحقيقة إذا قلنا إنه خطاب إرهابي يحرض على القتل والعنف والتخلص من الغير حتى لو كان مسلما مثلنا ولكنه يخالف مذهبنا، والله وحده يعلم اننا كلنا أسوياء. ويجب علينا حكومات وشعوب هذه المنطقة التي عرف عنها الأمن والاستقرار، أن نراجع أنفسنا وما يبثه بعض شيوخنا من سموم في المساجد والمنابر الدعوية والقنوات والاذاعات، فهم يحرضون الشباب على الجريمة تحت دعوى مواجهة المشركين. ولا بد من استبدال خطاب التحريض والكراهية، بخطاب المواطنة، فالمواطنة مساواة، ووحدهم عديمو الأفق هم الذين يتحدثون عن الكراهية والقتل، ومما يؤسف له حقا، أنه حتى خطابنا الثقافي ينال من المواطنة أحيانا تحت بند « الأيديولوجية»، فذاك قومي، وهذا عروبي، وأولئك يساريون، وهؤلاء يمينيون، وبالتالي، ليس أمامنا بديلا سوى القضاء على الخطابات التحريضية والمؤدلجة التي تنادي بالقضاء على المواطنة. فبالأمس، كانت القاعدة، ثم تفرعت اليوم الى القاعدة وداعش وجبهة النصرة وغيرها وغيرها، وتكاثرت المسميات وصعب علينا تذكرها باستثناء الولايات المتحدة، لانها وحدها التي تضع هذ المسميات وتغذيها ببيانات التحريض والتكفير، وتنمي لدى منتميها ثقافة القتل والإرهاب، ثم تدعي واشنطن أنها تقود التحالف الدولي للقضاء على داعش، وكلنا يعلم أنها التي أمدته بالسلاح والمال والخطط، وترفض مواجهته بريا وتكتفي بضربات طيران لن تستطيع القضاء على مثل هذه المنظمات المسلحة تسليحا يفوق الدول. وليس غريبا ان نتوقع نحن العرب أن تنقلب كل هذه التنظيمات على الولايات المتحدة في مرحلة لاحقة لتكرر ما فعله تنظيم القاعدة الذي أسسته أمريكا ثم هاجمها في عقر دارها لينال من استقرارها وسلامها، وليطبق كل هؤلاء المثل العربي المعروف «علمته الرماية فلما اشتد ساعده رماني» أو في قول أخر «ينقلب السحر على الساحر».
اجمالا.. لابد من القضاء علي الكراهية والتحريض حتي تعود مجتمعاتنا آمنة سالمة مستقرة. نعم لقد توعد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز عاهل المملكة العربية السعودية بملاحقة المجرمين وإنزال أقصى العقاب بهم، ونحن نتفهم غضبة الملك سلمان، ولو عرف كل شيعة المنطقة مدى حرص هذا الرجل علي حياتهم وممتلكاتهم، لأقاموا له التماثيل في كل المدن العربية والفارسية. فامن السعودية هو أمن لإيران نفسها، وأمن إيران مرتبط تماما بسلامة السعودية ومنطقة الخليج كلها، ولعلنا ندرك جيدا، ان السعودية ودولنا الخليجية خير مثال للتسامح المذهبي، ولعل الجميع يدرك هذا قبل فوات الأوان، الى أن تتوقف أمريكا وشياطينها عن بث سمومها التحريضية في منطقتنا. لكم نظمت السعودية وكل دول الخليج، الكويت، البحرين، عمان، قطر، الإمارات، مؤتمرات ومنتديات كثيرة عن التسامح الديني وتبني خطابا تنويريا بضرورة مواجهة الإرهاب، ولن نتخلى نحن شعوب هذه المنطقة وحكوماتها عن التسامح الذي تعايشنا به. فنحن في غنى عن بقرة الاستعمار المذبوحة التي يقذف بها في الطرق ليستثيرنا وننقلب على بضعنا البضع، فالمستعمر الجديد هاله اتحادنا وتكامل قوتنا في مواجهة ما تعرض له اليمن الشقيق، فآثر أن يرمي لنا ببقرة جديدة، وعلينا أن نتجنب الطعم ونفوت عليه فرصة التلاعب بنا، ولنستيقظ جيدا لمثل هذه الأحابيل والمؤمرات التي حذرنا منها غاندي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها