النسخة الورقية
العدد 11092 الخميس 22 أغسطس 2019 الموافق 21 ذو الحجة 1440
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

  • الفجر
    3:50AM
  • الظهر
    11:41AM
  • العصر
    3:11PM
  • المغرب
    6:08PM
  • العشاء
    7:38PM

كتاب الايام

مجزرة القطيف تهز مشاعر البحرين

رابط مختصر
العدد 9545 الخميس 28 مايو 2015 الموافق 9 شعبان 1436

«كيف يمكنك أن تسوي مشاكل الصلات الانسانية عن طريق سفك الدم». هكذا كتب عبقري الرواية الروسية فيدور ديستوفسكي، وقبل وقت طويل خارج زمننا نحن المنتمون للقرن الواحد والعشرين عصر الحضارة الانسانية المتقدمة، كيف تعيش عصور الهمجية والوحشية التي عرفت آكل لحوم البشر في عصر يكاد لا يصدق امام عينيه كل يوم مستنقعات الدم هنا وهناك، سقوط ضحايا وابرياء مضرجون بالدماء وهم في لحظة خشوع وعبادة، كيف بامكان الانسان أن يتحول الى كائن متوحش مريض مصاب بتلوث روحي وعقلي، مستعذبا بموته وموت الاخرين، توهما منه ان ابواب الجنة مفتوحة له ولامثاله، من غدر بالناس في مسجد بلدة القديح بحزامه الناسف لم يكن إلا شابا مهووسا تم غسل دماغه بأنه يمارس عملا استشهاديا، ويا له من عمل فظيع حاقد؟!!
بشاعة في تفنن القتل والذبح الجماعي، وكأنه مشروع ابادة خفي وحرب قذرة بين الطوائف والشعب الواحد والدين الواحد والوطن الواحد، تلك المنهجية في قتل مسالمين اصطحبوا حتى اطفالهم للمسجد، فكان الطفل حيدر حلم جميل لم يكتمل ولم يكتحل الوطن بابداع مستقبله وقد يكون موهبة نادرة، ما لا يمكننا تخيله قلبأ مفجوعا لام وزوجة اعدت الغداء لعلها بعد قيلولة ظهرية من يوم الجمعة تصطحب عائلتها نحو شاطئ قطيفي او مجمع بارد هروبا من حر الدنيا لا موتها المروع، لعل من ماتوا كانوا يخططون لمشاريع انسانية متواضعة، خطوات صغيرة في ممرات الكون الواسع، غير انهم لم يتخيلوا انهم سيموتون مجانا وبثمن جنون جماعات باعت ضميرها للشيطان والخطيئة العمياء الكبرى، قتل مسلم يتعبد مثله في بيت الله. لم تكن القديح تتخيل انها نست مأساة الحريق الكبيرة، والتي ألمت بها قبل سنوات، حيث مات 67 امرأة وطفل في حفلة زواج، تغير الحال في القديح القرية وتحولت الى بلدة مكتظة بالسكان، وتلاشت ملامح القرية والفلاحين وصيادو السمك نتيجة التطور العمراني، واجتثت النخيل نحو زحف حضاري متسارع كما هي القرية البحرينية، ولكن التغير لم يزح حادثة الحريق من ذاكرة اهاليها، نموت دائما وابدا ولكن لكل موتة حكاية نرتضيها او نستنكرها فهناك قدر يتربصك وهناك شيطان آثم يطاردك وفي كلا الحكايتين تختلف مصائرنا، الناس يمكنها تقبل المآسي بروح صبورة واقتناع ولكنهم لا يمكنهم نسيان فاجعة من طراز مجزرة القديح، فمن قتلهم ابن الوطن ومن وضع سكين الغدر ومفخخات الموت ابن دينه وليس غريبا جاء من بعيد، هنا تكمن الفاجعة الانسانية، جاء هذا التفجير ليحيي في النفوس ذكرى المأساة القديمة، ليظل الجرح نازفا لا يتوقف وليبدو الوطن ساحة للفتنة البغيضة وشهوة الانتقام الجاثم في ثقافة مجتمعاتنا المضطربة الضائعة، والتي غيّب وعيها غسيل دماغ مدمر وصار الشباب وقوده وصلواته المجوسية المجنونة. كيف لنا من معالجة الفتنة الطائفية التي تتصاعد وتترسخ بين ظهرانينا؟!
كيف نطوق الثعابين التي تترك بيضها في الجحور والكهوف والعقول المظلمة؟ كيف نتحاشي الاقتتال والكراهية داخل وطننا بل كل اوطاننا ومجتمعات انسانية واسعة باعراقها وجغرافيتها، حيث الارهاب يدق ابواب المدن الغافلة لتصحو فجأة على ركام لحوم بشرية ودماء تسيل وتلطخ الارض والجدران؟ ما حدث في الدالوة بالاحساء قبل ثمانية شهور، كان جرس تحذير وانذار عن ان الحرب الخفية بطائفيتها انتقلت للداخل، وماعادت مجرد تلاسن في المنابر ومواقع التواصل الاجتماعي ودعاوى قنوات فضائية ومنابر مساجد وخلوات سرية ومجالس مشبوهة خبيثة تتغطى برياء اجتماعي واعلامي ممنهج، وشخصيات «محترمة وحملة دكتوراه!!» تحرض ليلا نهارا على افعال الجريمة الكامنة، هؤلاء اشاعوا الكراهية واشعلوا فتيلها، وصبوا الزيوت على نيران الامكنة النائمة المنسية، وتخللوا انفاس الناس والمجتمع وسمموا جلودهم بالحقد، وتواروا خلف الستارة السوداء والرمادية والوردية، مبتسمين في خلوتهم، هتكوا وفعلوا وتنصلوا وكأنما لم يزرعوا بذور الشيطان والفتنة بيننا، نحن الذين كانت قلوبنا لا تعرف مفردات الطائفية ولا اهازيجها، وبتنا من حيث لا نعلم اننا نمارس رقص الموت على اجساد الابرياء، مجزرة القطيف امتداد لكارثة الدالوة، وهما حلقتان لن تتوقفان كما نتوهم، فقد تم اختطاف طابور واسع من الشباب والفتيان الصغار، وبتنا نحن دول مجلس التعاون متهمين بالتصدير لتلك الوحشية لبلدان اخرى لوثة شبابنا الضائع في البرية، تحت الاحجار هناك بيض ينتظر ان يفقس ورائحة هواء فاسد بيننا لا تستهينوا بصمته ونهجه، فارهاب القرن الواحد والعشرين، مختلف في الشكل والمضمون والتفاصيل، ولن نتخلص من تلك الاوثان إلا بمزيد من بناء مجتمعات مدنية عادلة وتقوية نسيجنا الوطني بالاخاء والترابط والانسجام والتوافق وتكريس لغة الحوار والتفاهم والعقل، ولم يكن قط الانفعال والتشنج والكراهية والتهميش حلا ناجعا للمعالجة واجتثاث الجذور المريضة في داخلنا كمجتمع ومؤسسات وشعوب. نتذكر ديمولان وقوله «إنك تذبحنا أيها الجزار! ها أنا ألقي برأسي إليك لتلعق دمي!» لهذا لكل مجزرة جزارون، وحتما هناك بتنا بشرا كالخراف الجرباء في مزرعة الظلام والتخلف والوحشية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها