النسخة الورقية
العدد 11121 الجمعة 20 سبتمبر 2019 الموافق 21 محرم 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    4:05AM
  • الظهر
    11:32AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:38PM
  • العشاء
    7:08PM

كتاب الايام

بين الإقليمي والمحلي

رابط مختصر
العدد 9545 الخميس 28 مايو 2015 الموافق 9 شعبان 1436

هناك حالة من الترقب التي تسيطر على المشهد السياسي البحريني، وهو ترقب غير جامد بفضل بعض الأحداث المتناثرة التي تتخلل هذا المشهد، والتي تعكس في ثناياها حيوية ذلك المشهد وديناميته. لكن بالقدر ذاته، تسود المشهد حالة من الإحباط تنعكس في العديد من الكتابات السياسية التي تصر على ترديد أن «البحرين، بوصف كونها الأصغر، والأقل سكانا، والأدنى دخلا وطنيا، تقبع في خانة المتلقي المستقبل (بكسر الباء) لنتائج الأحداث الإقليمية، ولا تملك إمكانية التأثير فيها».
في مثل هذا القول بعض الصحة لكنه يخفي في طياته الكثير من التبرير لمن يريد أن يتخلى عن مسؤوليته التاريخية، ويترك الحبل على الغارب. ليس هناك من يجادل في كون العوامل الأكثر تأثيرا في أي مشهد سياسي تخلقها القوى الكبرى كل في مجاله. لكن مثل هذا القول يفصح عن نصف الحقيقة فقط، تكمله مقولات أخرى تؤكد على أن للاعبين الصغار في أية ساحة سياسية أدوار لا ينبغي الاستهانة بها، شريطة أن يتقن هؤلاء فنون اللعبة السياسية، ويستوعبوا بشكل ناضج قوانينها.
وللتدليل على صحة ما ورد أعلاه، نبدأ بالاقتصاد، فلو قبل أصحاب الشركات الصغيرة والمتوسطة بأن لا مكان لهم في أسواق يتحكم فيها طواغيت المال، لما رأينا اليوم شركات عملاقة، بدأت صغيرة من أمثال شركة «أبل» و»مايكروسوفت»، بل وحتى «واتس آب» التي بلغت قيمتها في أقل من عشر سنوات ما يقارب من عشرين مليار دولار.  وهذه جميعا ليست حالات استثنائية، ففي الوسع وضع قائمة بأسماء شركات أخرى نجحت في أن تشق طريقها بنجاح منقطع النظير، وسط سوق دولية معقدة لا ترحم من لا يتقن التعامل معها.
وفي السياق الاقتصادي ذاته، يمكننا الاستشهاد بشركة سامسونغ الكورية الجنوبية، التي تنتمي لدولة لا يتجاوز عدد سكانها ولاية من الولايات الأمريكية الكبرى، لكنها استطاعت، أي سامسونغ، أن تقف في مواجهة شركة أبل، وفي عقر دارها، وأزاء أفضل منتجاتها وهو الهاتف الذكي «آي فون». لم تأت سامسونغ بمعجزة، لكنها عوضا عن ذلك أنتجت هاتفا لا يقل ذكاء عن «آي فون» ويتمتع، في الوقت ذاته، بمواصفات تتطلبها السوق العالمية، فنجحت في تحقيق اختراق ملحوظ في سوق شديد التنافسية.
ومن الاقتصاد نعود إلى السياسة، ونستشهد بالمشهد السياسي الفيتنامي، الذي نجح في السبعينات من القرن الماضي، ووسط ظروف إقليمية في غاية التعقيد كانت تعيشها منطقة الشرق الأقصى، وفي فترة تصاعد فيها الخلاف بين أكبر حليفين لها وهما الصين والاتحاد السوفياتي. لكن هانوي، بحنكة زعيمها السياسي هوشي منه، وقائدها العسكري الجنرال جياب، وجبهتها الوطنية المتكاملة، تمكنت من أن تلحق الهزيمة بأكبر قوة عسكرية في حينها وهي الولايات المتحدة الأمريكية.
مرة أخرى، لم تلجأ فيتنام إلى المعجزات، ولكنها استعانت عوضا عن ذلك ببرنامج عمل وطني محلي، يراعي الظروف الإقليمية، ويأخذ في الحسبان العلاقات الدولية، لكنه يثق، أيضا، في القدرات المحلية، وكيفية تعاملها المبدع مع تلك الظروف الدولية والإقليمية. وبفضل ذلك لم يجد الأمريكان بدا من الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع جبهة التحرير الفيتنامية، وتقبل أمريكا بشروط كانت واشنطن قد وضعتها في فئة المحرمات.
التجربة الكوبية في الستينات، هي الأخرى جديرة بالدراسة، فقد نجحت هافانا أن تفرض نفسها، وهي القريبة من شواطئ المؤسسة العسكرية الأمريكية، وأن تنتزع اعتراف واشنطن بها، رغم رفض هذه الأخيرة القبول بكوبا دولة بعيدة عن مناطق النفوذ الأمريكية.
بطبيعة الحال في كلتا التجربتين: الفيتنامية والكوبية، هناك الكثير مما يستحق الدراسة، كي لا يؤخذ على ما يذهب إليه هذا المقال التسطيح عند مقاربته المزاوجة (بفتح الجيم) بين المحلي والإقليمي بشكل مبدع لصالح الأول، لكن القصد من وراء الاستشهاد بكلتيهما، هو لفت النظر إلى قضية واحدة فحسب، وهي من الخطأ الكبير الذي يمكن أن تقع فيه أية قوة سياسية تطمح للتغيير أن تخضع المحلي، بشكل مطلق لصالح الإقليمي، او في بعض الحالات لصالح الدولي.
وعودة للبحرين، لا شك أن طبيعة الأوضاع السياسية في المنطقة العربية، وعلى وجه التحديد الخليجية منها خاضعة للعديد من العوامل المعقدة، التي تبيح لمن يريد أن يروج لغلبة الإقليمي على المحلي، لكنها بالقدر ذاته تشكل تحديا تاريخيا للقوى السياسية الباحثة عن مخرج مبتكر تبادر بطرحه بشكل مبدع قادر على تجيير الإقليمي بشكل خلاق غير مسبوق لصالح الوطني.  وربما تكون نقطة الانطلاق في هذا المضمار هو الاقتناع بأن تجربة العمل السياسي البحريني مختلفة بعض الشيء عن تلك التي مرت بها جاراته في دول الخليج الأخرى، الأمر الذي يراكم بين يدي مكونات العمل السياسي البحريني خبرة غنية، متى ما استثمرت بشكل خلاق، بوسعها أن تنتشل الأوضاع الراهنة من واقعها الجامد المحيط بها.
وليست هناك من حاجة للاستعانة بتجارب دول أخرى، ففي العودة لتجربة هيئة الاتحاد الوطني في الخمسينات من القرن الماضي الكثير من الدروس الغنية التي يمكن، متى ما قرأت على نحو سليم أن تساعد في طرح حلول أفضل للواقع الراهن.
لا شك أن ظروف الخمسينات كانت مختلفة على الصعيدين المحلي والإقليمي، لكن دروس التاريخ تعلمنا ان ليس هناك صورا مستنسخة تكرر نفسها، فتاريخ الشعوب الحية نهر جار متجدد لا يمكن السباحة فيه مرتين بشكل متطابق. والقوى السياسية الحكيمة هي التي بوسعها معرفة كيفية الاغتسال في النهر على نحو تختلف فيها المرة عن سابقتها.
ربما يجد البعض في اللجوء إلى تغليب الإقليمي إراحة للضمير من تحمل المسؤولية، لكنه في نهاية المطاف تراخ لن يرحم التاريخ من يخلد له. فالاتكاء على الإقليمي والاتكال على تغيراته بشكل مطلق، يسحب البساط من تحت أقدام قوى تطمح للتغيير وتنادي به، وتبشر بإيجابياته.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها