النسخة الورقية
العدد 11118 الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:04AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    3:01PM
  • المغرب
    5:41PM
  • العشاء
    7:11PM

كتاب الايام

خداع البسطاء

رابط مختصر
العدد 9546 الجمعة 29 مايو 2015 الموافق 10 شعبان 1436

كنت ضمن مجموعة دار بينها حوار حول الأحداث التي اندلعت شرارتها في الحادي عشر من فبراير قبل أربع سنوات. المجموعة ضمت خليطا من المعارف، عابرين وأصدقاء. أعرف من ضمنهم مشتغلين بالسياسة وبعضهم دخيل عليها، فكانت التوجهات والأفكار متضاربة إلى حد ينذر بحدوث عراك. البعض ممن لم ير نفسه إلا داخل الدوار وفي المسيرات الكارهة للمجتمع البحريني سمى تلك الأحداث بـالـ«ثورة»، وآخرون وصفوها بالحراك المذهبي الخانع لإرادة ملالي إيران، أما أنا من بينهم فلذت بالصمت، نظرا لحدة الحوار وانتفاء قواعده بين المتحاورين. فقررت إعادة نشر ما سبق لي أن نشرته في هذه المساحة؛ لأن به خلاصة ما أعتقده إزاء ذاك الحراك الطائفي بامتياز. مع يقيني ان الحديث عن «ثورة» في البحرين ضرب من ضروب الملهاة تؤكد معطيات الواقع البحريني المستجيبة للتطور المدني الذي تشهده دول العالم المتقدم فقر هذا الطرح وجنوحه إلى التطرف والغلو.
  تخادع الجماعات المذهبية مريديها من البسطاء عندما تسم حراكه المذهبي بـ«الثورة» وتتمادى أكثر في خداعهم عندما تصف هذا الحراك العنيف بالحراك السلمي رغم ما شهده من ضحايا ومتضررين من مدنيين وعسكريين ومواطنين ومقيمين. الشاهد على ما أقول إن تفاصيل يوميات هذا الحراك ومشاهده اليومية تناقض ما تدعيه الجماعة سلمية، وإدانة هذا الإدعاء صريحة من خلال ما أظهرته أفلام «البطولة» التي أنتجها «الثوار» ذاتهم على مدى السنوات الماضية. فهل يصمد وصف «الثورة» أمام حقائق الواقع الذي أنتجه الحراك، وحيال هذا الارتماء القبيح في بحر أكاذيب رجال الدين بداية من ملالي قم بكل مستوياتهم الدينية والحكومية، وإنتهاء بما قاله ويقوله عيسى قاسم وخادمه علي سلمان منذ ما يزيد على الأربع سنوات؟
وقبل أن أجيب عن سؤالي هذا دعوني أرجئ لبرهة الحديث حول «الثورة» في عموم معناها وليس في خصوصيته «المذهبية» الذي ترهبنا به جمعية «الوفاق»، إلى أن أجيب عن سؤال آخر يفرضه السياق وهو «هل نحن فعلا في حاجة إلى ثورة»؟ إجابتي أنا هي نعم نحن فعلا في حاجة إلى ثورة لكنها ثورة من طبيعة أخرى، إنها ثورة ثقافية حقيقية تسهم في تغيير المسلمات المتوارثة التي لا تنتمي إلى عهد حمد بن عيسى، عهد الميثاق. نحتاج إلى ثورة في فهم معنى الثورة وكنهها وتنأى بها بعيدا عن كلاسيكياتها الدموية المحمولة عبر حقب وأزمان لا تنفع اليوم إلا أن تكون عبرة لمن اعتبر. ثورة فكرية تسهم في تغيير النمطية في طلب التغيير وحجمه، إلى ثورة تفتح مغاليق الإفهام التي تتحدث عن حقوق الإنسان ولا تعير حقوق الإنسان البحريني اهتماما. نعم نحتاج إلى ثورة تخلصنا من هيمنة رجال الدين على الشأن المدني. ثورة تنير العقول وتعيد إلى الجميع الثقة بمبادئ كونية حقوق الإنسان في نسختها البحرينية التي اختزلها ميثاق العمل الوطني وثبتها الدستور وتعمل المدرسة البحرينية على تربية الناشئة عليها، ثورة تجل العقل وقيمه، ثورة تجعل الانتماء إلى البحرين وطنا ملاذا يحضن الجميع أولوية شخصية مطلقة لكل مواطن.
أعود من جديد إلى الحديث عن «الثورة» فأقول إن الثورة هي حراك شعبي يشارك فيه جميع أفراد الشعب، وينحدر أفراد هذا الحراك من كافة الطبقات الاجتماعية ومن أطياف المجتمع المختلفة، وتكون هذه الثورة قائمة ضد طغيان واستبداد ودكتاتورية، وهذا ما لم نجده في حراك الدوار المذهبي الذي تمتد معاناة الشعب البحريني معه على أربع سنوات. الشعب البحريني بعد التصويت على ميثاق العمل الوطني قد حسم أمره واختار النظام السياسي الذي توافقت عليه المكونات الاجتماعية مع بيت الحكم. وقد كان التصويت على الميثاق بمثابة طلاق بائن مع شعارات النضالات التي كانت سائدة قبل ذلك في الحياة السياسية البحرينية.  
من الصعب القول إن في حراك الدوار شيئا أسوأ من شيء؛ إذ أن كل ما نتج عن هذا الحراك هناك يمكن إصدار حكم كلي ونهائي بشأنه مفاده أن كل المتراكم من هذا الحراك على نحو ما شهدناه على مدى الأربع سنوات الماضية يجوز لنا أن نصفه دون تردد بالسيء والخسيس والدوني. ولأن شر البلية ما يُضحك فإنني أجد بأن ما يجمع بين هذه الصفات على سوئها التراجيدي هو ضحك أسود. وإن أكثر ما يثير الضحك في مجمل تلك الصفات هو قول الجمعيات السياسية المذهبية بأن ما جرى في حراك الدوار وما استتبعه من تداعيات مازالت مستمرة «ثورة». فأي نكتة سمجة هذه؟! هل أنهم يقصدون «ثورة» ولائية قادتها «الوفاق» وشقيقاتها على مذاهب وديانات المكونات الاجتماعية الأخرى بما فيها المذهب الشيعي الذي يدعون تمثيله؟ ثم هل هم يستطيعون الكذب علينا عندما يصفون مسيراتهم بمسيرات كل الشعب؟ أستطيع أن أفهم أن جزءا من الشعب ظهر محتجا وهذا من حقه، ولكن بقية الشعب في بيوتهم مذعورون مما قد ينتج بعد هذه المسيرة، ومن حقهم أيضا العيش بأمان في دولة لا ينبغي أن يعلو فيها صوت، مهما كان حجم عمامته أو لونها، على صوت القانون.
علينا أن نقر بأن الثورة كما تعرف في حقل مصطلحات علوم السياسة هي مسعى إلى تغيير الوضع الراهن، غير أن هذا التعريف لم يأتِ قاطعا جازما بأن يكون هذا التغيير دائما تغييرا إلى الأحسن؛ إذ أنه يضيف بالملموس أن هذا التغيير يمكن أن يكون تغييرا إلى الأسوأ كما قد حصل في إيران بعد «الثورة الإسلامية» على نظام الشاه وتأسيس النظام الولائي، ولا يعني ذلك بالضرورة أن النظام الشاهنشاهي السابق كان نظاما مثاليا، فما الذي يعطيكم القناعة الكاملة بأن ثورتكم تقود المجتمع البحريني إلى الأفضل؟ هل أن لقدوتكم وأقصد النظام الإيراني الولائي سطرا واحدا من النجاحات يكفيه كي يكون مثالا يُحتذى؟!
وفق هذا التعريف ووفق ما تقتفيه جمعية «الوفاق» من أثر طالح في إيران أترك لك العنان عزيزي القارئ لتتخيل أي تغيير تسعى إليه «ثورة» يُحرك تفاصيل يومياتها رجال دين كانوا على الدوام من أكثر المتجاوزين للقوانين المرعية في البلاد، ويصدرون فتاواهم من فوق المنابر الدينية إلى قيادات سياسية منتمية إلى ذات المذهب أو بالأحرى إلى ذات التيار في ذات المذهب. وكلنا شاهد حال الجمعيات السياسية وكيف ساءت أحوالها وأصيبت بهستيريا الولولة واللطم عندما صدر حكم قضائي بحل المجلس العلمائي الذي منه كانت تصدر الفتاوى والمأموريات السياسية والعملياتية الحاضة على العنف والحاضنة له، والصادرة خصوصا من «آية الله» عيسى قاسم المكتفي ظهورا ببياناته.  أنا أعتقد أن جمعية «الوفاق» تمارس كذبا أجاجا لخداع الشعب البحريني وتوهمه بأن ما يجري من عنف وإرهاب كامل المواصفات هو «ثورة»، وأن مسيراتها التي تطفح كراهية والممهورة بمباركة ملالي إيران وأمثالهم في لبنان والعراق تعبير عن الرأي. وأحسب أن من تنطلي عليه هذه الخدعة فإنه سيجد نفسه ينساق تدريجيا إلى ممارسة العنف، ويُراكم كراهية مكونات المجتمع الأخرى مثلما راكمتها جمعية «الوفاق» وشقيقاتها على مدى السنوات الماضية. إن وسم الحراك المذهبي في البحرين بـ«الثورة» كذب وخدعة ضحيتها البسطاء من الناس.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها